حوار الحضارات على أرض المغرب   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

حوار الحضارات على أرض المغرب

سلامة أحمد سلامة

صراع الحضارات.. تفاعل الثقافات.. حوار الأديان والأفكار.. لقاء الشرق والغرب.. كلها عبارات تصك الأسماع وتملأ أعمدة الصحف ومقالات الكُتَّاب وأبحاث المؤلفين، ولكنها تظل مجرد أقوال مموهة وعبارات فارغة من المضمون، حتى يعاينها المرء على أرض الواقع.. متجلية فى حياة الناس وسلوكياتهم. منعكسة فى اختلاط ألسنتهم وامتزاج لغاتهم. تنطق بها طرز العمارة والمباني، وملابس الناس وأزياؤهم، وتخطيط الشوارع والمدن والحدائق. حتى يكاد التماهى بين العناصر المختلفة أن يكون أمرًا يصعب وضع حدود فاصلة فيه.

ولا يكاد يوجد فى العالم العربى والإسلامى قطر تتجلى فيه هذه الظاهرة بأجلى صورها أكثر من المغرب العربى. وعلى وجه التحديد المملكة المغربية، التى ورثت تراثًا عربيا إسلاميا، أوروبيا أندلسيا، صحراويا متوسطيا، بدويا حضريا. ولا يملك الزائر للمغرب إلا أن يلحظ هذه الظاهرة فى معظم مدنها وحواضرها.. ذلك الاشتباك المستمر بين الأصل الأندلسى العريق ونزعة التجديد والتغريب التى تطبع الكتلة العمرانية بطابعها. معظم المدن المغربية التى أقيمت واستمرت وعمَّرت عبر التاريخ هى فى الأصل قلاع شيدت، إما لمواجهة خطر الغزو القادم من الغرب عبر المضيق، أو تأهبًا لاستعادة الأرض التى ضاعت والممالك التى دمرت والبيوت التى نهبت.. ثم هى فى لحظات الهدوء والاستقرار.. مدن تنعم بالرخاء وراحة البال، أو الانغماس فى الذكر والعبادة، وبناء الصوامع والمساجد، والإبداع العقلى والفنى حفاظًا على الدين والتراث.


ما بين اتخاذ موقع الدفاع وموقع الهجوم، تتلفت الشخصية المغربية حولها فى انتظار ما يأتيها من الخارج أو ما يحاك لها فى الداخل، ولا يملك المغرب فى كل الأحوال أن يلتمس حياة العزلة والانكفاء على الذات أو إغلاق الأبواب على نفسه
وما بين اتخاذ موقع الدفاع وموقع الهجوم، تتلفت الشخصية المغربية حولها فى انتظار ما يأتيها من الخارج أو ما يحاك لها فى الداخل، ولا يملك المغرب فى كل الأحوال أن يلتمس حياة العزلة والانكفاء على الذات أو إغلاق الأبواب على نفسه، فالامتدادات الجغرافية الواسعة، وجبال الريف الخضراء المتماوجة، والسواحل الممتدة من البحر الأبيض المتوسط حتى الأطلنطى.. لا تدع مجالاً للعزلة والتوحد. بل هى دعوة صريحة للاندماج والتداخل والتفاعل. وهذا هو مكمن الخطر، إذ يصبح الموقع مجالاً للإغراء وهدفًا سهلاً للولوج والتأثير والامتلاك، وهو بنفس القدر فرصة للثراء المادى والعقلى والتواصل الحضارى والإنسانى.

فى الرباط سألت عامل الفندق، وهو لا يفتأ يحدثنى بالفرنسية، عما إذا كانوا لا يتعلمون اللغة العربية أو يستخدمونها فى حياتهم.. فرد على بلغة عربية ملثمة بنبرة فرنسية، أن العربية يتعلمونها فى المدارس ولكنهم يستخدمون الفرنسية فى أمور حياتهم وتعاملاتهم اليومية. وقال لى -معتذرًا أو موضحًا -إن المغرب أصبح عضوًا مشاركًا فى الاتحاد الأوروبي، وأن الاستعمار الفرنسى ترك خلفه ثقافة اللغة ومفرداتها، وأنهم يفضلون اليورو على الدولار.. ومع ذلك فلابد أن تلحظ أن معظم الصحف تصدر بالعربية وأن معظم الأغانى المنتشرة بين الشباب هى الأغانى المصرية واللبنانية، ربما بأصوات بعضها مغربية وفرانكوفونية. وفى الفترة الأخيرة بدأت تظهر فى شوارع المدن المغربية معاهد ومراكز لتعليم الإنجليزية، فالنفوذ الأميركى يحاول أن يجد له موقع قدم فى شعب أمضى عدة قرون يحارب من أجل التملص من النفوذ الإسبانى تارة ثم من النفوذ الفرنسى تارة أخري!

وحين يتأمل المرء تاريخ مدينة مثل الرباط، التى قامت على يد مؤسس دولة الموحدين فى القرن الثانى عشر.. فسوف يجد نفسه بإزاء تاريخ حافل بالمشاعر المتضاربة. إذ تأسست هذه المدينة لتكون حصنًا ومقرًا لتجمع المجاهدين، وهمزة وصل فى ملحمة الموحدين الزاحفين فى طريقهم لاستعادة الأندلس. وأطلق عليها «رباط الفتح» تذكيرًا بالمعارك المظفرة ضد المسيحيين الإسبان، واستغرق التاريخ ثمانية قرون هى المدى الفاصل بين دولة الموحدين وبين «الإقامة العامة للحماية الفرنسية» فى بداية القرن العشرين.. ظلت الرباط خلالها تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين المسلمين المطرودين من الأندلس.. وتوشك بحكم موقعها أن تواصل مسيرتها وكأنها فى حالة تأهل دائم للجهاد، ولكن سرعان ما جاء الفرنسيون ليعيدوا تخطيط المدينة، فى محاولة لمزج المدينة العتيقة بالامتدادات العمرانية الجديدة، مع المحافظة على طابعها التاريخى القديم.

أكبر الظن أن النفوذ الفرنسى فى المغرب لم ينشأ ويتوطد إلا لمقاومة الأطماع الإسبانية القديمة التى لم تتوقف حتى الآن. فمازالت هناك محميات إسبانية فوق التراب المغربى مثل سبتة ومليلة. ومازالت إسبانيا تعارض التخلى عن هذه المحميات وتفرض فيها وجودًا عسكريا بغيضًا. وحين ثار أخيرًا نزاع بين المغرب وإسبانيا حول جزيرة صغيرة لرعى الأغنام تقع فى قلب المياه الإقليمية المغربية، لم تتورع إسبانيا عن تحريك أساطيلها وقواتها، وإظهار عضلاتها العسكرية مهددة باستخدام القوة.

ويشعر المغاربة بأن الإسبان مازالوا يقفون للمغرب بالمرصاد ويعتبرونها منطقة نفوذ حيوى لهم بالمنطق الاستعمارى القديم. فهى تحتل سبتة ومليلة فى الشمال، وتحرض -بم
ساعدة الجزائر ـ العناصر الانفصالية لجمهورية الصحراء فى الجنوب. وقالت لى صحفية مغربية شابة: إن الإسبان لا يريدون أن ينسوا تلك الحقبة التاريخية التى بسط فيها أهل المغرب سلطانهم ونفوذهم وحضارتهم ولغتهم على إسبانيا وأقاموا فيها تلك الحضارة الأندلسية الباهرة سبعة قرون أو يزيد. وهم على استعداد لفعل كل شيء من أجل ألا يعود للمغرب وضعه القديم؛ حتى لو أدى الأمر لتقديم سبتة ومليلة كقواعد عسكرية لحلف الأطلنطى أو لأميركا.


حروب الحضارات والغزو الاستعمارى الثقافى بأشكالها القديمة ربما تكون قد انتهت، ولكنها تتخذ فى عالمنا المعاصر أشكالاً جديدة وأطوارًا أخرى أكثر تعقيدًا، تعيد صياغة حاضرنا ومستقبلنا
وحين قطعت الطريق بالسيارة من الرباط إلى تطوان ثم طنجة فى أقصى الركن الشمالى من المغرب على ساحل البحر المتوسط، أدركت لماذا أغرت مناطق الريف الجبلية بسهولها وهضابها الخضراء الغنية بالأمطار والموارد المائية بعض الحركات الانفصالية كتلك التى قادها عبد الكريم الخطابى. وإن كانت القرى السياحية التى تتناثر على شطآنها قد جعلتها مصدر إشعاع دولى ومحلي، تظاهرها ثروات طبيعية من الأراضى الزراعية والحدائق والغابات التى تغطى مرتفعاتها المتماوجة وتضفى على الطبيعة فيها سحرًا خلابًا.
وعلى عكس الرباط، تبدو كلٌٌّ من تطوان وطنجة وكلتاهما تحمل بصمات حضور إسبانى أندلسى لا شبهة فيه.. بمبانيها البيضاء، وعمارتها المميزة، وفضائها الممتد عبر الأفق، وقصبتها التقليدية ذات الشوارع الضيقة الرطبة، وأسواقها القديمة، وباحاتها العامرة بالأشجار.

ولتطوان تاريخ طويل مع الاستعمار الإسبانى والبرتغالى.. ومنذ القرن الخامس عشر تداولتها الأيدى بين الاستعمار الإسبانى تارة والعودة إلى الأحضان العربية المغربية تارة أخرى. واحتلها الإسبان فى بداية القرن العشرين وجعلوها عاصمة لمنطقة الحماية الإسبانية. ومازال عدد كبير من سكان تطوان يتكلمون اللغة الإسبانية إلى جانب العربية. ولم أخف دهشتى حين حضرت حفلاً لفرقة إسبانية للرقص الإيقاعى الحديث فى المسرح الكبير بتطــوان، امتلأ عن آخره بجمهور مختلط من المغاربة والأجانب.
ولكن إلى جانب هذه المظاهر الحديثة، بقيت المدينة القديمة جزءًا من نسيج عمرانى متوحد. يقودك بمنتهى اليسر إلى القصبة بأزقتها الضيقة.. حيث تتمركز المساجد والزوايا والأضرحة والسقايات. وإذا قادتك قدماك إلى أحد البيوت القديمة التى تحولت إلى مطعم تقليدى.. فسوف تحيا بضع ساعات فى أجواء عابقة بعطر التاريخ.. تتناهى إلى أسماعك أصوات المؤدين للموشحات الأندلسية والمدائح النبوية وأشعار الغزل العربى القديم. تعيد إنتاج مرحلة من التاريخ ذهبت فى طوايا الماضى البعيد، ولا يوجد من الدلائل ما يشير إلى أنها قد تعود. ولكنها فى كل الأحوال تطرح قضية التفاعل بين الحضارات والثقافات. وتبرهن على أن حروب الحضارات والغزو الاستعمارى الثقافى بأشكالها القديمة ربما تكون قد انتهت، ولكنها تتخذ فى عالمنا المعاصر أشكالاً جديدة وأطوارًا أخرى أكثر تعقيدًا، تعيد صياغة حاضرنا ومستقبلنا كأفراد وجماعات وشعوب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة