إصلاح الخلل السكاني   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:05 (مكة المكرمة)، 17:05 (غرينتش)

تعاني دول المنطقة الست الأعضاء في مجلس التعاون من خلل هيكلي مزمن في تركيبة السكان عامة وقوة العمل على وجه الخصوص. ويتناول هذا التحليل أبعاد هذا الإشكال ومختلف حيثياته.

* بقلم: د. علي خليفة الكواري

أولا: توصيف الخلل
ثانياً: أبعاد الخلل السكاني وتداعياته
ثالثاً: الأهمية الإستراتيجية لتصحيح الخلل السكاني
رابعاً: متطلبات إصلاح الخلل

أولا: توصيف الخلل

تعدت نسبة الوافدين بإجمالي سكان المنطقة عام 2001 الثلث، وبلغت نسبتهم بإجمالي قوة العمل حوالي الثلثين. وأدى ذلك إلى خلل في التركيب الديمغرافي للسكان وإلى ضعف الانتماء والولاء للبلد لدى قوة العمل عامة. كما جعل ذلك الخلل من معظم مجتمعات المنطقة معسكرات عمل أكثر مما هي مجتمعات يرتبط مصير السكان فيها.

وهذا الخلل المستمر والمتفاقم موثق ومرصود وأشبع بحثاً ودراسة ومناقشة وتكدست التوصيات والحلول المقترحة لمعالجته على المستويين الأهلي والرسمي منذ ربع قرن بشكل خاص. وتؤكد حقيقة استمرار هذا الخلل وتفاقمه أنه عصي على الحل، ولم يكن قابلا للمقاربة الموضوعية الوطنية التي تأخذ المصالح المشروعة للمواطنين ولجميع الأطراف ذات العلاقة به في الحسبان.


لم تعم ظاهرة الخلل السكاني وتتضح في دول المنطقة إلا منذ حوالي ثلث قرن أي بعد الفورة النفطية الأولى مطلع سبعينيات القرن الماضي

ولذلك فإصلاح هذا الخلل هو اليوم في حاجة إلى وقفة جادة وإعادة تفكير والقيام بتقييم السياسات الملتبسة والآليات والإجراءات التي فشلت في علاجه، هذا بالرغم من ظاهرها المتشدد وحتى غير الإنساني في كثير من الأحيان . لقد أصبحت ظاهرة الخلل السكاني إشكالية مركبة، تتطلب فهما عميقا لتعقيداتها وتعاملا ذكيا مع شبكة المصالح المرتبطة بها. كما أن علاجها تدريجياً ومقاربة إشكالياتها، يتطلب نمو إرادة مجتمعية لم تكن موجودة في السابق ولا هي على قائمة أولويات حكومات المنطقة ولا حتى في صلب اهتمامات أهلها.

وجدير بالذكر أن ظاهرة الهجرة بين أطراف إقليم شرق الجزيرة العربية، وبينه وبين الأقاليم الجغرافية الأخرى المجاورة، هي ظاهرة تاريخية قديمة. ولكن تلك الهجرة التاريخية كانت في معظمها من داخل الجزيرة العربية ومن العراق وعرب فارس ومن عمان الداخل، وكانت بأعداد ونسب وأدوار يمكن استيعابها من قبل المجتمعات المستقرة، وذات ثقافة شبيهة تساعد على اندماج القادمين في مجتمعات المقيمين. وقد كان المهاجرون في الماضي إضافة مرغوبة إلى قوة العمل المواطنة، ذات الدور الرئيسي في النشاطات الإنتاجية والاجتماعية الأخرى، كما كانوا معضدين لها ومتكاملين مع أدوارها ومندمجين فيها، وليسوا بديلاً يحل مكانها ويهمش دور المواطنين في الإنتاج والإدارة والثقافة كما هو الحال الآن.

ومنذ تدفق النفط في كل دولة من دول المنطقة، أخذت الهجرة إليها تتصاعد ومصادرها تتعدد، وتبتعد جغرافيا عن المنطقة. كما تتباعد ثقافة معظم جماعات المهاجرين الجدد عن ثقافة المنطقة وقواسمها المشتركة. ولكن وبالرغم من ذلك، فان ظاهرة الخلل السكاني لم تعم وتتضح في دول المنطقة إلا منذ حوالي ثلث قرن بعد الفورة النفطية الأولى مطلع سبعينيات القرن الماضي. ففي عام 1975 بلغ إجمالي سكان الدول الست 10 ملايين نسمة، نسبة الوافدين بينهم 26%. وبلغ حجم العمالة 2.9 مليون نسبة الوافدين فيها 45%. وفي عام 1981 أثناء قيام الطفرة النفطية الثانية، ارتفع حجم السكان في الدول الست إلى 12 مليون نسمة وتصاعد حجم قوة العمل إلى 4 ملايين، وفاقت نسبة الوافدين منهم النصف حيث بلغت 54.5%.

ومنذ ذلك التاريخ تفاقم الخلل السكاني وكأنه قدر كتب على المنطقة "ومن كتبت عليه خطى مشاها". هذا بالرغم من تراجع اقتصاديات المنطقة نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط وتراجع إنتاجه وعائداته، وما قيل حول سياسة توطين العمالة والحد من تدفقها إضافة إلى التحديات والفرص التي رافقتهما كان من الممكن الاستفادة منها.

وفي عام 2001 نجد إحصاءات مجلس التعاون المتحفظة تؤكد أن حجم السكان في الدول الأعضاء الست قد ارتفع إلى 32 مليون نسمة بعد أن كان 10 ملايين عام 1975، وارتفعت نسبه الوافدين بينهم إلى 34.9% مقارنة بـ 26% عام 1975. وكذلك تؤكد أن حجم قوة العمل عام 2001 قد بلغ 10.7 ملايين بعد أن كانت 2.9 عام 1975، وتصاعدت نسبة الوافدين بينهم إلى حوالي الثلثين 64.8% مقارنه بنسبة 45% عام 1975.

وإذا كان الخلل السكاني عاما وشاملا في المنطقة ويتفاقم في جميع الدول أعضاء المجلس، فإن أحوال بعض البلدان والمجتمعات أكثر انكشافا وخطورة من بعضها الآخر، كما يوضح ذلك الجدول التالي:

السنة

1975

2001

السكان

قوة العمل

السكان

قوة العمل

الدولة

إجمالي

وافدون

إجمالي

وافدون

إجمالي

وافدون

إجمالي

وافدون

الإمارات

551

61%

292

85%

3488

78%

2079

91.3%

البحرين

267

22%

79

50%

651

37.7%

308

58.8%

السعودية

7334

19%

1968

34%

22690

26.2%

6090

50.2%

عمان

846

16%

192

54%

2478

26.3%

705

79%

قطر

180

71%

74

83%

597

70%

323

85.9%

الكويت

1027

54%

298

71%

2243

61.9%

1214

80.3%

إجمالي

10205

26%

2903

45%

32146

34.9%

10718

64.8%

جدول (1) إحصاءات السكان وقوة العمل عامي 1975 و 2001 ( بالألف)

فالإمارات كما يتضح من الجدول في عام 2001 لم يعد يمثل مواطنيها سوى 22% من إجمالي السكان و8.7% فقط من قوة العمل. وقطر ليست أفضل حالاً حيث لا يتجاوز نسبة المواطنين 30% وفي قوة العمل 14.1% فقط. والكويت التي أتيحت لها في مطلع التسعينيات فرصة إعادة ترتيب سياستها السكانية، عادت بسرعة إلى وضع أكثر اختلالاً مما كانت عليه قبل عام الغزو، فتدنت نسبة المواطنين إلى 38.1% وفي قوة العمل انخفضت نسبتهم إلى 19.7%. ولا تستثني الدول ذات الكثافة السكانية ومعدلات البطالة المرتفعة بين المواطنين من تصاعد معدلات الخلل في تركيب السكان وفي تركيب قوة العمل كما يتضح من الجدول أعلاه. وجدير بالذكر أن إحصاءات عام 2001 متحفظة جداً ومن مصادر رسمية تسعى إلى مداراة الخلل بعد أن فشلت في علاجه، كما شهدت قطر والإمارات والبحرين خلال هذه الفترة حركة تجنيس واسعة ربما وصلت إلى 50% من المواطنين الأصليين في بعضها.

ثانياً: أبعاد الخلل السكاني وتداعياته

يؤدي استمرار الخلل السكاني الراهن في دول المنطقة عامة، وفي الإمارات وقطر بشكل خاص، إلى مخاطر على الأمن الوطني والإقليمي والقومي للمجتمعات الأصلية ويهدد وجودها بالضياع، بعد أن أصبح المواطنون مجرد أقلية من الأقليات بين السكان، وليس بالضرورة أكبرها في عدد من دول المنطقة. لقد تصاعدت نسبة الوافدين –وأغلبيتهم العظمى من غير الناطقين باللغة العربية- حتى فاقت ثلث إجمالي سكان دول المنطقة الست، وبلغت أعلاها في الإمارات (78%) وقطر (70%) والكويت (62%) .

كما أدى الاعتماد شبه المطلق على قوة العمل الوافدة إلى تراجع الدور الإنتاجي للمواطنين وهمش وجودهم. لقد فاقت نسبة قوة العمل الوافدة أو ناهزت الثلاثة أرباع في الإمارات وقطر والكويت وعمان، وزادت على النصف في البحرين والمملكة العربية السعودية، وبذلك أزاح الوافدون قوة العمل المواطنة من سوق العمل عامة، ومن القطاع الخاص والمشترك حيث ترتبط فيهما بالضرورة المكافأة بالجهد والإنتاجية، باستثناء القطاعات التي أعطيت فيها لقوة العمل المواطنة أفضلية إدارية وقانونية عالية وكانت اقتصادياتها قادرة على تحمل ذلك، مثل قطاع النفط والصناعات القائمة على النفط والغاز.

وتكدس المواطنون حيث سمحت الميزانيات في الإدارة العامة، أغلبهم في بطالة مقنعة. ورمي ببقية قوة العمل المواطنة المتزايدة في أتون البطالة المتصاعدة التي أصبحت اليوم ظاهرة خطيرة بدول المنطقة لا سيما في الدول الكبيرة وذات الكثافة السكانية العالية. هذا إضافة إلى تفاقم ما كانت تعانيه المنطقة دائما من بطالة اجتماعية بين النساء بسبب ضيق مجالات العمل المتاحة لهن، إلى جانب بطالة مرفهة واجتماعية نتيجة لتدني المستوى الوظيفي المتاح أو الأجور المعروضة، عما يعتقد العاطل أنه المستوى الملائم لمكانته الاجتماعية ومستوى عائلته الاقتصادي، فيفضل الانسحاب من سوق العمل بدلا من منافسة الوافدين على وظائف غير مجزية الأجر.

وإضافة إلى هذين البعدين الرئيسين وتداعياتهما، هناك أبعاد عديدة أخرى مهنية وقانونية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإنسانية، وتداعيات سلبية للخلل السكاني في بلدان المصدر وفي البلدان المستقبلة للعمالة الوافدة أيضاً. وقد تم تناول تلك الأبعاد وتداعياتها في العديد من الدراسات والبحوث وتم التنبيه إلى سلبياتها والإشارة إلى مخاطرها على هوية شعوب المنطقة وقواسمها المشتركة على سبيل المثال.

كما ألمحت بعض تلك الدراسات إلى التكلفة الاجتماعية للهجرة على المجتمعات المرسلة، وأكدت بشكل خاص على خطورة نقلها لنمط حياة استهلاكية تفاخرية، إضافة إلى خلخلتها الاجتماعية للمجتمعات المحلية التي هاجرت منها تاركة خلفها الأزواج والزوجات والأطفال، بعد أن رهن الكثير من المهاجرين الهامشيين كل ما يملكه وحتى دخله المستقبلي، إلى سماسرة الهجرة ومستغلي حاجة المهاجر في الطرفين.

ولعل الحالة التي وصلت إليها مجتمعات المنطقة تنذر اليوم بتداعيات إضافية خطيرة على وجود هذه المجتمعات وهويتها الجامعة في وقت تتعرض فيه هذه الدول إلى متغيرات دولية وإقليمية جديدة لم تعهدها من قبل.

ثالثا: الأهمية الإستراتيجية لتصحيح الخلل السكاني


أصبحت بلدان منطقة الخليج أقرب إلى معسكرات العمل منها إلى المجتمع بالمفهوم العلمي

هناك حاجة ماسة وأهمية إستراتيجية عاجلة لتصحيح الخلل السكاني بدول المنطقة في سياق الإصلاح الجذري من الداخل. فتصحيح الخلل السكاني الذي أخذ يتفاقم عبر ثلث قرن من الزمن وكأنه قدر المنطقة وخطى كتبت عليها، لا بد أن يشكل حجر الزاوية في أجندة كل إصلاح جاد، وذلك من أجل إيقاف مسار ضياع مجتمعات المنطقة الأصلية، بعد أن أدى إلى خلخلتها وشل قدرة المواطنين فيها وأضعف قدرتهم الجماعية على تقرير مصيرهم والدفاع عن مصالحهم المشروعة وتأمين مستقبلهم.

لقد تفككت مجتمعات المنطقة الأصلية نتيجة تراجع دور المواطنين السياسي والإنتاجي، بسبب تدفق الهجرة والاعتماد على قوة العمل الوافدة التي زادت نسبتها على نصف إجمالي قوة العمل في كل دولة من دول المنطقة، وأصبحت تلك البلدان بالتالي أقرب إلى معسكرات العمل منها إلى المجتمع بالمفهوم العلمي للمجتمع.

فمن ناحية ليس المواطنون في كل دولة وحدهم كل المجتمع، نتيجة لعدم قدرة الجماعة المواطنة على توفير الحد الأدنى من الاعتماد المتبادل على نفسها، بسبب تهمش الوافدين لأدوار المواطنين وإعاقة تفاعلهم الإيجابي على مستوى الدور الإنتاجي والسياسي والثقافي، الأمر الذي أدى إلى فقدان النسق الاجتماعي وشل قدرة الضبط الاجتماعي في تلك التجمعات السكانية التي يشكل المواطنون في معظمها مجرد أقلية من الأقليات ليست بالضرورة أكبرها.

ومن ناحية ثانية لا يشكل كل السكان مجتمعا، حيث لا تتمتع تلك التجمعات السكانية بخصائص المجتمع الذي يرتكز في العادة على أسر طبيعية ويتكاثر أساسا من التوالد ويتزاوج أفراده بشكل رئيسي من بعضهم بعضا، وتتقارب فيه نسبة الإناث والذكور ويسود فيه هرم طبيعي للسكان من حيث السن والجنس، وتتوفر فيه آليات الاندماج في حياة اجتماعية مشتركة ونظم تربية وتعليم وتنشئة اجتماعية، ويتقارب الأفراد والجماعات من بعضهم بعض ويوثقون الروابط بينهم.

كما تفتقر تلك التجمعات السكانية إلى الثقافة الجامعة والقواسم الوطنية المشتركة بسبب اختلاف مصادر ثقافة كل قوم وجنسيتهم واختلاف مصالحهم، وتباين تقاليد وأعراف وقيم كل منها بشكل عام وعلى الأخص بالنسبة لغير الناطقين باللغة العربية.

وإلى جانب ذلك تفتقر تلك التجمعات البشرية إلى خاصية ارتباط مصير أفراد وجماعات السكان والتي يعتبر وجودها حجر الزاوية في كل تجمع سكاني حتى يرتقي إلى صفة المجتمع، فكل جالية مرتبط مصيرها بمصير المجتمع الذي قدمت منه وما تزال تنتمي إليه أكثر من ارتباطها بمصير التجمع السكاني الذي قدمت إليه.

رابعاً: متطلبات إصلاح الخلل


لا بد أن تتولى الدول تحديد عدد المهاجرين ونوعيتهم المهنية ومتطلباتهم الثقافية ولا تترك الحبل على الغارب لأصحاب العمل وفقاً لاعتبارات الربح التجاري أو إرضاء رغباتهم في الاستهلاك التفاخري وحشد الخدم والحشم

يتطلب إصلاح الخلل السكاني في كل دولة من دول المنطقة وضع وتطبيق سياسة سكانية وتبني إستراتيجيات وبرامج وخطط وإجراءات كافية وصارمة، ذات أهداف كمية ونوعية قابلة للمتابعة والقياس والتقييم الموضوعي، وذلك من أجل أن يصبح المواطنون الأغلبية الآمنة والفاعلة ذات الدور الرئيسي في المجتمع في المدى المتوسط ( 5 -10 سنوات)، وأن يصبح المواطنون أغلبية متزايدة تعتمد عليها قوة العمل.

وربما تكون النسبة الآمنة للوافدين في إجمالي السكان لا تتعدى 10% في المدى البعيد (10 -20 سنة) ونسبتهم في إجمالي قوة العمل لا تتعدى 20%. وجديرٌ بالذكر أن هذه النسب المقترحة تعتبر من أعلى النسب في العالم حتى في الدول التي تأسست على الهجرة.

فكل الدول الحريصة على المصالح المشروعة لمواطنيها تدرك أن لكل هجرة أثرا على البطالة فيها وتأثيرا على الاندماج الوطني، حيث أنه لا بد من أن تستقر نسبة من المهاجرين. لذلك فإن هذه الدول تحد من نسبة المهاجرين في السكان وقوة العمل، وتحدد ذلك في ضوء قدرتها على الاستيعاب والاندماج.

وكذلك تتولى الدول بنفسها تحديد عدد المهاجرين ونوعيتهم المهنية ومتطلباتهم الثقافية، ولا يترك الحبل على الغارب لأصحاب العمل وفقاً لاعتبارات الربح التجاري أو إرضاء رغباتهم في الاستهلاك التفاخري وحشد الخدم والحشم.

وإذا كان من الواجب في الختام أن يشار إلى سياسات وإستراتيجيات وطنية لمواجهة الخلل السكاني، فإنه يمكن العودة إلى ما تم اقتراحه منها على مدى ثلث قرن من الزمان، نعيد النظر فيه ونعدله ونضيف إليه بهدف الوصول إلى مقاربة قابلة للتطبيق وفقاً للمصالح الوطنية المشروعة، آخذين في الاعتبار واقع الهجرة في كل دولة وفي المنطقة بشكل عام ومدركين للمتغيرات الدولية والإقليمية ذات التأثير على متخذ القرار.

وجدير بالذكر أيضا أن ما ينقص المنطقة بل الدول العربية جمعاء بالدرجة الأولى ليس قلة الدراسات والتحليل والمقترحات فالأدراج بها مليئة، وإنما تعوزنا إرادة التنفيذ.

لذلك وفي المقام الأول تأتى قضية تنمية حد أدنى من الإرادة المجتمعية وتوفير القدرة التنفيذية على رأس المتطلبات، فلابد أن يحزم المواطنون أمرهم أفرادا وجماعات وأن يؤكدوا إرادتهم لمواجهة الخلل السكاني المزمن في المنطقة، وذلك بالضغط على حكوماتهم تعبيرا عن إدراكهم لشرور استمرار الخلل السكاني على حاضرهم ومستقبلهم.

فبدون حركة شعبية سلمية ضاغطة لن يكون إصلاح الخلل السكاني من بين أولويات الحكومات، وغياب هذا الضغط في الماضي أدى مع الأسف إلى أن تكون الدعوات إلى إصلاح الخلل السكاني مجرد رغبات وليس طلبا فعالا تسنده حركة شعبية مستمرة ما استمر الخلل. وإلى جانب العمل على بلورة إرادة سياسية والضغط على متخذ القرار مباشرة، فإنه لا بد من التعاون أيضا مع الأجهزة التنفيذية المسؤولة عن السياسة السكانية وعن الهجرة واستقدام العمالة وتوطين الوظائف ومتابعة أدائها ومساعدتها بالرأي والنصيحة والوقوف معها ضد ضغوط المنتفعين من استقدام العمالة ومن تصديرها أيضا.

وفي المقام الثاني لا بد من وضع خطة مرحلية انتقالية (5 -10) سنوات هدفها تخفيض العدد المطلق للوافدين في السكان أو على الأقل عدم زيادته، وكذلك الحد من حجم العمالة الوافدة الحالي بنسبة معقولة سنويا من خلال سياسة عدم استبدال كامل العمالة الهامشية والكمية المبالغ في أعدادها في قطاع الخدمات الشخصية وتجارة التجزئة وفي القطاعات ذات العمالة الكثيفة. ويمكن توظيف عدد من الإستراتيجيات والسياسات:

  1. إستراتيجية تعبئة كامل قوة العمل المواطنة المتاحة وتوجيهها إلى وظائف إنتاجية بعيدا عن البطالة المقنعة.
  2. إستراتيجية تقليل احتياجات البلد من القوى العاملة عامة بإعطاء الأولوية للوظائف المنتجة في القطاعات ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، وتحميل صاحب العمل تدريجياً التكلفة غير المباشرة للعمالة الوافدة إضافة إلى إلزامه بالتأمين الصحي وحد أدنى للأجر، وكذلك حصر واجب الاستقدام في الدولة وإلغاء الكفيل بعد أن تضع الدولة سياسة واضحة المعالم وتلتزم بتطبيقها.
  3. إستراتيجية إحلال المواطنين مكان الوافدين وإحلال المرأة مكان الرجل وإحلال العمالة النوعية المهنية والفنية المتعلمة مكان العمالة الكمية والأمية، وإحلال ذوي القدرة الثقافية على الاندماج محل غيرهم.
  4. تبني سياسة التعويض المرحلي للمتضررين من الوافدين وأصحاب العمل من جراء الإستراتيجيات الثلاث المذكورة أعلاه لشراء الرضا والحصول على تعاون الأطراف ذات العلاقة.

وعندما يتأكد وجود إرادة مجتمعية لإصلاح الخلل السكاني ويتم التعبير عن وجودها بوضع وتنفيذ خطة مرحلية انتقالية، يتم وضع خطة طويلة المدى ترتكز على إستراتيجيتين رئيسيتين:

  • أولهما: السيطرة على آلية تدفق قوة العمل الوافدة .
  • ثانيهما: إستراتيجية إعادة الاعتبار لدور المواطنين باعتبارهم التيار الرئيسي في المجتمع وعماد قوة العمل.

وهاتان الإستراتيجيتان المطلوبتان لمعالجة الخلل السكاني في المدى البعيد (10-20 سنة) إلى جانب إستراتيجيات وسياسات المرحلة الانتقالية يجب أن يراعيا العوامل السبعة التالية:

  1. الحد من الإنفاق الاستهلاكي والسيطرة على حجم الإنفاق العام والخاص وتركيبهما في القطاع العام والخاص عن طريق أدوات السياسة المالية والاقتصادية والتجارية.
  2. أحكام قيود الهجرة وقيود الاستقدام وإناطة ذلك بالدولة المسؤولة عن سوق عمل واحدة في البلد الواحد، تغذيها بالعمالة المواطنة المناسبة من خلال التعليم والتعبئة والتدريب وتستكملها بالاحتياجات المهنية الناقصة وفق سياسة هجرة واضحة المعالم ومحسوبة التأثير والنتائج.
  3. سياسة سكانية بعيدة المدى تأخذ حتمية تجنيس عدد من الوافدين، فليست هناك هجرة لم تترك أثرا بشريا وثقافيا. ويمكن أن يكون ذلك الأثر إيجابيا إذا كانت سياسة التوطين في حدود الاستيعاب والقدرة على الإدماج والاندماج الحقيقي في المدى البعيد.
  4. تنمية الحوافز والروادع الذاتية لدى صاحب العمل والمواطنين أفرادا وجماعات ومؤسسات ولدى الوافدين أيضا، من أجل الانسجام مع متطلبات تحقيق الأهداف الكمية والنوعية للسياسة السكانية.
  5. توظيف التقنية والاتجاه إلي النشاطات الإنتاجية والخدمية ذات الكثافة الرأسمالية والاعتماد على التعليم والتدريب والتطوير أثناء العمل لإعداد كامل قوة العمل المواطنة والوافدة أيضا للوظائف ذات المحتوى التقني العالي.
  6. رفع مستوى المهارة والمسؤولية لدى متخذي القرارات التنفيذية والاهتمام بتوجهاتهم الوطنية.
  7. إيجاد مجلس أعلى على المستوى الوطني وربما الإقليمي، وأداة مركزية لتنسيق السياسة السكانية ومتابعة أدائها، وتقييمه بشكل منتظم ومستمر وتوفير جميع الأدوات وتوظيف الآليات القادرة على تحقيق الأهداف الكمية للسياسة السكانية.

______________
* باحث قطري متخصص في قضايا الديمقراطية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة