العلاقات الأميركية السعودية بعد زلزال سبتمبر   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:23 (مكة المكرمة)، 16:23 (غرينتش)

*إعداد: محمد عبد العاطي

"لا توجد عداوة دائمة ولا صداقة دائمة بل مصلحة دائمة".. كلمة قالها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل قديما ولا تزال تحكم الكثير من العلاقات الدولية حتى الآن.

والعلاقات الأميركية السعودية التي تأسست منذ قرابة 60 عاما وبالتحديد منذ ذلك اللقاء التاريخي الذي جمع الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي روزفلت عام 1945 تستند في استمراريتها على معادلة "النفط مقابل الحماية"، فهل لاتزال هذه المعادلة تحكم العلاقة بين البلدين أم أن زلزال الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول صدع أركانها وبات كل طرف يبحث عن معادلة جديدة لزمن جديد؟

قضايا التعاون الأميركي السعودي


مستوى التعامل والتفاعل في مرتكزات العلاقة الأميركية السعودية لم يحدث بها تغيير بالدرجة التي يمكن معها تفسير الحملات الإعلامية التي تتعرض لها المملكة

تتعاون السعودية والولايات المتحدة الأميركية في أربع قضايا رئيسية هي:
  • حماية السعودية من التهديدات الخارجية.
  • المصالح المتوازنة في السياسات النفطية الأميركية السعودية.
  • الاشتراك معا في إدانة شبكة القاعدة وملاحقتها.
  • الصراع العربي الإسرائيلي.

وللحديث عن أي خلل طرأ على هذه العلاقة لابد من التعرف على طبيعة تعامل البلدين في هذه القضايا الأربع.

الحماية الأميركية
مثل الغزو العراقي للكويت عام 1990 تهديدا مباشرا للسعودية مما اضطرها للتقدم إلى الإدارة الأميركية بمطلبين، الأول العمل على إخراج العراق من الكويت وعودة الحكومة الشرعية المتمثلة في أسرة الصباح، والثاني طلب الحماية من الولايات المتحدة إزاء أي تهديد محتمل من العراق. وتم هذا الأمر بنجاح، الأول عن طريق عاصفة الصحراء والثاني عن طريق وجود قواعد عسكرية أميركية تضم قرابة خمسة آلاف جندي أميركي على التراب السعودي.

تأمين مصادر الطاقة
يمثل النفط السعودي أحد أهم الروافد الإستراتيجية لمصادر الطاقة الأميركية، وقد حافظت المملكة على تأمين هذا الرافد، ونجحت علاقة البلدين في إيجاد سياسة نفطية واضحة تحقق مصالح مشتركة للطرفين تستند إلى الابتعاد قدر الإمكان عن طفرات الأسعار المفاجئة أو انهيارها حتى لا ينعكس ذلك على استقرار الاقتصاد العالمي ويلحق الضرر بالمنتجين والمستهلكين على السواء.

الموقف من تنظيم القاعدة
التقت مصالح النظام السعودي مع المصالح الأميركية فيما يتعلق بتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، حيث يحمل الأخير الحكومة السعودية مسؤولية المجيء بالقوات الأميركية إلى أراضي الحرمين ومن ثم يدعو إلى تغيير نظام الحكم بها. أما الولايات المتحدة فقد حملت هذا التنظيم وزعيمه شخصيا مسؤولية ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وراحت تلاحقه بالضربات العسكرية والملاحقات الأمنية وتجفيف منابع تمويله في كل مكان.

وقد حقق البلدان تعاونا وثيقا في هذا المجال خاصة فيما يتعلق بإيجاد الآليات اللازمة لرصد وتعقب الأموال الصادرة من السعودية عبر المؤسسات الخيرية أو الهبات المباشرة من الأفراد. أما على مستوى الدعم السعودي العسكري لضرب قواعد هذا التنظيم فإن المملكة رفضت استخدام أراضيها في الحملة التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان، غير أن ذلك لم يمنعها من تقديم دعم لوجستي كبير لها.


كانت الرياض تأمل من واشنطن أن تبدي تعاونا أكثر جدية إزاء مبادرة ولي العهد الأمير عبد الله وخاصة بعد أن تبنتها القمة العربية في بيروت غير أن واشنطن تجاهلتها وقدمت رؤية مغايرة لها
الصراع العربي الإسرائيلي

تزايد شعور السعودية بالامتعاض -شأنها في ذلك شأن معظم الأنظمة العربية- من التعامل غير المحايد للولايات المتحدة في قضية الصراع العربي الإسرائيلي وبخاصة الطرف الفلسطيني منه، ولاسيما في العامين الماضيين التي ارتفعت فيهما وتيرة المقاومة الفلسطينية وما صاحبها من ردود أفعال إسرائيلية انتقامية استهدفت الكثير من المدنيين والبنى التحتية الفلسطينية.

وكانت الرياض تأمل من واشنطن أن تبدي تعاونا أكثر جدية في مبادرة ولي العهد الأمير عبد الله وخاصة بعد أن تبنتها القمة العربية في بيروت في مارس/آذار 2002، غير أن واشنطن تجاهلتها وقدمت رؤية مغايرة لها وضحها خطاب جورج بوش في أبريل/نيسان 2002.

يتضح أن مستوى التعامل والتفاعل في مرتكزات هذه العلاقة لم يحدث بها تغيير بالدرجة التي يمكن معها تفسير الحملات الإعلامية التي تتعرض لها المملكة والتي اتخذت المسارات التالية:

مظاهر توتر العلاقة

اتخذ توتر العلاقة بين البلدين مظاهر متعددة بعضها اقتصادي والآخر سياسي كلها تصب في محاولة الطرفين تغيير المواقف السياسية للطرف الآخر، من هذه المظاهر:

من جانب الطرف الأميركي

  • القيام بحملات إعلامية عاتية لم يسلم منها رموز النظام الحاكم وبعض أفراد الأسرة الحاكمة.
  • المطالبة بفك الارتباط بين الدولة السعودية والمؤسسة الدينية القائمة على المذهب الوهابي الذي تعتبره تلك الأصوات مذهبا أصوليا متشددا.
  • الدعوة إلى تغيير مناهج التعليم السعودي تحت ذريعة تجفيف منابع الإرهاب.
  • السعي لتحريك دعاوى قضائية والعمل على استصدار قانون من الكونغرس في دورته التشريعية المقبلة بفرض تعويضات مالية على السعودية.
  • المطالبة باتخاذ إجراء احتياطي بتجميد أموال منظمات خيرية إسلامية وثلاثة من الأمراء السعوديين هم الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والأمير تركي الفيصل مدير المخابرات الأسبق والأمير محمد الفيصل رجل الأعمال السعودي وصاحب بنك فيصل الإسلامي لدفع تعويضات لأسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تصل إلى مليون مليار دولار من المؤسسات وألف مليار من الأشخاص المستهدفين، أي ما يعادل الناتج المحلي السعودي لمئات السنين.
  • تسريب بعض تفصيلات ما جاء في تقرير لوران مورافيتس الباحث في مؤسسة راند للأبحاث السياسية والإستراتيجية والذي دعا البنتاغون 24 شخصية من أبرز المفكرين والسياسيين الإستراتيجيين الأميركيين في العاشر من يوليو/ تموز 2002 لمناقشته. واعتبر التقرير أن السعودية دولة عدو ودعا إلى تقسيمها عبر سايكس بيكو جديدة على أن تكون المنطقة الشرقية الغنية بالنفط تحت النفوذ والحماية الأميركيتين.
  • الإبقاء على عشرات السعوديين داخل سجون الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حتى الآن دون محاكمة، إضافة بالطبع إلى السعوديين الـ125 المعتقلين في معسكر غوانتانامو في كوبا.
  • المضايقات التي يتعرض لها الكثير من السعوديين خاصة داخل المطارات الأميركية وكذلك بالنسبة لبعض الطلبة السعوديين الدارسين في الجامعات الأميركية.

الامتصاص السعودي للغضب الأميركي

الإجراءات التي حاولت السعودية اتخاذها لتخفيف الغضب الأميركي وامتصاص توجهات العداء داخل بعض أجنحة الإدارة الحاكمة لم تجد نفعا
حاولت المملكة العربية السعودية في بداية تعاملها مع التوتر الحاصل في العلاقة اتخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها امتصاص ذلك الغضب منها:

  • تنظيم حملات علاقات عامة لتحسين صورة المملكة لدى الرأي العام الأميركي عن طريق إعلانات مدفوعة الأجر في بعض الصحف ومحطات التلفزة الأميركية.
  • الإكثار من زيارات الوفود الرسمية الرفيعة المستوى على رأسها زيارات ولي العهد الأمير عبد الله ووزير خارجيته الأمير سعود الفيصل لشرح موقف المملكة وإزالة التوترات وإذابة الجليد البادي على السطح.
  • طمأنة بعض كبار المستثمرين السعوديين وبالأخص الأمير الوليد بن طلال والذي يستثمر أكثر من 15 مليار دولار داخل السوق الأميركي والإعلان عن عدم نيتهم سحب هذه الاستثمارات.
  • تقديم تسهيلات لوجستية كبيرة لما سمي عملية محاربة الإرهاب في أفغانستان والتي أسفرت عن إسقاط نظام حكم طالبان وتولية نظام آخر موال للولايات المتحدة بزعامة حامد كرزاي إضافة إلى إلحاق بعض الأذى بتنظيم القاعدة.
  • تعاون معلوماتي استخباراتي بين أجهزة أمن البلدين لملاحقة أفراد تنظيم القاعدة والتضييق على مصادر تمويله.
  • التذكير بوقوف المملكة طيلة العقود الست الماضية إلى جانب المصالح الإستراتيجية الأميركية في المنطقة وبخاصة إبان الحرب الباردة لاسيما دورها في صد المد الشيوعي والناصري، ويدخل ضمن هذا السياق مساعدات المملكة لباكستان والمجاهدين في أفغانستان إبان الحرب الروسية الأفغانية، ومحافظتها على استقرار أسعار النفط وإمداداته بما لا يهدد الأمن القومي الأميركي، إضافة إلى شراء المملكة لصفقات أسلحة بأسعار مرضية للطرف الأميركي.
  • تقديم مبادرة الأمير عبد الله للسلام والتي تبنتها الدول العربية في مؤتمر القمة ببيروت في مارس/ آذار 2002 والتي تدعو للمرة الأولى إلى سلام عربي وتطبيع شامل مقابل الانسحاب إلى حدود 1967.

التلويح بأوراق الضغط

من المحللين من يرى أن توتر العلاقة بين واشنطن والرياض لا يعدو أن يكون ظرفا طارئا لا يمثل تغييرا حقيقيا في أسس العلاقة ومنهم من يرى غير ذلك ويدعو إلى تأسيس معادلة جديدة للتعاون
غير أن كل هذه الإجراءات التي حاولت السعودية اتخاذها لتخفيف الغضب الأميركي وامتصاص توجهات العداء داخل بعض أجنحة الإدارة الحاكمة لم تجد نفعا، الأمر الذي دعا المملكة إلى محاولة التلويح ولو على استحياء ببعض أوراق الضغط والتي كان من بينها:

  • تسريبات إعلامية بقيام بعض المستثمرين السعوديين بسحب مبالغ مالية تقدر بما بين 100 و200 مليار دولار من الأسواق المالية الأميركية.
  • إعلان بعض المحامين السعوديين عن نيتهم رفع دعاوى في عدد من الولايات الأميركية متهمين الإدارة الأميركية بسوء المعاملة والتجاوزات التي لحقت بالكثير من السعوديين عقب أحداث سبتمبر/أيلول والمطالبة بتعويضات مالية عما لحق بهم من أذى.
  • ارتفاع دعوات مقاطعة البضائع الأميركية في الأسواق السعودية مما أدى إلى انخفاض حجم الصادرات الأميركية إلى المملكة بدرجة كبيرة حتى وصلت إلى 202 مليار دولار في النصف الأول من العام 2002 وهو أدنى معدل لها منذ 12 عاما.

سحابة صيف أم تغيير جوهري
هذه هي أبرز المحطات أو العلامات التي طرأت على ملف العلاقات الأميركية السعودية في العام المنصرم، فهل يمكننا القول أن هذه المظاهر تمثل تغييرا في أسس العلاقة أم هي ظرف أو بالتعبير الشائع سحابة صيف ستأخذ وقتها وتنقشع؟

من المحللين من يرى أن كل ما سبق لا يعدو أن يكون ظرفا طارئا لا يمثل تغييرا حقيقيا في أسس العلاقة التي قامت قبل 60 عاما، ويعلقون الآمال على تغيرات سياسية تحدث على الساحة الأميركية مع أقرب انتخابات تشريعية أو رئاسية قادمة. وبالتالي يرى هؤلاء أنه ليس من مصلحة الحكومة السعودية استعداء الولايات المتحدة كما أنه ليس في مقدورها مواجهتها لا عن طريق التلويح بضغوط نفطية ولا عن طريق التلويح بإمكانية استغلال المكانة الدينية للمملكة وقيامها باستعداء العالم الإسلامي على الولايات المتحدة لصد الحملات الأميركية عنها.

في حين يرى آخرون أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تسببت بتغيير أسس العلاقة أو على الأقل سرَّعت بتغييرها ونشطت الدعوات السياسية التي ترى ضرورة العمل على انفكاك الولايات المتحدة من أسر الاحتياج إلى النفط السعودي والبحث عن بدائل أخرى ربما يكون من بينها العراق الذي يضم في أراضيه ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية إضافة بالطبع إلى بترول بحر قزوين الذي لم يغب عن بال المخطط الإستراتيجي الأميركي منذ مدة ليست بالقصيرة.

ومن ثم يبني أصحاب هذا الاتجاه تحليلاتهم على أن الحملات التي تتعرض لها المملكة والضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية بحقها ولا سيما من قبل أجنحة متنفذة داخل البنتاغون تستهدف في المقام الأول الحصول ليس فقط على مباركة النظام السعودي للضربة القادمة التي تنوي توجيهها إلى العراق، وإنما أيضا لإشراكها في دفع جزء من فاتورة تلك الحرب سواء بطريق مباشر عبر استخدام أراضيها لتوجيه الضربة أو بطريق غير مباشر عبر تأمين الاحتياجات النفطية والعمل على الحيلولة دون حدوث ارتفاع أو اهتزازات مفاجئة في أسعار النفط.

غير أن تخوفات المملكة بالدرجة الأولى لا تقتصر على الضرر الذي يمكن أن يلحق بالعراق وبنيته التحتية التي لا تزال تعاني من نتائج حرب الخليج الثانية والحصار المفروض عليه منذ 12 عاما، وإنما تتخوف مما بعد الضربة والترتيبات التي يمكن أن تتمخض عنها الخريطة السياسية والجغرافية على الأقل في العراق كمرحلة أولى.

وأيا كان الأمر فإن الذي لا شك فيه أن زلزال سبتمبر/أيلول تسبب بخروج الكثير مما كان مستورا ومخبوءا في العلاقات السعودية الأميركية إلى العلن، ولعل أهم ما أسفرت عنه توابع هذا الزلزال المستمرة حتى الآن أنها أعادت طرح قضايا كانت تعتبر إلى عهد قريب من المسلمات في منظومة العلاقات الدولية والإقليمية لهذه المنطقة الحساسة من العالم، ومن ثم أصبحت كل الاحتمالات واردة، ولن تجيب عن الكثير من الأسئلة إلا أحداث الأيام القادمة التي بلا ريب ستكون حبلى بالكثير منها.
______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة