فساد فتح بالمليارات   
الجمعة 11/6/1427 هـ - الموافق 7/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 18:18 (مكة المكرمة)، 15:18 (غرينتش)
عدلي صادق
كلام كثير قيل عن الفساد داخل حركة فتح، فهل ما يقال من باب الكيد السياسي الذي يضخم الأمور ويصنع كما يقول المثل من الحبة قبة، أم أن لهذا الذي يقال ما يثبته على أرض الواقع؟
 
عدلي صادق أحد قياديي ورموز حركة فتح، وعضو مجلسها الثوري، وصاحب تاريخ نضالي طويل يمتد لنحو 40 عاما، لم يتحرج في الإجابة بصراحة عن هذا السؤال ولم يتردد في فتح هذا الملف الحساس وتقليب صفحاته المثيرة.
 
 

سيد عدلي بداية هل نحن أمام حالات فساد فردية أم إزاء ظاهرة ألمت بحركة ثورية فلطخت سمعتها؟ وهل بإمكانك أن تحدد بدقة "حجم" هذا الفساد؟
 
 
قياسا على ما هو موجود في العالم فإن الفساد المستشري داخل حركة فتح ليس منقطع النظير، فهناك ما يشبه فساد فتح داخل الكثير من الأنظمة الحاكمة وبخاصة الأنظمة الشمولية وأجهزتها السرية وداخل أوساط بعض رجال الأعمال.
لكن بالمعيار التاريخي وعلى مدى أكثر من 30 عاما إذا أردنا أن نحدد "كمًّا" للفساد داخل حركة فتح فإن حديثنا يكون عن مليارات من الدولارات ذهبت هباء وأهدرت بوسائل فاسدة.
 
أما إذا كنا نتحدث عن فساد اللحظة الراهنة فإن هناك بعض الألغاز حول الأرقام الحقيقية، لكن ما نعرفه اليوم على سبيل المثال أن أحد الذين تتمركز بأيديهم أموال الحركة هو الآن وفي هذه اللحظة التي أحدثك فيها موجود في بلد معين ويغترف من أموال فتح على مصروفات شخصية باذخة مثلما اغترف أولاده وأولاد أشباهه من المتنفذين داخل حركة فتح.(1)
 
يعتقد البعض بأن ما يقال عن الفساد داخل فتح مبالغ فيه، وأنه على الفور يحال إلى القضاء مثلما فعل مؤخرا الرئيس محمود عباس.. فما مدى دقة هذا الكلام؟
 

يا سيدي ما أحيل إلى القضاء هو الملفات المتصلة بعمل الجهاز
الحكومي في السلطة ومؤسساتها وليس له علاقة بفتح، لأن في فتح "حاخامات" كبارا لا يستطيع أحد أن يتجاوز حدوده مع الآخر، فكلهم يعرفون أوراق بعضهم البعض، وقد اشتغل الرئيس محمود عباس في المال وأحمد قريع اشتغل في المال، وبالتالي فربما يختلف الرجلان ولكن لا يتجاوز أي منهما حدوده في الخلاف مع الطرف الآخر، ومن هنا فإن ملفات الفساد داخل حركة فتح لم تفتح، وما أحيل إلى النائب العام هو بعض ملفات السلطة، وملفات السلطة التي جاءنا البلاء منها هي ملفات جاءت عن طريق حركة فتح.
 
 
ألا تعتقد أن هذا الكلام يحتاج إلى دليل؟
 
دعني أعطيك ما تريد، سأعطيك مثالا بسيطا.. وهذا الكلام أنا مسؤول عنه لأن رئيس هيئة الرقابة العام الذي أحيل الملف إليه تحدث به أمامنا في جلسة موسعة أثناء ندوة نظمناها عن هذا الموضوع، أقول لك إن حجم المسروقات التي تمت على يد رئيس هيئة عامة مهمة حصل على أعلى الأصوات داخل حركة فتح في انتخابات للمجلس الثوري وأصبح عضوا في هذا المجلس بفضل تحكمه في السيولة المالية ومن خلال منصبه السابق كصراف.. حجم ما نهبه هذا الرجل (2) وحوّله إلى حسابه في كندا يصل ما بين 450 إلى 500 مليون دولار أي أننا نتحدث في نصف مليار دولار، هذا الرقم لا تعرف الرقابة العامة أين ذهب، فإذن هذا فساد بحجم كبير جدا في السلطة لكن أسبابه حركة فتح، وهذا الرجل كان قد حصل كما قلت لك على أعلى الأصوات في المجلس الثوري.
 
هذا الكلام كما قلتَ أنت وحدك مسؤول عنه.. لكن دعني أسألك: إلام تعزو أسباب هذا الفساد داخل الحركة التي تنتمي إليها والتي أنت أحد رموزها؟ هل يعود مثلا إلى عدم وجود خط فاصل بين أموال السلطة والمنظمة والحركة كما يفسر البعض؟
 
لا.. ليس كما تقول.. فالسلطة حُملت بأكثر مما تحتمل، فلو خيرتني وقلت لي أيهما أكثر فسادا فتح أم السلطة لقلت لك فتح وليست السلطة، لأن فتح هي التي أفسدت السلطة للأسف، وأنا أقول لك وأنا من حركة فتح منذ أن كان عمري 16 عاما وأنا الآن عمري 56 عاما، فأقول لك إنه قبل أن تنشأ السلطة كان الفساد موجودا في فتح، والفساد لا يزال حتى الآن رغم أن فتح ليست في السلطة، ففتح ليس فيها شفافية، وغير معروف أين أموالنا، وأين استثماراتنا، وأين عقاراتنا، أين تذهب وكيف تصرف وما هي آليات الصرف، فتداخل هذا كله كان ممركزا في شخصية ياسر عرفات باعتباره كان هو السلطة والمنظمة وفتح، وكان عرفات يصرف شيئا مرئيا يقال عنه وشيئا غير مرئي لا يقال عنه، لكن بالنسبة لحركة فتح فليس هناك شيء مؤسس كنظام يقر طريقة وآلية معرفة المال وشفافية التصرف فيه.
 
من يتحمل مسؤولية هذا الكلام الخطير الذي تتحدث به؟ أين أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح مما حدث ويحدث؟
 
أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح يتحملون مسؤولية كبرى لأنهم كلهم قد تم إرضاؤهم بموازنات شهرية عالية لم يستطيعوا بعدها أبدا أن يقوموا ببحث مثل هذه القضايا.
 
سيدي.. معلوماتي أن المجلس الثوري لحركة فتح أنشأ لجنة عام 1993 أسماها "لجنة من أين لك هذا"، فماذا فعلت هذه اللجنة فيما يتعلق بالفساد في الحركة؟
 
أنا اشتغلت في هذه اللجنة وكان رئيسها هو عضو اللجنة المركزية المرحوم صبحي أبو كرش (أبو المنذر) وكان معه عدد من الأفراد وأنا كنت مساعدا له، هذه اللجنة يا سيدي لم تباشر عملا يزيد عن ستة أيام ثم توقفت.  
 

ستة أيام فقط.. هل هذا معقول.. لماذا توقفت بهذه السرعة؟
 
لأن أحدا لا يستطيع أن يحضر ملفات من أحد؟ فمثلا إذا كنت تريد ملفا عن استثمارات القطاع البحري المتعلق بالسفن التجارية على سبيل المثال فلا أحد يعطيك الملف ولهذا توقفت اللجنة. 
 
سمعنا كلاما كثيرا عن لون من الفساد يتمثل في تعيين الأقارب والمحاسيب، قيل أن حركة فتح استغلته فهل هذا الكلام مبالغ فيه؟
 
 
أنت هنا تخلط بين السلطة وبين فتح، فساد السلطة هو فساد مجتمع مستشري في بيئة عامة.
 

على اعتبار أن معظم رموز السلطة كانوا فتحاويين؟
 
لا، ليس معظمهم، فمنهم من هو فتحاوي ومنهم من ليس فتحاوي، ومنهم من هو فتحاوي متسلق، أي أنه لم يكن في فتح في يوم من الأيام ولكنه ركب في "السبنسة" أي في العربة الأخيرة حينما دخل القطار مناطق آمنة، مناطق أخذ وليس عطاء، مناطق مغنم وليس مغرم، لكن دعني أصحح لك ما تفضلت به فإن الفساد في السلطة التي كانت فتح جزء منها يقوم على ثلاثة دعائم أو أسباب رئيسية:
  • تكريس ما يسمى بـ الاقتصاد الريعي فمجموعة من المشتغلين مع الرئيس عرفات يوهمونه بأنهم شطارا و"فلتات زمانهم" ويضعون أيديهم على السلع واسعة التداول، ويحتكرونها وعلى الأسواق والمعابر... ويأتون بريوع تعطل الدورة الاقتصادية في المجتمع ويعطون الرئيس عرفات كل شهر مبلغا "يسلك" به أموره... وبالتالي تكون النتيجة أن يصنع هؤلاء إمبراطوريات مالية لأنفسهم.
  • السبب الثاني هو خلق أو نشوء مبدأ التمويل الذاتي للأجهزة، فلكل جهاز وليكن جهازا أمنيا مثلا، احتياجاته الشهرية عشرة آلاف دولار فيعطي خمسة آلاف ويقال له دبر نفسك بمعرفتك فيستحدث لنفسه إيرادات ويستثمر لنفسه في محالات شتى، وهذه مصيبة، فيحصلون إيرادات في الشارع وفي الحارة حتى الزنزانة نفسها يستثمرونها.
  • السبب الثالث هو ديوان الموظفين العام، وهذه قصة مفتاحها "أنا أعين لك واحدا وأنت تعين لي واحدا"، فهناك آلاف من الموظفين الوهمين منهم أولاد وبنات رموز في السلطة، وهناك عشرات الآلاف من الفلسطينيين أصحاب الكفاءات لا يجدون عملا، ودعني أعطيك مثالا من وزارة الخارجية التي أشتغل فيها الآن، فقد قال لي الدكتور محمود الزهار وزير الخارجية مستغربا "يا رجل مائة موظف في وزارة الخارجية ليس معهم شهادة الثانوية العامة، وعندنا حوالي 200 طلب ينتظر أصحابها فرصة عمل في وزارة الخارجية أقل واحد فيهم معه ماجستير في العلاقات الدولية وفي الدبلوماسية؟.


فماذا كان ردك؟

قلت له.. طبعا.. فكثيرا ما قلنا هذا الكلام وكثيرا ما حاربناه.

طالما جرنا الحديث إلى السلك الدبلوماسي أعرف أنك كنت تترأس لجان تحقيق مع السفراء المتهمين بالفساد.. سؤالي هو ما علاقة فتح بالسلك الدبلوماسي وفساده؟

العلاقة هنا علاقة بـ "شهادة المنشأ" والشخص الفاسد يقول أنه من فتح لكن هل هذا الفاسد احترم قيم العمل الوطني العام... أعطيك مثالا.. حينما يأتي سفير هو أقرب سفير لمحمود عباس ممن عينهم حديثا في دولة خليجية ونفاجأ بأن ابن هذا السفير وليس أحدا آخر يتقاضى راتب نائب سفير أو مستشار أول عن بلد بأوروبا الشرقية لأربع سنوات متصلة وهو لم يدخل تلك البلد بل هو يدير شركة في عمان بالأردن.. هذا السفير الذي أروي لك قصته هو من حركة فتح.

فتح تقول بأن لديها برنامج سياسي مؤسس على إقامة دولة فلسطينية على حدود 67 ألا يكفي هذا؟
 
هذا غير كاف، هذه إستراتيجية أو خطة عامة، وأي خطة عامة تحتاج إلى قرارات ميدانية كل يوم، والقرارات تحتاج إلى إجراءات والإجراءات تحتاج إلى سلوك يومي للتطبيق، ولذا فأنا أقول أن حماس مخطئة حينما تتحدث عن مطلقات، فدعها تتكلم في الجزئيات التي تتكلم فيها فتح وتقول دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعاصمتها القدس وحل قائم على الدولتين، لماذا.. لأن هذا الكلام لا يستطيع أن يحققه الفاسدون، ولأن هذه مهمة صعبة ولا يتصور أحد أنها بسيطة.
_______________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة