العضوية وفاعلية النشاطات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:40 (مكة المكرمة)، 16:40 (غرينتش)

الوضع القائم في مصر بشأن العلاقة بين الحكومة والحزب الحاكم مختلف، فبعد أن تتشكل الحكومة من وزراء معظمهم من خارج الحزب الحاكم فإنه في محاولة للتغطية على هذا الانفصام يجري ضم بعضهم إلى المكتب السياسي للحزب حتى لو كانوا ليسوا من أعضاء بالحزب أصلاً

في حديث للرئيس مبارك باعتباره رئيساً للحزب، أكد أنه يعرف تماماً ما يقال عن عدم وجود الحزب الوطني في الشارع المصري (9).


وفي أبريل 2003 أكد الأمين العام للحزب صفوت الشريف أن نسبة التغيير في انتخابات الوحدات الحزبية بلغت 45% على مستوى 6700 وحدة، وتراوحت نسبة الحضور بين 200 و 600 في كل وحدة "مما ساعد على أن يكون لكل عضو دوره الفاعل". وأكد الشريف أن "انعقاد المؤتمرات السنوية للقرية والشياخة في جميع القرى والشياخات على مستوى المدن والنجوع أنهى العزلة مع الجماهير وأكد التلاحم بشكل رئيسي، كما أنهى السؤال التقليدي: أين الحزب الوطني في الشارع؟" (10).


وهنا يلاحظ أن الانتخابات الحزبية السنوية التي أجريت في 6700 وحدة على مستوى الجمهورية في كل المحافظات شهدت ظاهرة أساسية تمثلت في أن 99% من الوحدات حسمت نتائجها بالتزكية أو بالتسوية، وهو ما فسره مسؤولو الحزب على أنه "أمر يؤكد توحد فكر الجميع والثقة الكبيرة في الكوادر التي تم الدفع بها لتتولى المسئولية"(11).


أما بالنسبة للعضوية الكلية للحزب الوطني (12) فقدرتها بعض المصادر أنها تصل إلى مليونين ونصف مليون مواطن (1992). والمعروف أن الحزب الوطني يعبر عن شرائح تنتمي إلى الطبقة العليا، والطبقة العليا الجديدة أي التي نمت خارج جهاز الدولة، كما يعبر في نظر البعض عن غالبية الطبقة المتوسطة وإن كان يحرص على إبداء الاهتمام والرعاية بالطبقة الكادحة. وتتولى المناصب العليا في الحزب أسماء كبيرة من رجال الأعمال وكبار الملاك ومن يشغلون مناصب سياسية كبيرة في الدولة (13).


وفي السنوات الأخيرة سعت نخبة الحزب لاجتذاب عناصر جديدة إليه وإفساح المجال لممثلي الشباب وممثلي المرأة للانضمام إليه، ولكن يبقى الاهتمام الرئيسي بالحرص على عضوية رجال الأعمال بالحزب. ووفقاً لما صرحت به النخبة المنتمية لقيادة الوطني فإن هناك اتجاهات لإعادة تشكيل أمانات المحافظات ومكاتب الحزب بها وإدخال عناصر جديدة بهدف تنشيط الحزب ودعم اتصاله بالجماهير (14).


ويذكر في هذا الإطار أنه تم التوصل إلى أسلوب جديد لاختيار مرشحي الحزب في الانتخابات التكميلية لبعض دوائر مجلس الشعب، حيث تم تشكيل لجان تتلقى طلبات الراغبين في الترشيح في الانتخابات على قوائم الحزب على أي مستوى (المراكز، المدن، الأقسام، القرى) وتقوم لجان الاختيار بالمفاضلة بين راغبي الترشيح لتقدم تقريرها إلى "المجمع الانتخابي" على مستوى المحافظة والذي ينعقد برئاسة أمين الحزب، وعضوية أعضاء مجلسي الشعب والشورى، وأمناء هيئات المكاتب بالمراكز والأقسام وأمناء الوحدات القاعدية والأمناء المساعدين وهيئات مكاتب المحافظات، ويشرف عليها أعضاء الأمانة العامة للحزب. ويجري الانتخاب داخل المجمع الانتخابي إلى أن يتم الاستقرار على المستويات المحددة.


لم تجر الانتخابات "القاعدية" اللهم إلا باستثناءات بسيطة، وغلب عنصر "الاختيار" على عنصر "الانتخاب" وصولاً إلى مستوى القمة (المكتب السياسي والأمانة العامة)، وتعددت الظواهر السلبية بسبب ضعف النواحي التنظيمية وغياب البيئة التنظيمية السليمة

وعلى الرغم من أن نخبة الحزب تعتبر هذا الأسلوب من قبيل التطور الديمقراطي داخل الحزب الوطني، إلا أنه من الواضح أن طريقة المجمع الانتخابي تتيح الفرصة لزيادة تحكم أعضاء مجلسي الشعب والشورى في اختيار بعض العناصر وإهمال عناصر أخرى، ولذلك فإنه كان من الأفضل أن تكون الانتخابات مباشرة من أعضاء الحزب لتسمية المرشحين وهو الأسلوب الأكثر ضمانة لتحقيق القدر المناسب من نزاهة الاختيار وديمقراطية الممارسة (15).


أيضاً في إطار الحديث عن عضوية الحزب، فإنه من المقولات التي تجد اتفاقاً بين الباحثين أن القاعدة الاجتماعية لعضوية الأحزاب المصرية بوجه عام هي من الضيق بحيث تقتصر على دوائر المثقفين وبعض المتعلمين والطلاب، ويندر العثور على فلاحين أو عمال فقراء بين صفوف الأحزاب ومنها الحزب الوطني الديمقراطي (16).


ويشير الباحث محمد شومان إلى أن أغلب الأحزاب تعاني من أزمة وجود كوادر شبابية في قيادتها، حيث تسيطر عليها قيادات طاعنة في السن، وتنتمي إلى أجيال الأربعينيات أو الخمسينيات.


وبالنسبة للحزب الوطني ومدى فعاليته، فإنه على الرغم من أن عضويته المسجلة تصل إلى 2.5 مليون مواطن إلا أن وجوده التنظيمي وأنشطته السياسية الحقيقية تبدو أقل بكثير مما يوحي به مسؤولو الحزب، فالنشاط التنظيمي للحزب لا يتناسب مع العضوية الهائلة.


ويقدم الحزب الوطني نموذجاً لعدم التناسب بين العضوية والإمكانيات والمميزات الضخمة التي يتمتع بها الحزب، وبين ضآلة نشاطه الجماهيري الذي يبدو أوضح تأثيراً أثناء الانتخابات فقط (والاعتماد الأساسي على أجهزة الدولة والإعلام الرسمي في هذه الأثناء).

وهنا يذكر أن ظروف الانتخابات قد تقترن بقرارات أو إجراءات حكومية لتجميل صورة الحزب الوطني (قرارات صورية لتعيين الخريجين ومواجهة مشكلة البطالة).


أما إذا وجهنا النظر إلى عنصر "الالتزام الحزبي" فإننا سنجد أن الحزب الوطني كغيره من الأحزاب المصرية يواجه ما يطلق عليه "ظاهرة المستقلين". وفي انتخابات 1990 وصلت نسبة المستقلين إلى 74.6% وفي انتخابات 2000 كانت نسبة المستقلين 79.5%، ومن بين إجمالي المرشحين المستقلين في الانتخابات الأخيرة وجد 1785 مرشحاً أطلق عليهم اسم "المنشقون عن الحزب الوطني" وكتب بعضهم على لافتاته الانتخابية "مستقل - وطني".


الحزب الوطني يقدم نموذجاً لعدم التناسب بين الإمكانيات والمميزات الضخمة التي يتمتع بها الحزب، وبين ضآلة نشاطه الجماهيري الذي يبدو أوضح تأثيراً أثناء الانتخابات فقط والتي يعتمد فيها بصورة أساسية على أجهزة الدولة والإعلام الرسمي

وفي تفسير هذه الظاهرة بوجه عام فإن البعض يرجعها إلى أن الانتخابات لا يتم إجراؤها على أساس حزبي أو سياسي، ولكنها ما تزال تجرى تحت تأثير المؤثرات التقليدية مثل الانتماءات العائلية والقبلية وعلاقات القرابة في القرية أو المدينة.


وبالنسبة للحزب الوطني على وجه التحديد فإنه يمكن إرجاع ضخامة حجم المستقلين عنه إلى ظاهرة فشل الحزب في بذل مجهودات حقيقية في اختيار المرشحين الذين يمثلونه في الانتخابات، وغياب الأسلوب الديمقراطي في تصعيد القيادات الحزبية.


وترى إحدى الدراسات أن ثمة حقيقة واضحة في ذاك العدد الكبير من المرشحين المستقلين، حيث رشحوا أنفسهم على هذه الصورة "تمرداً" أو "انشقاقاً" على الحزب بسبب عدم ترشيحه لهم فكان أن تحالفوا في بعض الأحيان ضد مرشح الحزب في الانتخابات.

وتطرح هذه الدراسة سؤالاً محدداً هو: هل المستقلون ينتمون حقاً للحزب الوطني؟ (17) والمعروف أنه بعد ظهور نتائج الانتخابات فإن عدداً كبيراً من المستقلين يسارع بالانضمام للحزب الوطني.

وفي انتخابات 1990 نجح 177 من المستقلين انضم منهم 130 للحزب الوطني، وفي انتخابات 1995 نجح 112 مرشحاً مستقلاً انضم معظمهم للحزب الوطني (100 مرشح)، وفي انتخابات 2000 نجح 244 من المستقلين انضم منهم 207 للحزب الوطني. وفي هذه الانتخابات كانت المرة الأولى منذ عام 1976 والتي لا يحصل فيها الحزب الوطني الحاكم على الأغلبية بواسطة المرشحين على قائمته الرسمية فقط.


وقد أثارت ظاهرة انضمام المستقلين للحزب الوطني بعد ظهور نتائج الانتخابات تساؤلات حول ما إذا كان موقف المستقل المنضم للحزب الوطني يمثل خيانة للناخب الذي اختاره "مستقلاً"؟.


ولكن في مقابل ذلك فإن البعض يرى أن انتقاد انضمام المستقلين للحزب الوطني ينطوي على رغبة في تقييد حرية "السياسي" للانضمام للحزب الذي يريد، وهذا التقييد من شأنه أن يؤدي في حقيقة الأمر إلى جعل السياسيين خاضعين "لقادة الأحزاب" وينتقص من حقهم في الاعتراض على أوضاع حزبية داخلية يرونها سلبية، أو يقيد حريتهم في رفض هذه الأوضاع والانتقال إلى حزب آخر أو تفضيل استمرار موقفهم كمستقلين (18). وبالطبع فإنه في ظل حالة "التقييد" هذه من المتوقع أن تزيد حدة "التسلطية" داخل الحزب.


بالنسبة للحزب الوطني على وجه التحديد فإنه يمكن إرجاع ضخامة حجم المستقلين عنه إلى ظاهرة فشل الحزب في بذل مجهودات حقيقية في اختيار المرشحين الذين يمثلونه في الانتخابات، وغياب الأسلوب الديمقراطي في تصعيد القيادات الحزبية

واستمراراً في تأييد هذا التوجه الذي لا يرى بأساً في انضمام المستقلين للحزب الوطني، يقال إن من يدخل حزباً بإرادته يحق له أن يخرج منه بإرادته وإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال الإطاحة بمبدأ "الالتزام الحزبي".


ومع ذلك فإنه من الناحية النظرية البحتة بالنسبة للنظم الداخلية للأحزاب، فإن حالة خروج العضو على قرارات الترشيح تدخل في عداد "انتهاك اللوائح الداخلية للحزب"، هذا الانتهاك الذي يعد في حد ذاته دليلاً على ضعف الاستمرارية التنظيمية للحزب، حيث تتراوح حالات الانتهاك بين الخروج على الخط السياسي للحزب، والخروج على قراراته.


ملاحظات عامة
وعلى كل فإنه إذا ما نحينا جانباً كل هذه التفصيلات وما تثيره من نقاش وجدل بين مؤيدين ومعارضين، فإنه يمكن طرح ملاحظات عامة هي من قبيل الإطار العام لإشكاليات العضوية والترشيح ومعايير الاختيار داخل الحزب الوطني الديمقراطي، وهذه الملاحظات تتمحور حول الجوانب التالية:


1- استمرار غياب المشاركة القاعدية والوسطية في عملية تحديد المرشحين مع عدم وجود معايير موضوعية يمكن الاستناد إليها.

وفي كثير من الانتخابات التي أجريت كانت قيادة الحزب الوطني المصري تفرض اختيار المرشحين بشكل مركزي وتتولاه القيادة بنفسها. أما أسس الاختيار فكانت تتسم بالعمومية الشديدة مثل اشتراط الطهارة والنقاء والالتزام بأهداف الحزب والقدرة على العطاء والحركة وسط الجماهير.


2- انعكاساً لطبيعة البناء التنظيمي للحزب، فإن رئيس الحزب كما في باقي الأحزاب المصرية يتمتع بدور رئيس يوفر له السيطرة على عملية صنع القرار.


3- بالنسبة لمدى الفاعلية والمشاركة، فإنه على الرغم من أن الحزب الوطني قد عقد ثماني دورات لمؤتمره العام، وهو بالفعل من أكثر الأحزاب المصرية اهتماماً بانتظام عقد المؤتمر العام، فإن مناقشات المؤتمر غالباً ما تكون حول سياسات الحكومة (19) ومشروعاتها، وهو ما يجعلها تدور حول موضوعات فنية يقوم بها المتخصصون مع استبعاد غير المتخصصين وهم في العادة من المستويات القاعدية.


وجود المسؤولين مثل رئيس الحكومة والوزراء، يحول المناسبة إلى احتفالية للاستماع إلى الخطب والبيانات، والتي تأتي عادة للإشادة بحكومة الحزب الوطني

كما أن وجود المسؤولين مثل رئيس الحكومة والوزراء، يحول المناسبة إلى احتفالية للاستماع إلى الخطب والبيانات، والتي تأتي عادة للإشادة بحكومة الحزب الوطني.

وفي الغالب الأعم فإن انتظام دورات انعقاد المؤتمر العام للحزب الوطني لم يؤد في حقيقة الأمر إلى تفاعل جاد وحقيقي بين نخبة الحزب وقاعدته، أو إجراء مناقشات حقيقة حول مشاكل الحزب وسبل تطويره.


والمعروف أنه في المؤتمر العام السابع الذي عقده الحزب الوطني من 20 - 23 يوليو 1998، كان شعار المؤتمر "التنمية والقرن القادم"، وانقسم المؤتمر إلى خمس عشرة لجنة في مختلف جوانب السياسات الداخلية والخارجية. وعبر بيانه الختامي عن "تأييد السياسات العامة التي تتبعها الحكومة، وتمت إعادة انتخاب الرئيس مبارك رئيساً للحزب" (20).


وفي المؤتمر العام الثامن الذي عقده الحزب الوطني من 15 - 17 سبتمبر 2002، كان شعار المؤتمر "الحزب الوطني – فكر جديد"، وناقش المؤتمر أوراق عمل تتعلق بالصحة والتعليم والسكان والشباب والمرأة والتوجه الاقتصادي في المرحلة القادمة، وعلاقة مصر بالعالم الخارجي(21).



في كثير من الانتخابات التي أجريت كانت قيادة الحزب الوطني المصري تفرض اختيار المرشحين بشكل مركزي وتتولاه القيادة بنفسها. أما أسس الاختيار فكانت تتسم بالعمومية الشديدة مثل اشتراط الطهارة والنقاء والالتزام بأهداف الحزب

4- من المعروف أن الحزب الوطني يسعى إلى توسيع عضويته، ويطلق البعض على ذلك تعبير "محاولة الحزب الإمساك بكل فرد (Catch All Party) ويعتمد الحزب في مزاولة هذا المسلك على "غياب المنهج الفكري المحدد". ومن هنا يقال إن الرغبة في التمثيل السياسي هي المحرك الأول والحقيقي للحزب الوطني" (22).


5- بما أن الحزب الوطني هو حزب الدولة، فإن الكثيرين ينظرون إليه باعتباره الطريق إلى ضمان الوجاهة الاجتماعية وامتلاك النفوذ ومصدراً للحصول على المكاسب المادية والأدبية. وبحيث يبدو أن الهدف الأساسي للتمثيل السياسي هو الوصول إلى النخبة الإستراتيجية للدولة والارتباط بها، دون امتلاك التكوين السياسي المناسب.

ومن هذا المنطلق فقد أدى التكالب على عضوية الحزب إلى انضمام العديد من العناصر غير المناسبة والتي لا تتوفر لها النزاهة الأخلاقية، ونجح بعضهم في استخدام الحصانة البرلمانية للتغطية على جرائم وصلت إلى حد تجارة المخدرات، هذا بالإضافة إلى العديد من الممارسات المنحرفة التي ارتكبها البعض (23).


هذا ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن الحزب الوطني كغيره من الأحزاب المصرية، يضع شروطاً معينة في طالب عضويته، ومن هذه الشروط أن يكون مصرياً، وبالغاً من العمر 18 سنة، وأن يكون متمتعاً بحقوقه السياسية، ومؤمناً بمبادئ وبرنامج الحزب. كما يشترط الحزب الوطني أن يكون طالب العضوية متمسكاً بالقيم الدينية، ومواطناً صالحاً. وبالطبع فإن شروط "المواطن الصالح" ليست مما يمكن إدراكه في كل الأحوال.

للتعليق والتعقيب اضغط هنا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة