من هو اليهودي؟   
الأربعاء 11/11/1425 هـ - الموافق 22/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:38 (مكة المكرمة)، 10:38 (غرينتش)

قسم البحوث والدراسات

الأستاذ عبد الوهاب المسيري أحد أهم المختصين في الشأن اليهودي في العالم العربي، لذا فإن كتابه "من هو اليهودي؟" يعتبر أفضل مرجع للإجابة على سؤال من هو اليهودي؟

"
الهويات اليهودية تتناقض مع بعضها البعض أحيانا، ولم يكن هناك شيء يمنع تطور بعضها واقعيا باتجاهات لا تتفق مع رؤية الجماعات اليهودية لنفسها

"

لماذا من هو اليهودي?
عندما تقوم الدولة على أساس ديني قومي يدعي الانتماء العضوي لأرض بعينها يصبح من الضروري التدقيق بصحة هوية ساكنيها، هل هم من أهلها الشرعيين أم لا؟

انطلاقا من هذا السؤال يقول المسيري في مقدمة كتابه "من هو اليهودي؟" إن الصهاينة الدينيين والصهاينة العلمانيين دخلوا في صراع حول تحديد هوية من هو اليهودي.

ما الذي يعطي اليهودي يهوديته "هل هو التطور التاريخي والتراث اليهودي والانتماء العرقي، أم إنه الاختيار الإلهي والتاريخ اليهودي المقدس؟".

ومن الطبيعي أن يتشظى الخلاف السابق ليطرح عشرات التداعيات حول من هو اليهودي، خاصة وأن اليهود توزعتهم حضارات تاريخية وجغرافية ومذاهب مختلفة، فضلا عن الطموحات السياسية لكل منهم في الدولة الوليدة إسرائيل.

هويات لا هوية يهودية
تكتسب "الشخصية" لأي إنسان هويتها من عملية "تفاعل مركبة بين الإنسان الفرد من جهة، وبنيان مجتمعه وثقافته وتاريخه وبيئته الطبيعية والاجتماعية من جهة أخرى".

فمن خلال الامتداد الزمني تكتسب هذه الجماعة سمات معينة وهوية محددة تصبح ثابتة أو شبه ثابتة يفترض أنها تميزها عن غيرها.

ومن هذا المنطلق من الصعوبة بمكان الحديث عن شخصية يهودية واحدة أو هوية يهودية واحدة، فقد عاشت الجماعات اليهودية في عصور وأماكن وظروف مختلفة، والصحيح أن هناك "شخصيات" و"هويات يهودية"، فهناك الشخصية "أو الهوية" اليمنية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، أو الشخصية الخزرية اليهودية في القرن التاسع، أو الشخصية الإشكنازية في إسرائيل وهكذا دواليك.

وكانت "الهويات" اليهودية تتناقض مع بعضها البعض أحيانا، ولم يكن هناك شيء يمنع تطور بعضها واقعيا باتجاهات لا تتفق مع رؤية الجماعات اليهودية لنفسها، خاصة أنه لم تكن هناك سلطة يهودية مركزية مستقلة تعنى بشأن اليهود واليهودية.

وهكذا فقد وقع تنوع هائل في الهويات اليهودية، عبر العيش أو الاحتكاك مع عشرات التشكيلات الحضارية، ورغم ذلك "استمر اليهود وغير اليهود في الحديث عن اليهود كما لو كانوا كلا واحدا".

اليهودي في الشريعة اليهودية
ولكن هذا لم يمنع أن تتشكل معالم دينية وإثنية -وبتفاوت في أهميتها- في محاولة لرسم الهوية اليهودية وتمييزها عن غيرها، فقد كانت اليهودية في العصور القديمة لا تحتاج للكثير كي تتميز عن محيطها الوثني، ولكن في العصور الوسطى وجدت نفسها في محيط توحيدي إسلامي مسيحي أدى إلى انطماس معالمها.

لذلك حاول علماء اليهود أن يخلقوا هوة بين اليهود وأعضاء الديانات التوحيدية الأخرى، وكان التلمود هو ثمرة هذه المحاولة. وخلال هذه الفترة ظهر تعريف الشريعة (هالاخاه)للهوية اليهودية فعرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية أو من تهود.

وهذا التعريف هو الذي ساد منذ ظهور اليهودية الحاخامية مع بدايات العصور الوسطى في الغرب حتى بداية القرن التاسع عشر، وبالتالي فهو التعريف الذي يعد الإطار المرجعي لكثير من الكتابات والإشكالات التي تثار حول الهوية اليهودية.

وإحدى أهم الإشكالات في هذا التعريف أنه يربط الهوية بالولادة من أم يهودية حتى ولو لم يمارس تعاليم الدين اليهودي، فاليهودي هو يهودي بالمعنى الإثني، وبناء عليه فإنه يظل يهوديا ولو كان ملحدا والأكثر غرابة فإنه يبقى يهوديا ولو تنصر أو أسلم أو انتقل لدين آخر.

"
الهوية اليهودية الجديدة تغذت من الحضارة الغربية وذابت فيها من جهة، وحافظت على بعض التميز من جهة أخرى. لكنه تميز ينتمي في يهوديته إلى المظهر والقشرة لا إلى المخبر والجوهر

"
الهوية اليهودية الجديدة
إن تعريف الشريعة اليهودية لمن هو اليهودي جمع بين عناصر دينية وعرقية دون تعريف حدود كل عنصر، ولملم خليطا من الشعوب تتنازعها منازع مختلفة في اللغة والاعتقاد وغير ذلك.

فمنها المتدين والعلماني، ومنها المحافظ على أصوله والمبتدع لهويات أخرى، وذلك تبعا للبيئة ولنوعية الحياة التي يعيش فيها، ولا يجمع بينهم إلا محاولة كل طرف منهم استمداد يهوديته من تراثه الخاص وعلى طريقته الخاصة.

ويتعقب المسيري في كتابه إحدى أهم الهويات التي صاغها اليهود الغربيون، وأكثر تحديدا هوية يهود أميركا ويطلق عليها اسم "الهوية اليهودية الجديدة".

ويرى أنها تغذت من الحضارة الغربية وذابت فيها من جهة وحافظت على بعض التميز من جهة أخرى. لكنه تميز ينتمي في يهوديته إلى المظهر والقشرة لا إلى المخبر والجوهر.

وبيان ذلك أن العالم الغربي خضع بعد القرن التاسع عشر لعملية ضخمة من العلمنة وتراجعت فيه العقيدة المسيحية، حتى أصبحت مجتمعاته تدور حول مبدأي اللذة والمنفعة، وحول الإنسان الطبيعي بما يمثله من جسم وحاجات اقتصادية.

فهي مجتمعات لا ترى اليهودي باعتباره قاتل المسيح أو عدو الإله، وقد يثرثرون عن التراث اليهودي المسيحي، ولكن الإنسان بالنسبة لهم في التحليل الأخير هو الإنسان الاقتصادي المنتج والمستهلك، والإنسان الجسماني الباحث عن المتعة، وإن اهتم بالدين فلا يخرج اهتمامه به عن هذا الإطار.

ووجد اليهودي نفسه في هذه البيئة العلمانية وانخرط فيها، وانعتق من يهودية ما قبل القرن التاسع عشر، وتطلق بعض الدراسات المتخصصة على هؤلاء اليهود الجدد "يهود ما بعد مرحلة الانعتاق".

والأميركيون اليهود هم أهم وأكبر قطاعات هؤلاء اليهود العتقاء الجدد، إذ يشكلون 90% منهم، ويمثلون جماهير الصهيونية ويؤثرون في صنع القرار الأميركي. أما يهود أوروبا فهم آخذون في التلاشي باستثناء فرنسا التي هاجر إليها يهود المغرب.

وساهمت خصوصية الولايات المتحدة الأميركية في سرعة ظهور الهوية اليهودية الجديدة. هذه الخصوصية تتمثل في كون المجتمع الأميركي مجتمع جديد وافد متعدد، ليس له تراث مركب ولا تاريخ طويل.

وقد اندمج اليهود بمجتمعاتهم العلمانية وأصبحت أنماط سلوكهم وأسلوب حياتهم وطموحاتهم وأحلامهم لا تختلف كثيرا عن غيرهم من غير اليهود.

وأخذت هويتهم بالتآكل خاصة بسبب الزيجات المختلطة، وأصبح تفاعلهم مع ثقافة إسرائيل العبرية تعاطفا رومانسيا لا يبلغ حد التضحية بهويتهم الأميركية.

وهذا لا يمنع وجود تناقضات بين هوية اليهود الجدد والمجتمعات التي ينتمون إليها، ولكنها لا تعدو وضع أي أقلية في أي مجتمع غربي حديث منفتح، وهذا الوضع شيء جديد بالنسبة إلى يهود العالم الغربي.

"
الهوية اليهودية في السياق الصهيوني هي مسألة قانونية تحمل مضمونا محددا، حيث إن اليهودي يتمتع بمزايا وحقوق لا يتمتع بها غير اليهودي في الدولة الصهيونية

"

التعريف الصهيوني لليهودي
معظم الاتجاهات الصهيونية تذهب إلى أن اليهودية شيء نابع من حركيات ما يسمى التاريخ اليهودي المرتبط بفلسطين.

وهذا المجال الزماني المكاني هو المجال الوحيد الذي تستطيع فيه هذه الهوية أن تعبر عن نفسها تعبيرا كاملا، مثلما حدث تحت حكم الدولة العبرانية المتحدة (الكومنولث الأول)، وحكم الدولة الحشمونية (الكومنولث الثاني)، إلى أن تم هدم الهيكل.

فإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948 (الكومنولث الثالث)، بحسب الرؤية الصهيونية هي التعبير الكامل عن الهوية اليهودية التي ستجعلهم شعبا مثل كل الشعوب، وسيحقق اليهود من خلال هذه الدولة ما فشلوا في تحقيقه بوصفهم أعضاء في مجتمعاتهم، وهذا ما يسمى في المصطلح الصهيوني "تطبيع الشخصية اليهودية"، أي منح اليهود هوية اليهودي الخالص.

وقد طرحت تصورات عدة لمصدر يهودية هذا اليهودي الخالص، منها النظر إلى الجنس اليهودي باعتباره عرقا متميزا، وأنها مسألة تتعلق بالدم.

ويرى فريق آخر أنها مسألة تتعلق بالتاريخ والتراث المشترك، وأن ثمة تماثلا بين أوضاع اليهود الإثنية والتاريخية، والمختلفة من بلد إلى بلد.

فيما لم يقبل الصهاينة الدينيون التعاريف السابقة، ورأوا في اليهود أمة مقدسة تكتسب هويتها من علاقتها الخاصة مع الرب، ولكنهم لم يستبعدوا في تعريفهم العنصر الإثني، وذلك عندما اعتبروا اليهودي من يولد لأم يهودية أو تهود.

ومن المهم التنبه إلى أن الهوية اليهودية في السياق الصهيوني هي مسألة قانونية تحمل مضمونا محددا، حيث أن اليهودي يتمتع بمزايا وحقوق لا يتمتع بها غير اليهودي في الدولة الصهيونية.

منها ما يتعلق بالأرض حيث أن الصندوق القومي اليهودي على سبيل المثال والذي يملك معظم أراضي فلسطين باسم الشعب اليهودي، تحرم قوانينه بيع هذه الأراضي أو تأجيرها لغير اليهود، أو حتى استخدامهم للعمل فيها.

اليهودي في دولة إسرائيل
أصدرت إسرائيل عدة قوانين تعطي حقوقا لصاحب الهوية اليهودية، وكان قانون العودة أولها (عام 1950)، وينص على حق اليهودي أينما كان في الهجرة إلى إسرائيل والاستيطان فيها.

وصدر قانون تكميلي (عام 1952) هو قانون المواطنة الإسرائيلية الذي يمنح الجنسية الإسرائيلية لكل المهاجرين اليهود.

ولكن كلا القانونين لم يعرفا من هو اليهودي؟!

وبعد صراعات سياسية في البلاد صدر توجيه إداري عام 1959 ينص على تعريف اليهودي بأنه الشخص الذي ولد لأم يهودية، وهذا التعريف ليس كافيا لاستيعاب اليهود قانونيا، لأنه ببساطة قد يولد المرء من أم يهودية ولا يبقى على ديانة أمه!

مع العلم أن قانون تسجيل المواطنين يتضمن البنود المعتادة مثل الجنسية (إسرائيلي)، والديانة (يهودي أو مسيحي أو مسلم)، ولكنه يتضمن بندا ثالثا خاصا بالقومية (عربي، ويهودي) والأخير بالنسبة لليهود الإسرائيليين.

والمحاكم الحاخامية التي تمارس السلطة المطلقة في أمور الزواج والطلاق تأخذ بالتعريف القومي والديني، أي يجب أن يكون يهودي القومية والدين.

وبهذا من الصعب تعريف اليهودي الملحد والعلماني أو أي يهودي غير يهودي الديانة.

وشهدت إسرائيل عددا من القضايا التي جعلت المؤسسة السياسية والدينية تقف موقفا مزدوجا، منها على سبيل المثال قضية أحد الضباط ويدعى بنيامين شاليط وذلك عام 1968.

وقد طلب هذا الضابط تسجيل أولاده باعتبارهم إسرائيليي الجنسية يهوديي القومية، على أن يكتب أمام بند الدين عبارة (لا يوجد). وكانت نهاية الأمر بعد عامين أن حكمت المحكمة العليا لصالحه معللة حكمها بأن مصطلح القومية خاضع للتفسير العلماني.

لكنها أكدت أن حكمها ينصب على الوضع المدني أي قانون العودة، ولا ينصرف للأحوال الشخصية التي تختص بها المحاكم الحاخامية.

وصدر عام 1970 تعديل لقانون العودة، حيث نص على أن اليهودي من ولد لأم يهودية بشرط أن لا يكون على دين آخر، ونص أيضا على أن اليهودي هو المتهود. ولا يزال هذا التعريف هو المعتمد.

وهذا الأخير لم يخل من ثغرات أيضا حيث طالب أحدهم بأن يوضع في بند القومية إسرائيلي، بداعي أن التعريف يستند إلى أساس ديني، فيما اعترض اليهود الأرثوذكس على عبارة "المتهودين" لأن المتهود على يد حاخام إصلاحي أو محافظ مشكوك عندهم في يهوديته.. وهكذا يبدو أن لا إجابة نهائية


وحاسمة في إسرائيل لسؤال من هو اليهودي.
________________
الجزيرة نت
 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة