أفق الدولة المعروضة على الفلسطينيين   
الأحد 1426/6/11 هـ - الموافق 17/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:39 (مكة المكرمة)، 7:39 (غرينتش)

ياسر الزعاترة

الدولة المحنطة  
هياكل الدولة قبل الدولة
انتظار بلا جدوى

عقب اجتماعه في بروكسل بالممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا مطلع شهر مارس/آذار 2005، أطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس تصريحاً لافتاً للنظر، قال فيه إن حلم الدولة الفلسطينية "كان يفترض أن يتحقق في العام 2005 بحسب خريطة الطريق، وسنواصل العمل لكي يتحقق في أسرع وقت ممكن".

الدولة المحنطة

كان محمود عباس قد وصل لتوه إلى بروكسل قادماً من لندن بعد مشاركته في مؤتمر دعم السلطة الفلسطينية الذي غابت عنه الدولة العبرية، فيما حظي بحضور دولي كبير تمثلت فيه الولايات المتحدة بوزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس.

"
بحسب فايسغلاس، فإن خطة الانسحاب من قطاع غزة، هي مادة الفورمالين (تستخدم لتحنيط الجثث) التي ستجمد العملية السياسية لسنوات طويلة

"

وفي حوار الفصائل الفلسطينية الذي جرى في القاهرة منتصف شهر مارس/آذار كان لافتاً للنظر أن يبادر مدير المخابرات المصرية، والرجل القوي في النظام المصري إلى الحديث عن رفض الدولة المؤقتة، الأمر الذي يؤكد أنها مسألة مطروحة بجدية على الأجندة السياسية.

ما يمكن للمراقب السياسي أن يقرأه من هذه المعطيات، هو أن محمود عباس قد غدا أكثر إدراكاً للهدف الكامن خلف مجمل التحركات السياسية الجارية برعاية أميركية وموافقة إسرائيلية، والذي يتمثل بكل بساطة في دعم رؤية شارون حول الحل الانتقالي بعيد المدى الذي تحول إلى مسمى الدولة المؤقتة.

وهي دولة ستقوم على مناطق وجود السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، وحوالي نصف الضفة الغربية (مناطق أ و ب بحسب تصنيفات أوسلو) من دون سيادة، لا على البر ولا على البحر أو الجو، ويبقى الحال على ما هو عليه لسنوات طويلة قبل أن يتسنى الحديث في ما يسمى قضايا الحل النهائي.

هذه اللعبة كان مدير ديوان شارون دوف فايسغلاس قد كشف عنها قبل شهور، في سياق تطمينات للمستوطنين الذي أصابهم السعار إثر قرار الانسحاب من قطاع غزة.

وما لا يمكن أن يتجاهله محمود عباس هو أن لفايسغلاس علاقة حميمة مع وزيرة الخارجية الأميركية، الأمر الذي يجعل من رؤاه بالنسبة إليها أمراً مسلماً به، وأقله برسم القبول.

بحسب فايسغلاس، فإن خطة الانسحاب من قطاع غزة، هي مادة الفورمالين (تستخدم لتحنيط الجثث) التي ستجمد العملية السياسية لسنوات طويلة، والخلاصة هي أن الخطة ليست مرحلة بقدر ما هي إعلان تجميد للعملية السياسية عند النقطة الجديدة ممثلة في الانسحاب من المناطق المشار إليها آنفاً.

في هذا الإطار ستتشكل الدولة الفلسطينية المؤقتة، آخذة في الاعتبار الحدود التي رسمها الجدار الأمني، ومعها كل ما يتعلق بالكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، والتي تقسم الكيان الفلسطيني إلى ثلاثة كانتونات معزولة عن بعضها البعض.

مع التذكير بأن تلك المستوطنات التي يجري التهوين من شأنها بالقول إنها لا تستهلك سوى خمسة أو سبعة في المائة من مساحة الضفة الغربية، تستهلك أهم الأراضي، ليس من زاوية التحكم الجغرافي بالكيان الفلسطيني كما سبقت الإشارة، ولكن من حيث سيطرتها على مصادر المياه أيضاً.


لن يحدث ذلك بالطبع قبل أن تثبت السلطة الفلسطينية أهليتها لاستلام هكذا دولة، أي أن الدولة المؤقتة ستبقى برسم التأسيس ما دامت السلطة لم تقدم الأدلة على مواجهتها للإرهاب، ووقفها للتحريض، فضلاً عن تشكيلها لبنية مؤسساتية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها قد تجاوزت بشكل كامل كل ما يمت إلى الثورة بصلة.

بل لا بد من التأكيد على القطع مع التراث القديم لكي لا يكون بالإمكان العودة إليه كما حصل خلال مرحلة ياسر عرفات، وحيث عادت منظمة التحرير إلى عادتها القديمة في الجمع بين السلاح والتفاوض.

نتذكر هنا أن الرئيس الأميركي جورج بوش قد دعم هذه الرؤية قبل أسابيع بحديثه الواضح عن الدولة الديمقراطية الفلسطينية كضرورة لعملية السلام، أي أن الدولة تسبق السلام ولا تكون نتاجاً له، كما هو المنطق الطبيعي.

من الواضح أن كل هذه الأجواء والتصريحات قد أثارت مخاوف محمود عباس أكثر فأكثر، ومن ثم دفعته إلى إطلاق تصريحات سابقة بشأن رفض الدولة المؤقتة.

لكن ما يزيد في تلك المخاوف هو أن أجواء المشهد الدولي تبدو مساندة لطرح شارون المدعوم أميركياً، فقد تبدى أن الأوروبيين ورغم غياب الطرف الإسرائيلي قد أخذوا يميلون، وأقله يتقبلون تلك الرؤية، أكان قناعة بها أم خشية إغضاب الأميركان، والأهم خشية إغضاب "السادة الصهاينة" في الولايات المتحدة والغرب عموماً.

وفي كل الأحوال فإن إيمان عباس بلا جدوى العنف قد يطمّع الآخرين فيه، فضلاً عن أن ميزان القوى المختل عربياً ودولياً لصالح الدولة


العبرية سيجعل من الصعوبة بمكان فرض وقائع معقولة بشأن المفاوضات عليها.

هياكل الدول قبل الدولة

"
المسلسل يبدأ بإنشاء هياكل الدولة، لا سيما تلك التي توحي بديمقراطيتها كما يرى السيد بوش، وهي دولة ستنبذ العنف والإرهاب، فيما ستأتي بعد ذلك الدولة المؤقتة التي قد تحصل على بعض السيادة على قطاع غزة وقد لا تحصل

"

في مؤتمر لندن الذي عقد في اليوم الأول من شهر مارس/آذار الماضي، كشف محمود عباس في كلمته عن مخاوفه من تطبيق تلك الرؤية، فقد توجه إلى الحضور قائلاً:

"إنني أيها الأصدقاء الأعزاء مؤمن تماماً بحقيقة أن الجهود الأمنية التي نبذلها هي في الأساس لتلبية الحاجات الملحة للمواطن الفلسطيني المتعطش للأمن والأمان، غير أنها في الوقت ذاته تظل عرضة للتراجع وربما للانهيار إذا لم تحم بمسار سياسي جدي لا مبرر لتأخيره بيننا وبين الإسرائيليين، ولقد علمتنا التجربة أن الترتيبات الأمنية المعزولة عن إطار سياسي جدي لا تكفي لترسيخ الأمن وفتح آفاق السلام، وعندما أتحدث عن مسار جدي، فإنني وبكل تأكيد أعني مساراً يعطي الثقة بإمكانية إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967".

على أن هذا النداء من الرئيس الفلسطيني، وما انطوى عليه من تهديد، وأقله تذكير بمآل الفشل الذي ينتظر ترتيبات أمنية لا تحمل أي بعد سياسي، لم يترجم إلى نصوص في البيان الختامي.

بل إن بالإمكان القول إن البيان المذكور قد أيد عملياً مشروع الدولة المؤقتة، بل هياكل الدولة الديمقراطية التي تسبق المفاوضات النهائية، وربما تسبق الدولة المؤقتة ذاتها، كما تؤكد ذلك تلك الفقرة التي تقول:

"إن عملية بناء الدولة حاسمة بالنسبة للشعب الفلسطيني من أجل ضمان عملية تفاوض مثمرة وفعالة من شأنها أن تفضي إلى إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وتسهيل بروز دولة سيدة، قوية، مستقلة متصلة جغرافياً، وقابلة للحياة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً".

أما عميد الدبلوماسية الأوروبية خافيير سولانا الذي استمع في بروكسل إلى محمود عباس وهو يحدثه عن ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية "في أسرع وقت ممكن"، فلم يمنح أفقاً أكثر تفاؤلاً، لا سيما بحديث عن هياكل الدولة المستقلة، وإن فضل قيامها في وقت أسرع، قائلاً "الأسرع أفضل".

هو إذن مسلسل يبدأ بإنشاء هياكل الدولة، لا سيما تلك التي توحي بديمقراطيتها كما يرى السيد بوش، أي البرلمان والحكومة بعد أن توفر الرئيس المنتخب، وهي دولة ستنبذ العنف والإرهاب، فيما ستأتي بعد ذلك الدولة المؤقتة التي قد تحصل على بعض السيادة على قطاع غزة وقد لا تحصل، أما الحديث عن قضايا الوضع النهائي فمتروك لزمن آخر يقرره شارون أو من بعده بحسب الظروف.

ما يزيد في المأزق الفلسطيني على هذا الصعيد هو أن خريطة الطريق التي تشكل تعويذة السلام الجديدة بالنسبة للسلطة، تنص في مرحلتها الثانية على الدولة المؤقتة وإن بمسمىً آخر هو "دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة"، سيكون الحكم على ممارساتها الأمنية والديمقراطية من صلاحية الرباعية الدولية.

هكذا سيكون على الرئيس الفلسطيني أن يقنع شعبه وقواه المقاومة بأن يدخلوا في لعبة قد تطول من أجل الدولة المؤقتة، ونقول قد تطول لأن مسألة محاربة الإرهاب ووقف التحريض ستبقى سيفاً مصلتاً عليها لا يقرر التقدم على صعيده إلا الأميركان والإسرائيليون.

أما المطالب الفلسطينية المقابلة فلن ينظر إليها بالكثير من الجدية، إذ لا يتوقع أن تبادر السلطات الإسرائيلية إلى إطلاق سراح المعتقلين


الفلسطينيين من أولئك الذين تصنفهم بالقتلة "من ذوي الدم على الأيدي".

انتظار بلا جدوى

"
الدولة المؤقتة ستكون هي الدولة النهائية مع بعض الإضافات الشكلية، ويبقى أن لهذه الدولة العتيدة نزاعها الحدودي مع جارتها مثل عشرات النزاعات الحدودية في العالم والتي لا حل لها
"

بعد ذلك سيكون على الرئيس الفلسطيني أن يقنع شعبه بجدوى الانتظار سنوات قبل بدء مفاوضات الوضع النهائي، فيما عليهم أن يقبلوا خلال هذه الفترة بحكم ذاتي مجزأ الأوصال يعيش تحت رحمة الاحتلال، وإن كان له اسم الدولة وطقوسها الديمقراطية المعروفة من رئيس ورئيس وزراء ومجلس تشريعي وانتخابات على مختلف الأصعدة.

وهي دولة يرجح أن يكون الفساد هو سيد الموقف فيها، حتى بوجود برلمان يضم معارضين من حركة حماس، فالفساد هنا سيكون برعاية الأميركان أنفسهم ومعهم الإسرائيليون، لأنه ما من شيء يحيل الثوار إلى عباد مسالمين هينين لينين مثل التورط في الصفقات و"البزنس".

المصيبة أن الانتظار في هذه الحالة يبدو من دون معنى في ظل التأكيدات اليومية من قبل المسؤولين الإسرائيليين بشأن الموقف من مفاوضات الوضع النهائي، وفي السياق يبرز وعد بوش لشارون الذي أعلن في شهر أبريل/نيسان من العام 2004، والذي وضع سقفاً لتلك المفاوضات لا يغير من الحقائق على الأرض شيئاً، وتحديداً فيما يتعلق بالمستوطنات وعودة اللاجئين، إذ لا عودة للاجئين إلى الأراضي المحتلة عام 48، أما المستوطنات الكبيرة فستبقى في أماكنها، بل إن موجة جديدة من الاستيطان قد بدأت تتحرك مذكرة بالموجة المشابهة التي أعقبت توقيع اتفاق أوسلو عام 1993.

وهناك أيضاً مواقف شارون المعلنة من موضوع القدس التي أكدها في حديثه إلى صحيفة الأهرام القاهرية بعد مؤتمر شرم الشيخ، حيث ذهب إلى أنها عاصمة الدولة اليهودية منذ ثلاثة آلاف وسبعة أعوام.

والنتيجة أن الدولة المؤقتة ستكون هي ذاتها الدولة النهائية مع بعض الإضافات الشكلية، مثل منح السيادة أو بعض السيادة لقطاع غزة، مع جسر يربط بينه وبين الضفة الغربية، إلى جانب بعض التعديلات على الحدود بما لا يخل بما رسمه الجدار منها. ويبقى أن لهذه الدولة العتيدة نزاعها الحدودي مع جارتها، تماماً مثلما يحدث ذلك مع عشرات النزاعات الحدودية التي لا حل لها في هذا العالم!!

من هنا يبرز السؤال التالي المتعلق بموقف الشارع الفلسطيني وقواه المقاومة، وفي هذا السياق لا بد أن يتذكر المراقب أن موقف ذلك الشارع الساكت على خطوات عباس لم يأت نتاج القناعة ببرنامجه الرافض للمقاومة، لاسيما بعد نجاحها في فرض الانسحاب من قطاع غزة، بل إدراكاً منه لواقع ميزان القوى الذي فرضه، الأمر الذي يعني بالضرورة أن تغير ميزان القوى لا بد سيفرض تغيير الموقف، لاسيما بعد أن يتأكد عجز المسار الجديد عن إطلاق سراح الأسرى، فضلاً عن تحقيق الحلم، كما وصفه أبو مازن، ممثلاً في الدولة الفلسطينية ضمن حدود الرابع من حزيران.

وإذا تذكرنا أن تغيراً في ميزان القوى لا يمكن استبعاده، إن لم يكن متوقعاً، ولو بعد حين، كنتاج للفشل الأميركي في العراق، فإن تكرار سيناريو انتفاضة الأقصى بعد كامب ديفد عام 2000 سيكون مرجحاً، حتى لو رفضه محمود عباس، فيما لا يتوقع أن يكون بوسعه الصدام مع المزاج العام للجماهير، لاسيما وأن السؤال المطروح سيكون موجهاً إلى حركة فتح التي رشحته للرئاسة أكثر من كونه موجهاً إليه كرئيس.
_______________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة