إيران الثورة والدولة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:04 (مكة المكرمة)، 16:04 (غرينتش)

تكاد إيران تكون البلد الإسلامي الوحيد الذي يجري فيه تنافس حقيقي على الرئاسة، وقد تعاقب على رئاستها منذ عام 1980 أربعة رؤساء منتخبون، ولكن تساؤلات كثيرة مازالت تجري عن إيران ستكون الانتخابات الرئاسية القادمة فيها مناسبة لطرحها، مثل: أين تمضي إيران بعد 22 عاما من الثورة؟ وإلى أين وصلت؟ ما حقيقة الاختلاف بين الإصلاحيين والمحافظين؟ ومن هم الإصلاحيون والمحافظون؟ ماذا حققت الثورة الإيرانية للمواطنين على مستوى الحريات السياسية والتنمية والاحتياجات الأساسية؟ ما مدى نجاح النظرية السياسية التي تعتمدها إيران في الحكم? وهل تصلح للتطبيق في العالم الإسلامي؟

تحتل إيران موقعا مهما في الخريطة السياسية والاستراتيجية إقليميا وعالميا، فهذا البلد المتسع المترامي الأطراف والغني بموارده كان مركزا لحضارة وإمبراطورية عظيمة لعلها الأولى في التاريخ. ولم تتوقف دورة الحضارة في إيران وإنما ظلت مركز تأثير في العالم والأقاليم المحيطة: شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والخليج العربي والوطن العربي وتركيا، وقد جعلها موقعها الجغرافي على صلة بالأحداث والتفاعلات في العالم.

ويبلغ عدد سكان إيران حوالي 70 مليون نسمة نصفهم من الفرس، القومية الرئيسية في إيران، والنصف الباقي أذريون (25%)  وأكراد (7%) وعرب (3%) وبلوش وتركمان وغيرهم، واللغة الفارسية هي اللغة الرسمية والدارجة، والعربية مستخدمة في الوسط العلمي والثقافي إضافة إلى العرب الإيرانيين، وتستخدم القوميات والشعوب لغتها مثل الكردية والبلوشية والتركمانية، وتبلغ مساحة إيران: 1.648 مليون كم2، ويجاورها العراق والخليج العربي وبحر العرب وباكستان وأفغانستان وبحر قزوين وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا وتركيا، وهي أهم دولة بترولية بعد السعودية وتمتلك موارد زراعية ومعدنية كبيرة، وبلغ ناتجها القومي عام 1999 حوالي 350مليار دولار، وتشتهر بصناعة السجاد. ويبلغ عدد أفراد الجيش الإيراني حوالي 600 ألف جندي.

ويعود تاريخ إيران الحقيقي إلى قورش مؤسس إمبراطورية فارس عام 559 ق. م وقامت  قبل ذلك بآلاف السنين تجمعات زراعية ورعوية ودول صغيرة ولكن قورش استطاع أن يقيم إمبراطورية واسعة قوية امتدت في العراق والشام وأفريقيا وأواسط آسيا وحتى شرق أوروبا،ويرى بعض الؤرخين أنه "ذو القرنين" الملك الصالح الذي وردت قصته في القرآن الكريم،  واستمرت هذه الإمبراطورية حتى الفتح الإسلامي عام 632م وصارت فارس جزءا من الدولة الإسلامية، ثم أقام الصفويون دولة مستقلة في إيران عام 1501م وتعاقب على الحكم في إيران بعد الصفويين القاجاريون ثم آل بهلوي حتى عام 1979.

وشكلت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 منعطفا تاريخيا واستراتيجيا شغل العالم كله. وإذا كان الغرب المهيمن قد تمكن من أن يحتوي إيران ويشغلها بحرب طويلة الأمد ويحاصرها تجاريا، فإنها تمكنت من التحايل على الظروف الدولية والبيئية المحيطة لتحقق قدرا من الاستقرار وعلاقات خارجية وحياة سياسية واقتصادية. كما أثبتت الثورة قدرا من الحيوية والتجديد مكنها من الاستجابة للمطالب والتطلعات الشعبية مع الاحتفاظ بطابعها الإسلامي ومواجهة المحاولات الداخلية والخارجية لإفشالها وإجهاضها.

ويتكون نظام الحكم في إيران من مجموعة مؤسسات وسلطات على رأسها المرشد الذي يتمتع بسلطة سياسية واسعة كما أنه مرجعية دينية عليا، وينتخب المرشد من قبل مجلس الخبراء، ويراقب السياسات العامة للدولة، ويصدر مرسوم الانتخابات، ويعين فقهاء مجلس الوصاية ورئيس الهيئة القضائية ومدير الإذاعة  والتلفزيون ورئيس أركان الجيش وقادة الأسلحة المختلفة. وهناك السلطات الثلاث، التنفيذية وعلى رأسها رئيس الجمهورية الذي ينتخب مباشرة من قبل الشعب، ويتبعه مجلس الوزراء والجيش، والسلطة التشريعية المكونة من برلمان منتخب، والسلطة القضائية التي يعين رئيسها المرشد.

ومن مؤسسات الحكم مجلس الخبراء المكون من 83 عضوا، ويعين هذا المجلس ويقيل المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي الذي يترأسه رئيس الجمهورية، ويتكون من رؤساء السلطات الثلاث ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس منظمة التخطيط والميزانية وممثلين عن المرشد ووزراء الخارجية والإعلام والداخلية، وهناك أيضا مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يعين المرشد أعضاءه ويضاف إليهم رؤساء السلطات الثلاث، ويحسم هذا المجلس الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس الأوصياء ويعين مرشدا مؤقتا لحين اختيار مرشد دائم.

ويدور جدال في إيران حول النظرية السياسية للحكم وموقع ولاية الفقيه فيها، ويطالب الإصلاحيون بنظام حكم مدني دستوري في إطار الشريعة والحضارة الإسلامية، ويقابل هذا الاتجاه المحافظون الذين يرون للفقيه ولاية على الأمور العامة، والواقع أن الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين ليس بهذه البساطة، كما أن نظرية ولاية الفقيه التي تمثل إطارا للفكر السياسي الشيعي ليست محددة تماما ولكنها تتضمن كثيرا من الاجتهادات والاختلافات بين علماء الشيعة ومرجعياتها، وليس جميع علماء الشيعة ولا من يسمون المحافظون هم متشددون أو رافضون للحكم المدني الدستوري.

والسياسة الخارجية الإيرانية لم تعد رفضا أو تأييدا، وإنما أصبحت خططا ومشروعات مبنية على دراسة ورؤية للخريطة الدولية والمصالح الإيرانية، وفي هذا السياق طرحت إيران في عهد الرئيس خاتمي مفهوم حوار الحضارات كفلسفة تحكم السياسة والعلاقات الخارجية لإيران والعالم والسعي نحو إقامة علاقات جديدة مع الغرب تتجاوز الصراع والعداوة.

واليوم بعد اثنين وعشرين عاما من الثورة وعلى أعتاب انتخابات رئاسية جديدة فإن المشهد في إيران يبدو أكثر وضوحا وأكثر قبولا فإيران الثورة تتكيف وتتكون باتجاه إيران الدولة التي تسعى لترتيب مصالحها وعلاقاتها وسياساتها، وتتدافع الحياة العامة والمشاركة السياسية نحو التنافس السلمي على السلطة وترتيب تداولها وانتقالها في الاتجاه الواحد (الإسلامي) بين المحافظين والإصلاحيين، وقامت في إيران صحافة مستقلة تتعرض للتضييق وتجد من الحيل ما يمكنها من العمل والمعارضة، وفي سجل حقوق الإنسان في إيران الكثير من الإنجازات والتقدم على مستوى الحريات السياسية والعامة كما يتضمن الكثير من التجاوزات والتضييق والاعتقال بحق المعارضة وبخاصة في السنوات الأولى من الثورة الإيرانية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة