إعمار العراق والادعاءات الأميركية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

هارون محمد

بات جليا أن الوعود الأميركية بإعادة إعمار العراق وإصلاح ما دمرته الحرب الأخيرة التي شنت عليه، هي أكذوبة في واقع الحال، ولا تختلف في حقيقتها وطريقة إطلاقها عن بيانات البيت الأبيض التي بشرت العراقيين بأن الإدارة الأميركية عازمة على بناء تجربة ديمقراطية في بلادهم تكون قدوة في المنطقة.

وها قد مضى عام على احتلال العراق، ولم يتحقق شيء ملموس، لا على صعيد الإعمار ولا في الميدان السياسي، كل الذي شهدناه هو أن واشنطن أنتجت مشروعا للفوضى سوقته إلى هذا البلد الذي عاش على امتداد 13 عاما تحت وطأة الحصار الخارجي والتأزم الداخلي، عانى خلالها سلسلة من الأزمات كان ضحيتها الشعب العراقي بأجمعه.


الهدف من التلكؤ بإصلاح مصافي النفط المحلية هو سعي الشركة الأميركية لتأمين أكبر قدر ممكن من النفط العراقي بغرض بيعه في الأسواق الخارجية وحرمان العراقيين من التمتع بثرواتهم الوطنية
دوافع وأسباب

ثبت من مجريات الأحداث في العراق، على مدى عام من احتلاله، أن واشنطن لم تكن تتطلع إلى إسقاط نظام صدام حسين، كما جاء في تصريحات جميع المسؤولين فيها ابتداء من الرئيس جورج بوش ونزولا إلى أصغر جنرال في البنتاغون، وإنما تبين أن هدفها الأساس هو تقويض الدولة العراقية وتدمير بناها التحتية وتخريب مفاصلها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والخدمية، الأمر الذي يتيح لها -وهذا ما حصل بالفعل- أن تهيمن على مقدرات العراق والاستحواذ على ثرواته وموارده، وإخضاعه للشركات الأميركية واحتكاراتها وتفرعاتها، وخصوصا تلك التي لها نفوذ وصلات بدوائر صنع القرار وفي مقدمتها "هاليبرتون" التي عمل فيها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي أكثر من عشر سنوات رئيسا ومستشارا لها، وشقيقتها "بكتل" التي رأس مجلس إدارتها وزير الخارجية الأسبق جورج شولتز منذ أكثر من عقدين.

وقد كشفت الصحف الأميركية في أكثر من مناسبة خلال العام الماضي أن مسؤولين كبارا في هاتين الشركتين ساهموا بفعالية في تشجيع إدارة الرئيس بوش على شن الحرب على العراق والتحريض على احتلاله.

وأجمع كثير من المعلقين والمراقبين السياسيين الأميركيين أنفسهم بالوقائع والأرقام والتواريخ، أن البيت الأبيض كان قد حسم الأمر بتفويض شركتي هاليبرتون وبكتل بالسيطرة على الصناعة النفطية في العراق بالنسبة للأولى، والإشراف على عمليات إعادة إعماره للثانية، في مطلع عام 2003 أي قبل شن الحرب بشهرين. وقالت أيضا إن ممثلين للشركتين استقروا في الكويت، واتخذوها قاعدة لهم قبل أن يكتمل الحشد العسكري الأميركي فيها. ومن تابع ما جرى في العراق طيلة الشهور التي أعقبت غزو العراق واحتلاله إلى يومنا الراهن، لابد أن يكتشف أن هذا الأمر صحيح تماما، وتم تنفيذه بدقة ووفق برامج وخطط مسبقة.

فشركة هاليبرتون التي هيمنت على قطاع النفط العراقي، لم تقدم لغاية هذا اليوم، على إقامة مشروع ضمن ما كلفت به من مهام في إصلاح المرافق والمنشآت النفطية التي هي فعلا بحاجة شديدة إلى عمليات ترميم وصيانة، لأنها تركت تواجه التآكل والإهمال طيلة الفترة التي أعقبت غزو الكويت 1990، والحصار الذي فرض على العراق.

بل إنه من المفارقات أن الأمم المتحدة التي توصلت مع حكومة بغداد في مايو/ أيار 1996 إلى اتفاق "النفط مقابل الغذاء والدواء" لم تلتزم هي الأخرى بتنفيذ الأجندة التي تعهدت بها وفق الاتفاق بإرسال خبراء ومتخصصين يتولون مع الجانب العراقي مهمات إصلاح الآبار والحقول والأنابيب النفطية، واكتفت بتحصيل إيرادات النفط المصدر إلى الخارج، والإشراف على بيعه وتسلم عائداته وتقسيمها إلى حصص غير منصفة، نالت المنظمة الدولية حصة لا تستحقها.

ولم تكتف شركة هاليبرتون بوضع اليد على الإنتاج العراقي من النفط وتسويقه، بل إنها عمدت إلى إهمال الأضرار التي تعرضت لها مصافي النفط في بيجي شمال بغداد والدورة في ضواحي العاصمة، ومنعت الطواقم العراقية الفنية من إصلاحها بحجة الانفلات الأمني.

واتضح لاحقا أن الهدف من التلكؤ بإصلاح مصافي النفط المحلية هو سعي الشركة الأميركية لتأمين أكبر قدر ممكن من النفط العراقي لأغراض التصدير وبيعه في الأسواق الخارجية، وحرمان العراقيين من التمتع بثرواتهم الوطنية.

لذلك لم يكن غريبا مشاهدة طوابير المواطنين يقفون إلى جوار سياراتهم في انتظار الوقود خلال الشهور القليلة الماضية، وهو ما أثار دهشة واستغراب الكثيرين من خبراء النفط، عن هذه الحالة الغريبة لبلد طاف على محيط من النفط وسكانه لا يجدون وقودا لمنازلهم وسياراتهم.

وقد أدى تدخل الشركة الأميركية في قطاع النفط إلى تغيير موظفي مؤسسة تسويق النفط العراقية (سومو) وهي الجهة الوحيدة المسؤولة عن المعاملات والتعاقدات النفطية مع الشركات الأجنبية.

ومن اطلع على ما نشرته مجلة "ميس" النفطية المتخصصة والرصينة في عددها الصادر في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، يصدم من الطريقة التي عزل بموجبها المدير العام للشركة المهندس محمد الجبوري الذي انتخبه منتسبو الشركة لكفاءته ونزاهته عقب سقوط النظام، وأوردت المجلة في تحقيقها الصحفي أن إقصاء الجبوري جاء نتيجة تمسكه برفض تجهيز النفط لشركة أميركية لها سجل حافل في المخالفات وموضوعة في القائمة السوداء في أكثر من بلد، وكانت نتيجة إصراره وتقيده بقواعد تسويق النفط وضوابطه أن تم طرده من وظيفته، وفازت الشركة المحمية من هاليبرتون بما تريد.


ما يحدث في العراق الآن خطة سياسية أميركية مرسومة تستهدف تفكيكه وتحطيم البقية الباقية من بنيته التحتية وتفريغه من نخبه ليسهل التحكم به
مفارقات وملابسات

لعل من المفارقات أن العراق يكاد يكون البلد الوحيد في العالم من منظومة الدول المصدرة للنفط، الذي لا تعرف مداخيله من مبيعات نفطه، رغم أن تصريحات وزير نفط مجلس الحكم الانتقالي ببغداد إبراهيم بحر العلوم تؤكد أن الكميات المصدرة إلى الخارج لم تقل عن 1.6 مليون برميل يوميا من الفترة مايو/ أيار 2003 لغاية مارس/ آذار 2004 علما بأن أسعار النفط خلال هذه الفترة تراوحت بين 28 و34 دولارا للبرميل.

وإذا كانت هاليبرتون لم تنفذ شيئا ملموسا في المهمات التي ذكر أنها التزمت بها في القطاع النفطي رغم مرور قرابة عام على تسلمها المسؤوليات المكلفة بها، فإن بكتل التي أوكل إليها مشاريع إعادة الإعمار، هي الأخرى لم تقم بعمل واحد يستحق الذكر يمكن إدراجه ضمن عمليات الإعمار الكبرى.

والزائر للعراق من أي منفذ حدودي يلاحظ خراب الطرق وتحطم الجسور والأضرار التي لحقت بالمدارس والمرافق والمنشآت الحكومية ومباني الوزارات والدوائر والمصانع والمعامل.

وطيلة العام الماضي لم تباشر الشركة الأميركية أي مشروع جدي لإعادة الإعمار، وكل الذي فعلته هو أنها منحت مناقصات هامشية وثانوية من الباطن إلى شركات ومقاولين أميركيين وأجانب، وإلى شركات عربية وعراقية بنسبة قليلة في مجالات غير حيوية، في الوقت الذي فتحت فيه سلطة الاحتلال أبواب العراق لاستقبال أردأ السلع والبضائع خاصة الغذائية منها لتغزو الأسواق العراقية بلا رقابة أو ضوابط صحية.

وصحيح أن الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق تعيق عمليات إعادة الإعمار، التي يقال إن الشركات الأميركية والأجنبية تنوي القيام بها، بسبب الهجمات التي تقودها المقاومة على قوات الاحتلال والوجود الأجنبي، ولكن الصحيح أيضا أن الإعمار كان من الممكن أن ينهض ويتصاعد في العراق إذا تسنى للعراقيين أنفسهم أن يتولوا هذه المهمة، لإحساسهم الوطني وخبراتهم المتراكمة وكفاءتهم العملياتية ووجود شركات عراقية متخصصة لها باع طويل في هذا المجال، إذا تم توفير المستلزمات الفنية والتقنية لها فقط.

فالشعور العام لدى جميع العراقيين أن الشركات الأميركية والأجنبية جاءت إلى العراق لتنهب وتسرق وتخرب، وبالتالي فإنه من الصعب على الجمهور العراقي أن يصدق الادعاءات الأميركية بأنها تريد إعمار العراق وتنميته ورفع مستوى شعبه اقتصاديا واجتماعيا في الوقت الذي أقدمت فيه سلطة الاحتلال على سلسلة من الإجراءات تتعارض تماما مع ما تعلنه من تصريحات وبلاغات تندرج في خططها الإعمارية المزعومة.

وها قد مر عام على الاحتلال الأميركي للعراق، والعام بشهوره وأيامه بالنسبة للعراق فترة طويلة، كان يمكن للإدارة الأميركية إذا شاءت أن تفعل الكثير فيه، ولكنها لأسباب خاصة بمصالحها وأغراضها وأهدافها إضافة إلى افتقارها إلى رؤية واضحة وتعدد مراكز القرار فيها في النظرة والموقف من العراق، عجزت عن الإيفاء بالالتزامات والتعهدات التي قطعتها على نفسها، وباتت عاجزة عن القيام بأي دور له علاقة بالإعمار والتنمية بالبلد الذي احتلته.

ومن ملاحظة ما أعلن عن تحقيقات في الكويت وواشنطن عن تجاوزات الشركات الأميركية وتورطها في عمليات فساد، ساد اعتقاد بأن الكشف عنها إعلاميا هو محاولة من البيت الأبيض لإضفاء قدر من الشفافية المفقودة أصلا على محاسبة الشركات المختلسة والمخالفة، علما بأن نتائج هذه التحقيقات لا تزال غامضة وغير معروفة.

وعموما.. فإن تجارب عمليات الإعمار للبلدان المحتلة من قوى خارجية، أكدت كما في ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية -على سبيل المثال- أن الدول الأجنبية وسلطاتها الاحتلالية ليست معنية بقضايا وشؤون الإعمار في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وإنما هذه المهام من اختصاص أبناء البلد الذي احتل، إذا أتيح لهم ذلك، والعراق كما هو معروف يزخر بالمبدعين والكفاءات في جميع الميادين والمجالات، والخبراء والعلماء فيه على قدر عال من الاقتدار والأداء، يتفوقون على نظرائهم الأجانب بالخبرات والتجارب والاطلاع والمعرفة بشؤون بلدهم واحتياجاته ومستلزمات إعماره.

ولكن ما يحدث في العراق الآن هو خطة سياسية أميركية مرسومة تستهدف تفكيكه وتحطيم البقية الباقية من بنيته التحتية وتفريغه من نخبه ليسهل التحكم به، وتجارب التاريخ الحديث تؤكد أن المحتلين يحرصون دائما على مصالحهم وامتيازاتهم، وليسوا في وارد التطوير والتنمية للبلدان التي يستعمرونها ويسيطرون عليها، والعراق عقب عام من احتلاله خير شاهد ودليل، وما خفي كان أعظم.
__________________________
كاتب ومحلل سياسي عراقي مقيم في لندن

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة