المشروعية السياسية والقانونية لديون وتعويضات العراق   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

عملة عراقية مزيفة عليها آخر صورة للرئيس الأسير صدام حسين

همام الشماع

المهمة التي اضطلع بها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر والمتمثلة بمساعيه لتخفيض ديون العراق، والتي بدت للبعض على أنها مهمة خيرة تهدف إلى مساعدة بلد أنهكته الحروب وتراكمت عليه الديون الخارجية بفعلها، هي في الواقع -من وجهة نظرنا- مهمة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها لم تكن مدروسة بشكل جيد من الإدارة الأميركية، فهي في نتائجها الاقتصادية ستؤدي إلى تثبيت استحقاقات مالية على الدولة العراقية المستقبلية مهما تم تخفيض هذه الديون.

أما نتائجها السياسية فهي تحميل العراق دولة وشعبا مسؤولية تصرفات النظام السابق سواء العسكرية منها أو السياسية وحتى الشخصية، الأمر الذي يجعل مما يسمى حرب تحرير العراق مجرد إزالة النظام دون تحرير العراق من نتائج أفعاله.

الديون
التعويضات
المشروعية السياسية للديون والتعويضات

الديون


ما أهدره نظام الحكم السابق بالعراق في الحروب وقيمة الفرص الضائعة يصل إلى 1265 مليار دولار،

درج النظام السابق على إخفاء الحقائق الرقمية وتزويرها وإظهار ما يناسبه منها. أرقام المديونية العراقية كانت من الأسرار التي حرص النظام السابق ليس على إخفائها وإنما تعمد بعثرتها وتوزيع مسؤولية إبرام الديون على العديد من المؤسسات الرسمية، والأهم من ذلك الشبه الرسمية.

ولم يكن البنك المركزي العراقي، وهو الجهة الوحيدة كما هو الحال في كل دول العالم، يمسك الحسابات ويستلم القروض ويدير استخدامها.

معظم الديون الثقيلة التي استلمها النظام السابق لتمويل الحرب مع إيران لم تمر بالبنك المركزي الذي لا يعلم من سجلاته عنها القليل أو الكثير.

بعضها كانت تمول شراء أسلحة كانت تصل إلى العراق دون أن يعرف أحد مصدر تمويلها، كما هو حال المدفع النمساوي الذي تداولت إشاعات عديدة حول مصادر تمويل مشترياته.

وفي هذا الصدد تثور مشكلة حجم الديون الحقيقية للعراق، ومدى مصداقيتها ودور الفساد في تبديد تلك الأحوال وخصوصا دور الوسطاء في حلقاتهم العديدة في سرقة هذه الأموال سواء من الدول المقرضة أو من العراق.

البنك المركزي العراقي، الذي لا يحتفظ سوى بأرقام الديون الرسمية المبرمة بموجب عقود، يقدر -حسب مصادر موثوقة- أن ديون العراق الحالية الرسمية مع فوائدها لا تزيد عن 53 مليار دولار، وقد تصل إلى 65 مليارا في حالة احتساب فوائد تأخيرية. غير أن موضوع الفوائد والفوائد التأخيرية هو موضوع جدل كبير سنتطرق إليه لاحقا في هذه الدراسة.

السرية وعدم الشفافية التي تفرضها سلطة الإدارة المدنية لقوات التحالف على أرقام البنك المركزي المتعلقة بالديون الخارجية، موضوع يثر الشك في أسباب هذا التعتيم غير المبرر والذي أشرنا إلى احتمالات أسبابه في مقدمة الدراسة.

فقد بدأت جولة بيكر في وقت مبكر قبل أن تفتح كافة الملفات والوثائق والسجلات وقبل أن يتم جمع المعلومات من العراقيين الذين كانوا في مواقع المسؤولية، ومناقشتها مع ذوي الشأن والاختصاص للتحقيق من حجم الديون.


إجمالي مديونية العراق الخارجية المطلوب منه سدادها 120 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل تقريبا صادرات العراق الحالية من النفط لعشر سنوات قادمة

ربما ذهب بيكر إلى الدول الدائنة ومعه أرقام تداولها الأعلام أو تقارير غير دقيقة قدرت ديون العراق بحدود 120 إلى 129 مليار دولار.

وبدأ بفتح سجلات الطرف الدائن ومناقشته في تخفيض ديون لا يعرف بالتأكيد تفاصيلها وملابساتها وكيفية نشؤها إلا من الطرف المطالب، دون سماع تفاصيل بشأنها من العراقيين المختصين الذين قد تكون لهم وجهة نظر أخرى بشأنها. فعلى سبيل المثال وليس الحصر فإن المعلومة التالية التي استقيناها منذ أكثر من أربع سنوات من أحد قادة القوة البحرية العراقية، أفادت بأن عشرات الملايين من الدولارات قد تراكمت على العراق، كأجور صيانة ورسو عدد من القطع البحرية العسكرية العراقية، والتي كان العراق قد تعاقد عليها ودفع ثمنها قبل غزو الكويت وتم حجرها في الموانئ الإيطالية بعد فرض العقوبات عام 1990.

من وجهة نظر اقتصادية وقانونية قد لا نجزم بأن هذه المبالغ والمطالبة بها غير شرعية، ولكننا نجزم بأن الموضوع بحاجة إلى مناقشات مستفيضة ومعمقة للوصول إلى قناعة مشتركة بين الدولة العراقية الجديدة المستقبلية والأطراف الدائنة.

فقد يبرز من إطار المثال السابق الذي سقناه احتمال أن لا يكون قرار الحجر على القطع البحرية العراقية متمثلا لقرار العقوبات الدولية التي ربما لم تحظر الأسلحة التقليدية بالمواصفات المتمثلة بتلك القطع البحرية.

هناك العديد من الحالات التي كان يمكن أن تبرز من خبايا الملفات والتي قد تكشفها المناقشات والمرافعات القضائية عن مشروعية الأرقام التي تطالب بها الدول الدائنة العراق من طرف واحد.

الجانب الآخر في موضوع الديون الخارجية للعراق، والذي يستحق المناقشة المستفيضة والتأني عند معالجة استحقاقات الدولة الدائنة قبل مطالبتها بتخفيض ديونها طوعا أو تبرعا لعراق جريح، متعلق بالفوائد التي ضخمت من ديون العراق ورفعتها من حوالي 23 مليار دولار في نهاية عام 1990 إلى ما يتراوح بين 53 إلى 65 مليار دولار في نهاية عام 2003.


الديون بدون تخفيضها ومطالبات التعويضات قبل حسمها من قبل اللجنة الدولية تبلغ 420 مليار دولار، أي ما يعادل 20 مليار برميل تشكل حوالي 18% من احتياطي العراق النفطي الثابت
وفقا لأطروحة ماجستير كنت مشرفا عليها وتمت مناقشتها عام 1996، فإن أقصى ما بلغته تلك الديون الرسمية المنظورة هو 22.7 مليار دولار، وقد بلغت كلفة خدمتها في ذلك العام 1.1 مليار دولار. ومنذ ذلك التاريخ وبعد فرض العقوبات الدولية، لم يقم العراق بخدمة ديونه التي تراكمت عليها فوائد مركبة، إضافة لفوائد تأخيرية جعلتها تصل إلى ما يتراوح بين 53 و65 مليار دولار وفقا لأرقام مصادر موثوقة من البنك المركزي.

وفي هذا الصدد أيضا تبرز العوامل الاقتصادية والقانونية التي لا يمكن حسمها إلا بمراجعات تناقش على مستوى دولي ديون العراق كحالة فريدة في التاريخ المعاصر، فالديون العراقية التي تضاعفت ما بين 2.3 و2.7 مرة بفعل الفوائد والفوائد التأخيرية التي كانت بسبب قرارات للمجتمع الدولي ومنعت العراق من قيامه بخدمة الديون في وقت لم تسمح له باستخدام أرصدته المجمدة لخدمة هذه الديون. كما أن تلك الأرصدة بحكم كونها مجمدة لم تحصل على فوائد كان يمكن أن تتراكم لتعويض جزء من تضخم الديون العراقية.

أما الفوائد التأخيرية فقد كانت بمثابة عقوبات على عقوبات مما يجعلها ذات إشكالية تتصل بالقانون الدولي الذي يجب أن تشارك مرجعياته للإفتاء في هذه المسألة والكثير من المسائل الأخرى، ومنها مسؤولية المجتمع الدولي ومجلس الأمن الذي أصدر قرارات العقوبات دون أن يفتح باب إمكانية تصدير كميات محدودة من النفط تحت سيطرة الأمم المتحدة تستخدم حصرا لخدمة الديون المتراكمة والحيلولة دون تعاظمها بهذا الشكل.

وعلى غرار ما فعل فيما يتعلق بالاحتياجات الإنسانية المتمثلة بقرار النفط مقابل الغذاء والدواء، فالاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي الحالية والمستقبلية في ظل الوضع الجديد ستكون معرضة بشكل خطير للانتهاك أمام الأرقام المتداولة للمديونية حتى بعد تخفيضها بنسبة عالية ولتكن 75%، وحتى بعد إعادة جدولتها. فما تبقى منها يزيد عن حجم الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للعراق لعام 2004 والذي قدرناه بحدود 26 مليار دولار في دراسة لم تنشر بعد.

ورغم الغموض الذي يكتنف مفهوم إعادة الإعمار والمبالغ الضخمة التي قدرت بها كلفته والتي تفوق مبلغ المائة مليار، فإن احتياجات العراق للاستثمار المادي والبشري وبما يمكنه من ردم الفجوة الهائلة التي أصبحت تفصله عن العالم الخارجي وعن دول الجوار الفقيرة، قد تفوق هذا الرقم ربما بعشرات المرات.

فبمجرد استذكار الأرقام التي تم هدرها في الحروب وقيمة الفرص الضائعة تصل إلى 1265 مليار دولار -وفقا لدراسة لنا تم نشرها في جريدة عُمان الخليجية- والتي كان يمكن لها أن تجعل متوسط دخل الفرد العراقي يصل إلى أكثر من 15 ألف دولار بدلا من الرقم الحالي الذي لا يتجاوز الـ800 دولار من العام 2003.

إن انطلاقة العراق نحو تنمية سريعة قادرة على ردم الهوة تتطلب استغلال كل موارد النفط ولعدة سنوات في إعادة بناء الإنسان الذي تراجعت ثلاثة أجيال جديدة فيه عن المستوى الحضاري والثقافي والاجتماعي الذي كان يعيشه العراق قبل ثلاثة عقود خلت، تتطلب حشدا هائلا للموارد الشحيحة.

فصادرات نفط العراق لا يتوقع لها أن تتجاوز سقف الثلاثة ملاين برميل في عام 2008. وهو رقم ضئيل قياسا باحتياجات العراق المالية الهائلة. والقطاع النفطي وحده بحاجة لاستثمار حوالي سبعة مليارات دولار للوصول إلى هدف تصدير ثلاثة ملايين برميل في اليوم.

وحتى عندما نضع في الاعتبار تدفقات المنح التي وعد بها مؤتمر مدريد والتي لا تزيد عن 23 مليار دولار، فإن عبء الديون سيبقى معطلا لمسيرة تنمية واستقرار العراق نتيجة للحلقة المفرغة بين علاقة الأمن بالتنمية.

التعويضات


تقدر قيمة مجموع مطالبات التعويضات بأكثر من 300 مليار دولار

التعويضات هي الجانب الآخر المظلم في الاقتصاد العراقي، والتي سدد منها العراق 17 مليار دولار منذ بدء العمل باتفاق النفط مقابل الغذاء ولحد الآن وهو ما يعادل 26% من مجموع قيمة صادرات العراق خلال مراحل البرنامج الثلاث عشرة، وتقدر قيمة مجموع مطالبات التعويضات بأكثر من 300 مليار دولار، ومن المنتظر أن تبلغ مجموع المبالغ التي ستحسم لصالح الدول والأفراد والشركات المطالبة بالتعويض بحدود مائة مليار دولار بما في ذلك ما تم دفعه فعلا وهو 17 مليار دولار.

وبغض النظر عن المشروعية السياسية لموضوع التعويضات والتي سنناقشها لاحقا، فإن المطالبات وتقدير قيمتها كان قد تم في وقت كان العراق بعيدا كل البعد عن مناقشته هذه الطالبات وتحديد أرقامها لأسباب معروفة تتعلق بالوضع القانوني الدولي للنظام السابق. فالأرقام حُدِدت من طرف واحد رغم وجود لجنة دولية تنظر في هذه الطلبات وتحسم ما تراه مناسبا منها.

ومن الطبيعي أن تميل الأطراف المطالبة بالمبالغة في هذه الأرقام خصوصاً بسبب دوافع البغض السياسي للنظام السابق والسعي لتضيق الخناق عليه اقتصاديا.

أرقام المديونية المطالب بها من طرف الدائنين، والتي قد يتم بسعي أميركي إلغاء ثلثيها لتبقى منها بحدود الأربعين مليارا مضافا لها المتبقي مما يتوقع حسمه من مطالبات التعويضات والمقدرة بحدود 80 مليارا، تجعل إجمالي مديونية العراق الخارجية بحدود 120 مليار دولار. وهو مبلغ يعادل تقريبا صادرات العراق الحالية من النفط لعشر سنوات قادمة، ويعادل قيمة حوالي ستة مليارات برميل من النفط والذي يشكل أكثر من 5% من احتياطي النفط العراقي الثابت.

أما الديون بدون تخفيضها ومطالبات التعويضات قبل حسمها من قبل اللجنة الدولية والتي تصل إلى 420 مليار دولار، فإن قيمتها تعادل 20 مليار برميل تشكل حوالي 18% من احتياطي العراق النفطي الثابت.

المشروعية السياسية للديون والتعويضات


الديون العراقية تضاعفت ما بين 2.3 و2.7 مرة بفعل الفوائد والفوائد التأخيرية والتي كانت بسبب قرارات للمجتمع الدولي منعت العراق من خدمة ديونه

حرب تحرير العراق ليست سوى تسمية سياسية دعائية. فكلمة التحرير تبقى ذات دلالات أميركية وخالية من أي محتوى عراقي طالما أنها لم تحرر العراق من نتائج تصرفات النظام السابق، والتي كان الشعب العراقي ضحيتها الأولى. وعلى رأس هذه النتائج يأتي موضوع الديون والتعويضات. فتخفيض قيمة الديون وتخفيض نسبة التعويضات من صادرات النفط، يعني سياسيا تحميل الشعب العراقي مسؤولية تصرفات النظام السابق.

إذ إن الواقع يؤشر على أن الدعم والإسناد الذي لقيه النظام السابق من قبل كل الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي والمحيط العربي، قد مكنته لسنوات طويلة من بسط هيمنته على الشعب الذي لم يعد بوسعه التخلص من ذلك النظام والإطاحة به خصوصا بعد أن ضاعت الفرصة التي كانت ممكنة خلال سنوات حرب الخليج الأولى.

من الناحية الإستراتيجية فقد فتلت هذه الحرب عضلات النظام عسكريا وصعدت من غروره ووفرت البيئة المناسبة لغزو الكويت، وهي بحق كما وصفها سعد البزاز الحرب التي تلد حربا.

لقد بادرت الولايات المتحدة وبعد الإطاحة بالنظام السابق بمبادرتين مبكرتين لم تناقشهما مع ذوي الشأن والاختصاصين في العراق، الأولى هي طرح تخفيض نسبة ما يستقطع من صادرات العراق النفطية إلى 5% تم إقراره في مجلس الأمن، والثانية تكليف بيكر ببحث والسعي لتخفيض ديون العراق.

وفي الوقت الذي لا يمكن لأحد أن يجزم بالحالة الملحة لكلا المبادرتين، فإن التفسيرات المختلفة يمكن أن تصب جميعها في نظرية المؤامرة. وإذا كان من الواضح أن فكرة عقد مؤتمر دولي سياسي يناقش مدى مسؤولية الشعب العراقي عن نتائج تصرفات النظام السابق، قد تحرج الولايات المتحدة باعتبارها أحد الأطراف المحتملة التي أسندته كي لا تحرج أطراف عربية ودولية أسهمت هي الأخرى في ذلك، فإن تسمية حكومة العراق السابقة بالمارقة والخارجة عن القانون الدولي هي واحدة من أقوى الدلائل على عدم مسؤولية الشعب العراقي والتي تدعي الولايات المتحدة أنها شنت الحرب لتحريره بسببها، ورغم أنها فوتت هذه الفرصة عندما تركت صدام حسين يقمع انتفاضة الشعب عام 1991.

من جانب آخر فإن الكسب السهل والمريح لحرب مارس/ آذار الماضي لم يكن فقط بفضل التفوق العسكري الأميركي، وإنما أيضا لأن الشعب والجيش وحتى الجزء الأكبر من البعثيين المنتمين قسرا كانوا يشعرون بأن المعركة ليست معركتهم وأسهموا في إسقاط النظام من خلال الموقف السلبي.

العراق قبل أن يكون بحاجة إلى مؤتمر مدريد للدول المانحة، بحاجة إلى مؤتمر دولي سياسي قانوني يعالج بشفافية ليس فقط مشروعية الديون والتعويضات وإنما أيضا مشروعية حق الشعب العراقي في الحصول على تعويضات من تلك الدول ذات الأنظمة والدساتير الديمقراطية والتي ساندت النظام السابق وقوت عضده في اضطهاد الشعب والاعتداء على دولة الكويت وغزوها وبما فرض سنوات طويلة من الحصار عانى منه الشعب العراقي وحده مرارة الجوع والفقر.
______________
أستاذ الاقتصاد المالي بجامعة بغداد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة