الترحيل وجدله في المجتمع الإسرائيلي   
الثلاثاء 1428/3/30 هـ - الموافق 17/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 19:20 (مكة المكرمة)، 16:20 (غرينتش)


مصطفى كبها

جرت محاولات من جهات إسرائيلية عديدة لتخفيف حدة حقيقة تجذر فكرة الترحيل في فكر وممارسة جمهور الأغلبية القومية في إسرائيل من خلال تصويرها على أنها فكرة هامشية ومنحصرة في بعض المهلوسين من دعاة الشوفينية القومية الممهورة ببعض الأصولية الدينية.

لكن دخول بعض دعاة الترانسفير للبرلمان الإسرائيلي بل وجلوس بعضهم لفترة ما (رحبعام زئيفي وأفيغدور ليبرمان) على مقاعد الحكومة كجزء من ائتلاف حكومي يجمعهم مع أحزاب تعتبر نفسها من التيار المركزي الرافض للفكرة، أمر جعل طروحاتهم شرعية ومستساغة من قبل مكونات الائتلاف الأخرى.

الرأي العام الإسرائيلي والترحيل
مبررات الدعوة إلى الترحيل
الترحيل أو الإبادة

الرأي العام الإسرائيلي والترحيل

بل إن مشاركة هؤلاء في الحكم شجعت بعض مصممي الرأي العام من باحثين وإعلاميين وكتّاب، على طرح فكرة الترحيل على الملأ كجزء من مواضيع الجدل الشرعية التي أصبح بالإمكان طرحها في الحيّز العام دون تحرج أو رادع.

وقد درج هؤلاء على عرض هذه الفكرة على أنها فكرة مخلصة من مخاطر تهدد دولة إسرائيل كدولة يهودية أو على الأقل دولة ذات أغلبية يهودية واضحة غير قابلة للنقض، كفكرة الخطر الديموغرافي على سبيل المثال وما يتخللها من هواجس لدى المجتمع اليهودي ومخاوف من أفضلية كونه أكثرية.

لقد تم قياس مدى تأثير هؤلاء على الرأي العام اليهودي في إسرائيل من خلال بعض الاستطلاعات التي أجريت في السنوات الأخيرة وأثبتت نتائجها تأثر قطاعات واسعة من أبناء الأغلبية اليهودية بهذه الأفكار واقتناعها بها.

ففي استطلاع للرأي أجري بجامعة حيفا في صيف عام 2004 ظهر أن حوالي 60% من جمهور الطلاب اليهود في الجامعة يؤيدون فكرة تشجيع مواطني إسرائيل من العرب الفلسطينيين على الهجرة.

نتائج مشابهة أشار إليها "المعيار السنوي للديمقراطية" الذي نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية عام 2005 حيث أوضح أن 57% من اليهود الإسرائيليين يحبذون فكرة تشجيع العرب مواطني إسرائيل على الهجرة إلى خارجها.

مبررات الترحيل

يعتمد مروجو الفكرة في الثقافة العامة الإسرائيلية على أساسين دعائيين، يهدفون من خلالهما إلى نشر الفكرة وترسيخها لدى السواد الأعظم من أبناء مجموعة الأغلبية اليهودية في إسرائيل.

  1. الأول ينحو إلى الاعتماد على شواهد من الماضي تتعلق بعمليات تبادل سكاني بالتراضي جرت في العالم وأثبتت حسب ادعائهم نفسها، كالتبادل السكاني الذي جرى بين تركيا واليونان في منتصف العشرينيات من القرن الماضي، أو عملية إعادة 12 مليوناً من الألمان إلى ألمانيا من إقليم السوديت (تشيكو سلوفاكيا المعروف اليوم بـ"تشيكيا") ومن روسيا الشرقية (الاتحاد السوفياتي، وهي روسيا الآن) ومن غدانسك (بولونيا) في أعقاب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.
  2. أما الثاني فيحاول تصوير الفكرة كفكرة اختمرت وتطورت في حضانة التيار المركزي للحركة الصهيونية ومن قبل كبار رموزها مثل تيودور هرتزل، ودافيد بن غوريون، وبيرل كاتسا نيلسون.

ومن الجدير ذكره هنا أن الأساس الأول من الادعاءات موجه بالأساس لمنتقدي الفكرة من الخارج في حين يوجه الأساس الثاني لدحض ادعاءات المنتقدين من داخل المعسكر الصهيوني.

"
سنحاول تشجيع السكان الفقراء الذين لا يملكون قرشاً واحداً على الانتقال إلى ما وراء الحدود وذلك من خلال إيجاد أماكن عمل لهم في البلدان التي سينتقلون إليها ومنعهم من العمل في بلادنا

"
تيودور هرتزل

الرد على المنتقدين من الخارج
في مقال للصحافي ذي الميول اليمينية أرييه فيرلمان نشره في الموقع الإلكتروني "أرض الظبي"  تحت عنوان "الترحيل هو الحل الأفضل" بتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2003 قال:

"عندما لا تكون هناك إمكانية للتنازل أو لاقتسام البلاد، عندها تكون أفضل الطرق هي الفصل بين الفريقين من خلال تبادل سكاني أو نقل مجموعة سكانية من منطقة إلى أخرى. كثير من الناس وصلوا إلى هذه العبرة ولكن كثيراً ما حدث ذلك بالطريقة الصعبة".

ولكي لا يتهم كاتب المقال بالشوفينية والتعصب يعطي مثالاً يدعم الأساس الأول الذي تحدثنا عنه وهو محاولة إقناع المعارضين الخارجيين بحيث يكون المثال متعلقاً بشخصية لا يطعن في شرعيتها أو نزاهتها الأخلاقية.

ومن هذا المنطلق يحيلنا الكاتب إلى النرويجي فريدتيوف نانسن المسؤول عن ملف اللاجئين لدى عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى الذي كان وراء فكرة التبادل السكاني بين تركيا واليونان. ثم يقول "إنه لا يمكن اتهام هذا الشخص بالقسوة أو اللاإنسانية"، بل يصوره على أنه ممثل للضمير الإنساني العالمي.

أما موقع حركة موليدت اليمينية فإنه يحيل القراء إلى مرجعيات عالمية أخرى ويعطي مثالاً لطموحات انتخابية طرحها حزب العمال البريطاني في حملته الانتخابية عام 1944 وجاء فيها "يؤيد الحزب عملية تشجيع العرب على النزوح عن فلسطين وتشجيع دخول اليهود إليها".

كما يحيل إلى مؤتمر بوتسدام الدولي الذي عقد في  تموز 1945 عقب نهاية الحرب العالمية الثانية واشترك فيه زعماء الدول العظمى المنتصرة (ستالين وروزفلت وتشرتشل) حيث تقرر فيه إرجاع 12 مليوناً من الألمان إلى موطنهم الأصلي من بلدان كانوا يوجدون فيها.

الرد على المنتقدين من الداخل
أما فيما يتعلق بمقارعة المنتقدين داخل المعسكر الصهيوني ذاته، فيلجأ دعاة فكرة الترحيل أو المتعاطفين معها إلى انتقاد جهات من داخل الحركة الصهيونية (زعماء حركة ميرتس -ياحد  وبعض ممثلي اليسار وكتّابه) تصف دعاة فكرة الترحيل بالفاشية. 

ويقتبس دعاة الترحيل مقولات من رموز الحركة الصهيونية تتحدث عن فكرة الترحيل بغرض القول إن الفكرة ليست هامشية، ولسان حالهم يقول إذا أراد المنتقدون أن ينعتونا بالفاشية فلينعتوا بذلك آباء الحركة الصهيونية من هرتزل حتى بن غوريون.

وفي هذا السياق يذكرون ما كتبه هرتزل بمدونته في 12 يونيو/حزيران 1895 حيث قال: "سنحاول تشجيع السكان الفقراء الذين لا يملكون قرشاً واحداً على الانتقال إلى ما وراء الحدود، وذلك من خلال إيجاد أماكن عمل لهم في البلدان التي سينتقلون إليها، ومنعهم من العمل في بلادنا نحن".

أو ما قاله بيرل كاتسانلسون في مداولات المؤسسات الصهيونية حول توصيات لجنة بيل بالتقسيم حيث قال هناك: "منذ فترة وأنا أعتقد أن هذا الحل هو أفضل الحلول، وفي أيام الاضطرابات قوي لدي الشعور بأن هذا الأمر حتمي الحدوث، وبالطبع لم أفكر في أن الترحيل سيكون إلى نابلس، بل من المفروض أن يكون إلى سوريا والعراق".

كما يقتبس دعاة الترحيل من بعض الكتاب اليهود الذين عرفوا بمواقفهم الليبرالية أو اليسارية كالكاتب أ.ب. يهوشع الذي يتصدر اقتباس من أقواله كراسة عن فكرة الترحيل  قامت حركة موليدت بإصدارها وتوزيعها.

"
إذا طالب العرب بموطئ قدم لهم في القدس من منطلق كون مدينة القدس مدينة مقدسة للمسلمين، عندها على إسرائيل أن تطلب موطئ قدم لها في أماكن مقدسة لليهود

"
دافيد قماه

وقد جاء في أقوال يهوشع هذه بعد أيام قليلة من توقيع اتفاق المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 13 سبتمبر/أيلول عام 1993 "إذا جاء يوم وعمد فيه الفلسطينيون إلى خرق الاتفاق الذي وقعناه معهم، عندها سأقول علينا أن نبادر إلى ترحيلهم إلى الأردن بشكل منظم".

ولكي تبدو آراؤهم مقبولة ومنطقية أكثر يتحدثون حتى عن جهات عربية مؤيدة للفكرة، بل عملت على تنفيذها في الماضي، ذاكرين في هذا السياق اقتراح نوري السعيد رئيس وزراء العراق في العصر الملكي، حول إجراء تبادل سكاني بين يهود العراق والفلسطينيين.

بعض المنادين بفكرة الترحيل لا يخفون حقيقة كون المطالبة بتنفيذها لدى بعضهم، تخفي في الحقيقة رغبة في تحسين وضع الطرف الإسرائيلي في مفاوضات محتملة للحل النهائي.

فهم يعتقدون أن رفع سقف طلبات الطرف الإسرائيلي مقابل الطلبات العربية، يمكن أن يزيد طردياً من حجم "المنجزات" التي يمكن لهذا الطرف أن يحصل عليها في نهاية المطاف.

ففي كتابه الذي يحمل عنوان "النزاع: لماذا وحتى متى؟"، يقول دافيد قماه: "إذا لم يعترف العرب بإسرائيل واستمروا في المطالبة بقذف اليهود في البحر أو بإرجاعهم إلى المنفى، عندها على إسرائيل أن لا تعترف بأي دولة عربية سوى السعودية، وأن تطالب بإرجاع جميع العرب إلى موطنهم الأصلي شبه جزيرة العرب. وإذا طالب العرب بموطئ قدم لهم في القدس من منطلق كون مدينة القدس مدينة مقدسة للمسلمين، عندها على إسرائيل أن تطلب موطئ قدم لها في أماكن مقدسة لليهود (جبل نيفو، جبل سيناء، وكنيس دمشق)، وإذا طالب العرب بتجسيد مبدأ تقرير المصير للشعب الفلسطيني، على إسرائيل أن تطالب قبل كل شيء بتجسيد مبدأ تقرير المصير للأكراد، والأقباط، والدروز، والسود في السودان".

الترحيل أو الإبادة

"
دعاة الترحيل لم يهدؤوا ولم ييأسوا وهم يكدون في عملهم على تعميم ثقافة الترحيل لدى فئات شعبية واسعة في إسرائيل، وأظهرت استطلاعات الرأي أنهم حققوا في ذلك نجاحاً لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال متواضعا

"

كما أن قماه يرفض الحديث عن دعاة الترحيل وكأنهم هوامش الحركة الصهيونية بل يصف رحفعام زئيفي "بأنه التجسيد الحقيقي لحركة العمل الصهيونية وجزء من نواتها المركزية".

أما بالنسبة لمدى "أخلاقية" فكرة الترحيل، فقد حاول بعضهم القول إنه لا غبار من الناحية الأخلاقية على الفكرة، ما دامت تتم بالاتفاق والتراضي.

وقد ورد في تعريف مصطلح الترحيل في النص العبري لموسوعة ويكيبيديا التعبير التالي عن أخلاقية الترحيل:

"فكرة الترحيل هي فكرة إنسانية، نسبياً، وذلك مقارنة مع طرق أخرى منتشرة أكثر كطريقة التطهير العرقي وهي عبارة ملطفة لعملية إبادة الشعب".

ومن الملفت للنظر لجوء بعض المصادر الإسرائيلية إلى القول إن رفض فكرة الترحيل والتعريض بدعاتها واتهامهم بالفاشية هو نتيجة لأسباب سياسية على الأغلب وليس لأسباب أخلاقية. وعليه فهم يرون في هذه المعارضة أمراً مؤقتاً ويشددون على ذلك في الكثير من الحالات.

وقد كان لظاهرة المؤرخين الجدد وكتاباتهم أثر في بلورة إستراتيجيات دعاة الترحيل في مقاومتهم لمعارضي الفكرة.

فكتابات مجموعة المؤرخين الجدد (إيلان بابي، آفي شلايم وغيرهما) تقترب في بعض الوجوه من الرواية الفلسطينية لنكبة 1948، واستغلها دعاة الترحيل لتصوير مخالفهيم من "اليهود" على أنهم "أعداء إسرائيل والشعب اليهودي" لأنهم يتبنون رواية الأعداء الفلسطينيين، خاصة وأنها تتحدث عن حرب 1948 كصورة من صور التطهير العرقي.

ويستغل دعاة الترحيل كذلك ماضي المؤرخ بيني موريس (قبل الانقلاب الذي حصل في توجهاته بعد عام 2000) ليبرزوا أقواله التي أدلى بها لصحف إسرائيلية وعالمية بالنسبة للموضوع بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، والتي تشتم منها رائحة تأييد الترحيل وإبداء الندم على عدم اكتماله عام 1948.

خلاصة القول هي أن دعاة الترحيل لم يهدؤوا ولم ييأسوا من إمكانيات تحقق خططهم، بل يمكن القول إنهم يكدون في عملهم على تعميم ثقافة الترحيل لدى فئات شعبية واسعة في إسرائيل، وقد أظهرت استطلاعات الرأي أنهم حققوا في ذلك نجاحاً لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال متواضعا.
_______________
أستاذ جامعي وباحث من عرب 48

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة