احتلال العراق ودول الجوار.. تأثيرات وتفسيرات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

حسن نافعة

أحدثت الحرب وما تبعها من احتلال أميركي للعراق تغييرات إستراتيجية بعيدة المدى، سواء بالنسبة للعالم ككل أو بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، أو لدول الجوار العراقي بصفة خاصة.

حقائق تطرح نفسها
احتلال العراق ودول الجوار

حقائق تطرح نفسها


أدركت دول الجوار العراقي أن مصالحها الإستراتيجية ستتأثر كثيرا بحرب لم تشارك في اتخاذ قرارها، لذلك لم تنتظر بدء الحرب كي تتحرك جماعيا وأجرت اتصالات أسفرت عن بناء إطار مؤسسي للتشاور لا يزال قابلا للاستخدام حتى الآن

لتحليل التأثيرات الإستراتيجية لهذه الحرب على دول الجوار العراقي، يتعين التذكرة بعدد من الحقائق الأساسية نوردها على النحو التالي:

الحقيقة الأولى- أن قرار شن الحرب على العراق كان قرارا أميركيا خالصا اتخذته الإدارة الأميركية لأسباب تتعلق بإستراتيجيتها الكونية تجاه المنطقة والعالم ودون تشاور مع أحد، إلا في الحدود اللازمة لتوفير البدائل المناسبة لتنفيذ وإنجاح الخطط والسيناريوهات الموضوعة لهذه الحرب. وإذا كانت بعض الدول قد قررت طوعا أو كرها تقديم تسهيلات لإنجاح هذه الخطط أو لاعتراض طريقها، فإن ذلك لا يعني أنها لعبت دورا حاسما أو فاعلا في التأثير على مسارها في أي مرحلة من مراحل صياغتها أو وضعها موضع التطبيق.

الحقيقة الثانية- أن هذا القرار لم يكن سوى حلقة في أزمة ممتدة لم تنته فصولها بعد. ومن الصعب حصر التأثيرات الإستراتيجية لقرار على هذه الدرجة من الخطورة، وبعد عام واحد من وضعه موضع التنفيذ بينما الأزمة التي تسببت في اتخاذه لا تزال مفتوحة على كافة الاحتمالات.

الحقيقة الثالثة- أن الفجوة بين الأهداف المعلنة للولايات الأميركية في العراق وبين أهدافها الحقيقية أو الخفية لا تزال قائمة بل وتزداد اتساعا كل يوم، وأن المحاولات الرامية إلى تحقيق هذه الأهداف تواجه صعوبات كبيرة على أرض الواقع. ومعنى ذلك أن فرص نجاح الإستراتيجية الأميركية تكاد تكون متعادلة مع احتمالات فشلها، وهو عامل مازال يمارس تأثيره فيما يتعلق بالتوازنات الإستراتيجية بين دول الجوار العراقي.

الحقيقة الرابعة- أن دول العالم قاطبة تفاعلت مع القرار الأميركي بالحرب من منظور مدى تأثيره على مصالحها العاجلة أو الآجلة، غير أن عددا قليلا منها هو الذي استطاع أن يتكيف معه وأن يجد له بعض المبررات السياسية أو الأخلاقية أو القانونية.

ولأن الغالبية العظمى من هذه الدول -بما في ذلك الدول التي رأت أن قرار الحرب يفتقر إلى أي مبررات سياسية أو قانونية أو أخلاقية- لم يكن بوسعها تحدي القرار الأميركي, فقد تعاملت معه بطريقة براغماتية ومرنة في محاولة منها لدفع الضرر أو لتقليصه إلى أدنى حد ممكن للتكيف مع ما قد يحققه من نتائج وتطورات سلبية أو إيجابية على الأرض.

ولا تشكل دول الجوار العراقي استثناء لهذه القاعدة، فالواقع أن أقلية من هذه الدول هي التي تفاعلت إيجابيا مع القرار منذ البداية وتحمست للاستجابة لكل ما طلبته الولايات المتحدة من دعم للمساعدة على تنفيذه، بينما تفاعل الباقون معه بطريقة براغماتية وفقا لتطور الظروف العالمية والإقليمية والميدانية.

وفي تقديري أن دول الجوار العراقي أدركت منذ البداية أن مصالحها الإستراتيجية العليا ستتأثر كثيرا بحرب لم تشارك في اتخاذ قرارها ولا تستطيع أن تسيطر على مجمل تفاعلاتها اللاحقة. لذلك فإنها لم تنتظر بدء الحرب كي تتحرك جماعيا، وقامت بمجرد هبوب العواصف بإجراء اتصالات أسفرت عن بناء إطار مؤسسي للتشاور لا يزال قابلا للاستخدام حتى الآن.

وفي هذا السياق يمكن القول إن الحرب على العراق واحتلاله ساعدا على ظهور مجموعة إقليمية فرعية جديدة في المنطقة مكونة من "مجموعة الدول المجاورة للعراق" تضم إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية والكويت بالإضافة إلى مصر.

ويلاحظ أن الكويت لم تدع لحضور اجتماعات هذه المجموعة في البداية لكنها أصبحت طرفا نشيطا فيها بعد الحرب. ولم يكن الهدف من عقد هذه الاجتماعات التنسيقية يتعلق -في تقديري- بالرغبة في اتخاذ موقف موحد أو مشترك تجاه السياسة الأميركية في العراق، فقد كان ذلك أمرا بعيد المنال بسبب التباين الشديد في مواقف هذه الدول والذي وصل حد التناقض الكامل في كثير من الأحيان، وإنما تجنب أي نوع من سوء الفهم أو الخطأ في قراءة مواقف ونوايا الأطراف المختلفة بما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وامتدادها خارج العراق.

ولأن الولايات المتحدة أصبحت بعد احتلال العراق "جارا" مباشرا لدول "الجوار العراقي"، فقد تعين على هذه الأخيرة أن تستمر في مواصلة عملية التشاور والتنسيق فيما بينها أملا في حصر نطاق التفاعلات الخاصة بالأزمة والتحكم في مسارها حتى لا تتحول إلى حرب إقليمية شاملة.

احتلال العراق ودول الجوار


تشكيل مجموعة دول الجوار العراقي وتحولها إلى ما يشبه النظام الفرعي الجديد في المنطقة يعد في حد ذاته أحد النتائج الإستراتيجية المترتبة على الاحتلال الأميركي للعراق

للتعرف على التأثيرات الإستراتيجية التي أحدثتها الحرب واحتلال العراق بعد عام واحد من حدوثهما، يحسن بنا أن نميز بين "دول الجوار العربية" و"دول الجوار غير العربية"، نظرا لاختلاف هذه التأثيرات بالنسبة لكل مجموعة على حدة رغم عدم تجانس المواقف الخاصة بكل منهما.

فمن المعروف أن دولا عربية مجاورة للعراق اشتركت مع دول غير عربية مجاورة أيضا في دعم الموقف الأميركي من الحرب بل وراهنت عليه، كما أن دولا عربية وغير عربية مجاورة للعراق اشتركت في رفض الحرب والاحتلال الأميركي للعراق من منطلق أنهما يشكلان مصدر تهديد لأمنها الوطني.

ومع ذلك ففي تقديرنا أن التمييز بين الدول العربية وغير العربية له ما يبرره في هذا السياق، فالأزمة التي أدت إلى الحرب ثم إلى الاحتلال الأميركي للعراق هي أساسا أزمة عربية تسبب ضعف النظام العربي في استمرارها بعد أن عجز عن حلها، فضلا عن أن تفاقمها ساعد بدوره على إضعاف النظام بطريقة أخطر.

بل إن تشكيل "مجموعة دول الجوار العراقي" وتحولها إلى ما يشبه النظام الفرعي الجديد في المنطقة، يعد في حد ذاته أحد النتائج الإستراتيجية المترتبة على الحرب وعلى الاحتلال الأميركي للعراق. ولذلك سنناقش التأثيرات الإستراتيجية على دول الجوار العربي للعراق أولا ثم نناقش بعد ذلك هذه التأثيرات على دول الجوار غير العربي للعراق.

أولا- التأثيرات الإستراتيجية على دول الجوار العربي للعراق
لم تتمكن دول الجوار العربي للعراق من توحيد سياساتها تجاه الأزمة التي قادت إلى الحرب وإلى احتلال العراق، وإنما انقسمت على نفسها وتراوحت مواقفها من التأييد المطلق للمخطط الأميركي (الكويت وقطر على سبيل المثال) إلى المعارضة العلنية والرفض الصريح والتنديد الواضح بهذا المخطط (سوريا على سبيل المثال)، مرورا بمواقف أخرى متباينة الظلال تعكس مواقف بدت مرتبكة ومتناقضة واختلف ظاهرها عن باطنها (مصر والسعودية على سبيل المثال).

و قد استندت تلك المواقف المتباينة منها والمتناغمة إلى دوافع وأسباب جد مختلفة، فالكويت بدا موقفها محكوما بهاجس التخلص من نظام سبق لها أن اكتوت بناره، معتبرة أن أي حل آخر حتى لو كان تدمير العراق أو تفتيته أو احتلاله على نحو دائم، يمثل خيارا أفضل من بقاء نظام صدام.

أما قطر فحاولت استغلال الأزمة لتعظيم دورها في المنطقة خصما من حساب الدور السعودي، مدفوعة في ذلك بخلافات تاريخية عميقة الجذور، وذلك بالمزايدة على دورها التقليدي كحليف رئيسي أضعفته أحداث 11 سبتمبر/ أيلول.

أما مواقف السعودية ومصر فقد اتسمت بالغموض والارتباك والتردد في الاستجابة لضغوط متناقضة من جانب تيارات شعبية قوية رافضة للسياسة الأميركية من ناحية، ونخبة حاكمة ترتبط مصالحها بالولايات المتحدة من ناحية أخرى. ولا جدال في أن تباين هذه المواقف سهل من مهمة الغزو والاحتلال الأميركي للعراق.

وفي تقديري أن أحد أهم التأثيرات الإستراتيجية الناجمة تباين هذه المواقف إزاء الغزو والاحتلال الأميركي تمثل في تهيئة الأوضاع الإقليمية على نحو أدى إلى تمكين الدول الهامشية في النظام العربي من لعب دور متصاعد لحساب الولايات المتحدة -وبتحريض وتشجيع منها- على حساب دول القلب في النظام العربي.


أكثر الاختراقات الأميركية نجاحا هو إحداث تحول كامل في سياسات النظام الليبي وتغيير مواقفه التقليدية من عملية التسوية من النقيض إلى النقيض، وما كان هذا ليتم دون غزو العراق واحتلاله
وتوجد العديد من المؤشرات التي تدعم هذه الفرضية وتؤكد تزايد اعتماد الولايات المتحدة على الدول الهامشية لضرب وتفتيت دول القلب في النظام العربي.

فمن المعروف أن الولايات المتحدة كانت قد أدركت وخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول أن العالمين العربي والإسلامي يحتاجان إلى عملية إصلاح جذرية بعد أن تحولا -في تقديرها- إلى معامل لتفريخ الإرهاب. ويعكس "مشروع الشرق الأوسط الكبير" والذي طرحته الإدارة الأميركية بصورة غير رسمية مؤخرا، عمق هذا الإدراك.

غير أن الولايات المتحدة تدرك في الوقت نفسه -وبحكم خبرتها التاريخية- أن "مشروع الشرق الأوسط الكبير" لا يمكن أن يمر إلا فوق جثة النظام العربي، وأن هذا الأخير لم يتحول بعد إلى جثة تنتظر تصريحا بالدفن، وذلك لسبب بسيط هو استمرار قدر من التناغم بين مواقف ومصالح دول القلب العربي الثلاث: مصر وسوريا والسعودية.

من هنا كان إصرار الولايات المتحدة على ضرب تماسك هذا المثلث كمقدمة ضرورية لضرب النظام العربي ولإنهاء دور الجامعة العربية. وقد شكل الغزو والاحتلال الأميركي إحدى أهم الخطوات على طريق تحقيق هذا الهدف.

وتدل مؤشرات عديدة على أن الولايات المتحدة استطاعت وبعد عام واحد من الغزو والاحتلال أن تحقق بالفعل اختراقات عديدة تقربها من تحقيق هذا الهدف. من هذه المؤشرات نجاحها في:

  1. توظيف الدور التونسي لتخريب محاولة عقد مؤتمر القمة العربي في موعده.
  2. إضعاف علاقة الكويت التاريخية القوية بالنظام العربي وربما سلخها منه كلية، وذلك في إطار عدد من الإغراءات كان آخرها العمل على منحها وضع "الحليف الإستراتيجي" لحلف شمال الأطلسي دونما حاجة إلى قبولها عضوا رسميا فيه.
  3. الاعتماد على الدويلات الصغيرة مثل قطر والبحرين كمواقع بديلة لما قد تحتاجه الولايات المتحدة من قواعد عسكرية تحل محل قواعدها في السعودية، وبما يسمح بابتزاز هذه الأخيرة وتوليد المزيد من الضغوط عليها.
  4. محاصرة الدور المصري وتضييق الخناق عليه، من الجنوب بالعمل على تفتيت السودان وإثارة اللغط حول تقسيم مياه نهر النيل، ومن الغرب بحمل ليبيا على تبني سياسات متعارضة مع مجمل توجهات السياسات المصرية.
  5. تشديد الضغوط على سوريا بإصدار قانون خاص لمعاقبتها.

غير أن أكثر الاختراقات الأميركية نجاحا تمثل في قدرتها على إحداث تحول كامل في السياسات الليبية، فبعدما استجاب النظام الليبي لكافة الشروط والضغوط الأميركية وقبل التخلص من برامج أسلحة الدمار الشامل دون شروط، وغيّر من النقيض إلى النقيض مواقفه التقليدية من عملية التسوية، أصبح هذا النظام أقرب ما يكون إلى شوكة في ظهر النظام العربي منه إلى صخرة في جداره الواقي. وفي تقديري أنه ما كان يمكن لهذه الاختراقات كلها أن تتحقق على النحو الذي جرت به من دون غزو العراق واحتلاله.

ثانيا- التأثيرات الإستراتيجية على دول الجوار العراقي غير العربية


حقق الاحتلال الأميركي للعراق أمنية غالية لإسرائيل بتدمير أحد أقوى الجيوش العربية، كما أصبح لها بفضله وجود دائم ومحسوس في العراق خاصة في الشمال الكردي

يختلف موقف إسرائيل جوهريا عن مواقف بقية دول الجوار العراقي غير العربية. فعلى عكس هذه الأخيرة كانت إسرائيل من أكثر دول العالم حماسا للحرب الأميركية على العراق، بل وليس من المستبعد أن تكون قد لعبت دورا محوريا في حملة التضليل الإعلامي وفي تزييف الوثائق المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل.

وليس هذا بغريب على دولة أتاح لها الاحتلال الأميركي للعراق فرصة لتحقيق أمنية غالية كانت تتوق إليها وهي تدمير واحد من أقوى الجيوش بل ودولة من أقوى الدول العربية. وقد أصبح لإسرائيل وبفضل هذا الاحتلال أيضا، وجود دائم ومحسوس في العراق خاصة في الشمال الكردي.

ويتردد أن الشركات الإسرائيلية تقوم بنشاط كبير جدا سواء في مجال الترويج للبضائع الإسرائيلية في العراق ومنه إلى بقية دول الخليج، أو للحصول على عقود مجزية ولو من الباطن، وذلك في إطار العمليات الرامية إلى إعادة تعمير العراق. ولا يستبعد أن يكون هذا الحضور موظفا في الوقت نفسه لخدمة وتغذية الصراعات العرقية والطائفية ولدفع الأمور في العراق نحو التقسيم وقيام دويلات طائفية.

ويلاحظ أن شارون تمكن على صعيد آخر من استغلال أجواء الحرب ببراعة لتوجيه ضربات قاسية للمقاومة الفلسطينية ولإجهاض كل الخطط والمشروعات السياسية الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وفي سياق كهذا يسهل إدراك كون إسرائيل أكثر دول العالم استفادة على الصعيد الإستراتيجي من الحرب ومن الاحتلال الأميركي للعراق.

أما تركيا فربما تكون فترة الحرب قد تسببت لها في أضرار مادية وضاعفت بالتالي من أزمتها الاقتصادية، غير أنها لا تبدو مستاءة كثيرا من إضعاف دور العراق السياسي في المنطقة، أو حتى من احتمال خضوع العراق لاحتلال أميركي طويل الأمد أو دائم.

ومع ذلك فمن المقطوع به أن تركيا لا تطمئن كثيرا للسياسات الأميركية تجاه العراق، خاصة فيما يتعلق بمعالجتها للقضية الكردية هناك، وهي قضية تعتبرها ماسة بأمنها القومي تشكل بالنسبة لها قضية حياة أو موت.

وتدل الطريقة الذكية التي أدارت بها تركيا علاقتها بالولايات المتحدة خلال فترة الحرب، خاصة وأنها تمكنت من الصمود في وجه الضغوط الأميركية دون أن تلحق أي ضرر حقيقي بعلاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، على إمكانية وجود فجوة بين المصالح الإستراتيجية الأميركية -كما تعكسها سياسة البيت الأبيض الحالية تجاه العراق- وبين المصالح الإستراتيجية التركية.

غير أن تركيا تبدو في موقف يتيح لها أن تلعب دورا لا غنى عنه بالنسبة للولايات المتحدة من ناحية، ولا يتناقض في الوقت نفسه مع مصالح أهم دول الجوار العراقي -إيران وسوريا- من ناحية أخرى.


تتطابق مصالح تركيا الإستراتيجية مع مصالح كل من إيران وسوريا، ومع مصالح الشعب العراقي وربما بقية دول المنطقة، في رفض تفتيت الدولة العراقية ورفض قيام دولة كردية في شمال العراق قد تصبح نواة لدولة كردية أكبر في المنطقة
ففي سياق مشروع "الشرق الأوسط الكبير" تبدو تركيا مرشحة للعب دور الدولة النموذج وربما للقيام بأدوار سياسية مباشرة مطلوبة أميركيا. وتتطابق مصالح تركيا الإستراتيجية مع مصالح كل من إيران وسوريا، ومع مصالح الشعب العراقي وربما بقية دول المنطقة، في رفض تفتيت الدولة العراقية ورفض قيام دولة كردية في شمال العراق قد تصبح نواة لدولة كردية أكبر في المنطقة تضم أكراد تركيا وإيران وسوريا معا.

وفيما يتعلق بإيران فمن الواضح أنها كانت على وعي تام بأن احتلال العراق سوف يشكل تهديدا مباشرا على أمنها الوطني، وربما يكون هو الخطوة الأولى التي تمهد لضربها واحتلالها -منفردة أو بالجمع مع سوريا- في خطوة تالية قد لا تتأخر كثيرا.

ولأنه لم يكن بوسع إيران أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب العراق، وكان لها في الوقت نفسه مصلحة واضحة في اختفاء نظام صدام حسين الذي سبق له الدخول معها في حرب ضارية، فقد حاولت إدارة الأزمة بمنهج سد الذرائع أمام الإدارة الأميركية المتلهفة لإسقاط النظام الإسلامي في إيران. فاتخذت موقف الحياد خلال الحرب، وتعاملت بعدها بمرونة شديدة مع التحرشات الأميركية المتعللة بالبرنامج النووي الإيراني.

ولأن إيران تدرك أن لديها أوراقا كثيرة تستطيع أن تلعبها خاصة فيما يتعلق بالتأثير على الداخل العراقي، فقد نجحت حتى الآن في سد الذرائع والصمود في وجه الضغوط الأميركية.

ومن المفارقات أن تبدو إيران الآن وكأنها تقف مع سوريا ولبنان والمقاومة الفلسطينية -ومعها المقاومة العراقية- في خندق إستراتيجي واحد وصامد في وجه الضغوط الأميركية.

فضرب أي من هذه المفردات أو إضعافه يزعزع موقف إيران الإستراتيجي أو يضعفه، كما أن ضرب إيران أو إضعافها يزعزع أو يضعف من الوضع الإستراتيجي لكل من سوريا ولبنان، كما يضعف من المقاومة في كل من فلسطين والعراق.

من هذا الاستعراض الموجز يتضح لنا أن الوضع الإستراتيجي بعد عام من الغزو والاحتلال الأميركي للعراق قد تغير في اتجاه إضعاف النظام العربي لحساب النظم الفرعية الأخرى في المنطقة، وزيادة دور الدول الهامشية على حساب دول القلب في النظام العربي، ودعم الموقف الإستراتيجي لدول الجوار العراقي غير العربية على حساب دول الجوار العربية.
ــــــــــــــ
رئيس قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة