التأثير الداخلي والخارجي على ليبيا   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

بقلم/ خالد حنفي علي

مثل الاعتراف الليبي لمجلس الأمن بالمسؤولية عن حادث لوكربي لحظة فارقة في عمر الدولة الليبية، إذ لخصت عدة سنوات من سياساتها الهادفة إلى تحويل صورتها من الدولة الثورية المتهمة بدعم "الإرهاب" إلى نمط الدولة التي تتعايش مع النظام الدولي وتتواصل مع الفاعلين فيه وفق أطر يقبلها الطرفان.

غير أن الأمر الذي يبعث علي التفكير في "صك التوبة الليبي" هو كيف استطاعت دولة "عالم ثالثية" لها ميراث ضخم من العداء مع الفاعلين الرئيسيين في النظام الدولي في "التراجع المنظم" عن سياسات الأمس، والعودة للساحة الدولية دونما خسائر فادحة، بل إنها ستكافأ على موقفها برفع العقوبات الدولية عنها.

الإجابة عن هذا التساؤل المحوري في الحالة الليبية يستدعي فهما ومناقشة للتحولات التي أحدثتها أزمة لوكربي على الداخل والخارج الليبي، وكيف تم إدارتها؟ وما أهم القضايا المطروحة في المستقبل؟

القذافي والنفط.. مدخلان الفهم
تحولات ما بعد العقوبات
قضايا المستقبل الليبي

القذافي والنفط.. مدخلان الفهم


ترك الخط الثوري الليبي عزلة في المحيطين الإقليمي والدولي وتفاقمت العزلة بسقوط الاتحاد السوفياتي واتهام ليبيا بتفجير طائرة بان أميركان فوق بلدة لوكربي ثم فرض عقوبات دولية عليها

لا يمكن لمراقب فهم الحالة الليبية دونما المرور من بوابتين الأولى معمر القذافي والثانية النفط. فالقذافي ليس مجرد زعيم دولة نامية يتهمه الغرب بالديكتاتورية، بل إنه استطاع تأسيس عمل أيديولوجي وثوري للدولة الليبية منذ ثورة الفاتح من سبتمبر/ أيلول 1969 خرج منه مجمل ما رأيناه من أهداف وسياسات وأدوات أثناء فترة العداء مع الغرب اقتصاديا وسياسيا، كما أن القذافي نفسه هو الذي يؤسس للحظة التحول الراهنة.

أما النفط الذي يصل الإنتاج الليبي اليومي منه إلى 1.3 ملايين برميل، فقد كانت عوائده التي تجاوزت الـ20 مليار دولار في بعض السنوات وقود فترة "الاندفاع الثوري" ضد الغرب، كما كان الخلفية التي أمنت لحظة التحول، والقاعدة التي سيستند إليها المستقبل في العلاقة مع الغرب، ولذلك ظلت إدارة النفط خارج الأطر الثورية منذ تأميمه في بدايات الثورة، ويقوده تكنوقراط ليبيون تعلموا في أوروبا وأميركا.

فالقذافي اختط لنفسه ما يسمي "النظرية العالمية الثالثة"، ودشن نظاما جماهيريا اهتدى له بعد تطبيقات اشتراكية في سنوات الثورة الأولى، وفي هذا النظام الجماهيري تشرع بالمؤتمرات الشعبية" وتنفذ باللجان الشعبية، وتراقب من خلال اللجان الثورية. ولا حديث عن أحزاب أو انتخابات فهي لا تعني سوي سيطرة القلة وفقا للقذافي الذي هو زعيم الثورة لأنه لا يوجد رئيس في لبييا، كما أن المواطنين "شركاء لا أجراء" في اقتصاد تخطيطي يعتمد على القطاع العام وتقوده الدولة.

أما إقليميا فقد صاغ القذافي علاقاته بجيرانه العرب من خلال قضية "الوحدة العربية" طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات حيث أقدم على تجارب وحدوية مع جيران المشرق والمغرب لم يكتب لها النجاح، لأن منطقه كان يرى بدء الوحدة باندماج سياسي قبل إقامة أرضية تعاون اقتصادي مشترك.

بل إن العوائد النفطية شجعت القذافي على لعب دور ثوري عالمي حيث أصبحت ليبيا الداعم الأكبر ماليا وعسكريا لكل الحركات الثورية المعارضة للإمبريالية بدءا من أفريقيا ومرورا بفلسطين وانتهاء بسود أميركا والجيش الجمهوري الأيرلندي ومتمردي نيكارغوا.

وبالمنطق الثوري نفسه تدخلت ليبيا عسكريا في أوغندا و تشاد، كما أنها تصدت للتغلغل الإسرائيلي في العالم وخاصة أفريقيا، وأعلنت رغبتها في إزالة تلك الدولة.

أما العلاقات بالقوى الكبرى فلم تكن أقل ثورية مما سبق، فقد اعتبرت ليبيا الولايات المتحدة رمزا للإمبريالية يجب مكافحته، في المقابل وصفت واشنطن القذافي بأنه مصدر لزعزعة الأمن والإرهاب وحاولت اغتياله عام 1986 حينما قصفت مقره في طرابلس لكنه نجا.

في الوقت نفسه اعترى برود أيديولوجي علاقات ليبيا مع الاتحاد السوفياتي بسبب البعد الإسلامي في شعارات القذافي وتركزت العلاقة على التعاون العسكري ولاسيما مع رغبة السوفيات آنذاك في استخدام ليبيا ضد الولايات المتحدة في شمال أفريقيا.

وثمة ظروف عدة ساعدت ليبيا على هذه السياسات الثورية أبرزها: هامش المناورة التي أتاحته ظروف الحرب الباردة والعائدات النفطية، فيكفي الإشارة إلى أن ليبيا كانت تدفع سنويا لحركات التحرر والأنظمة الثورية قرابة 100 مليون دولار وفقا لتقديرات الخارجية الأميركية في السبعينيات.

كما أن هناك رغبة شخصية للقذافي في لعب دور على غرار الزعيم المصري عبد الناصر الذي عايشه في بدايات ثورة الفاتح. يضاف إلى ذلك الرغبة الوطنية الليبية للعب فك معادلة التناقض بين الضعف السكاني مع الوفرة المالية والاتساع الجغرافي وموقعه الفريد.

لكن هذه السياسات جلبت مشاكل كثيرة لليبيا، منها:

  • مواجهة مسلحة مع مصر عام 1977.
  • وهزيمة عسكرية في تشاد.
  • علاقات متوترة مع بلدان عربية وأفريقية.
  • اتهامات دولية بدعم الإرهاب، انتهاك حقوق الإنسان.

وهكذا فالخط الثوري الليبي خلف صورة سلبية وعزلة في المحيطين الإقليمي والدولي، وتفاقمت العزلة بسقوط الاتحاد السوفياتي، ثم اتهام ليبيا بالضلوع في تفجير الطائرة بان أميركان فوق بلدة لوكيربي بأسكتلندا عام 1988، أعقب ذلك فرض عقوبات دولية عام 1992 استثني منها النفط بسبب الضغوط الأوروبية.

تحولات ما بعد العقوبات


قررت ليبيا بشكل "غير معلن" التحول عن تلك السياسات الثورية باختيار دور جديد بأدوات تناسب طبيعة النظام الدولي الجديد وتحسين صورة ليبيا أمام العالم

لم تدفع هذه الظروف التي مثلت أزمة لوكربي ذروتها ليبيا إلى التقوقع، بل إنها قررت بشكل "غير معلن" التحول عن تلك السياسات الثورية باختيار دور جديد بأدوات تناسب طبيعة النظام الدولي الجديد وتحسين صورة ليبيا أمام العالم، بما يضمن تجديد شرعية النظام الثوري التي بدأت تعاني هي الأخرى منه والخروج من حالة العزلة.

وساعد على هذا التحول إدراك القيادة الليبية أن لوكربي وما تلاها من عقوبات وسيطرة الولايات المتحدة بشكل منفرد على النظام الدولي وكذلك العزلة الإقليمية، كل هذه ظروف مناسبة للغرب لإسقاط النظام الليبي. لكن هذا التحول لم يكن فجائيا -كما قد يبدو- استنادا لثورية القذافي، بل إنه اتخذ خطا تدريجيا متصاعدا على أصعدة متوازية كما يلي:

تحولات الصعيد الإقليمي:
لم تعد تركز ليبيا على المشاريع الوحدوية في علاقاتها مع جيرانها العرب بل ركزت على توطيد العلاقات الثنائية، خاصة مع مصر وتونس اللتين مثلتا رئتين تتنفس منهما ليبيا اقتصاديا أثناء الحصار الدولي. كما استعادت علاقتها مع بقية دول المغرب العربي خاصة بعدما أوقفت دعمها لجبهة البوليساريو. ونفس الأمر حدث مع السودان حيث توقفت ليبيا عن دعم قوات قرنق في جنوب السودان والتحول في مرحلة لاحقة لطرح مبادرة مصرية ليبية لحل الأزمة السودانية.

كما أنهت ليبيا الأزمة حول قطاع أوزو مع تشاد بتحويل القضية للتحكيم الدولي الذي حكم لصالح تشاد عام 1994، ترافق ذلك مع وقف دعم حركات التمرد في الدول الأفريقية.

ومثلت هذه التحركات أرضية لصياغة الدور الجديد لليبيا التي اختارت التركيز على الدائرة الأفريقية لاعتبارات العمق الجغرافي وخبرة الليبيين بهذه الدائرة، وكذلك التميز الاقتصادي الليبي في مواجهة هذه البلدان بما يسهل عملية الشراكة.

ورغم أن القذافي استخدم الأداة الوحدوية مرة أخرى لكنها جاءت بمنطق التكتلات الإقليمية القائمة على التعاون بين أعضاء التجمع بما يحقق مصالحهم جميعا وليس بالاندماج السياسي، كما كان يحدث في التجارب العربية ومن هنا ليس غريبا أن يصبغ الطابع الاقتصادي أهداف تجمع الساحل والصحراء التي أنشأته ليبيا في فبراير/ شباط 1998 وتصل عضويته الحالية إلى 18 دولة من وسط وغرب وشرق وشمال أفريقيا.

ودفع ليبيا على الدائرة الليبية بقوة قرار القمة الأفريقية في واغادوغو سبتمبر/ أيلول 1998 بخرق الحصار، فبعدها أعلن القذافي "تبرؤه من العرب الذين لم يخرقوا الحصار" كما طرح عام 1999 أثناء قمة سرت مشروعا لتحويل منظمة الوحدة الأفريقية إلى اتحاد أفريقي قادر على مواجهة تحديات النظام الدولي الجديد.
ورغم قصر المدة التي روجت فيه ليبيا لهذا المشروع فإنها نجحت في إقناع الدول الأفريقية بجدواها من خلالها إغراءات اقتصادية وزيارات القذافي للعديد من الدول حتى تم إعلان قيام الاتحاد الأفريقي في قمة سرت الثانية عام 2001. وأعطى هذا الانتصار الدبلوماسي صورة ذهنية إيجابية عن طبيعة الدور الليبي الجديد، ولعل ذلك جعل التدخل العسكري الليبي في أفريقيا الوسطى لمواجهة الانقلابيين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 مقبولا من الغرب وخاصة فرنسا.

على الصعيد الدولي:
تزامن مع التحرك الإقليمي الفعال صياغة ليبيا لعلاقات جديدة مع القوى الكبرى، إذ شرعت في تحسين علاقاتها مع الدول الأوروبية واستطاعت إعادة العلاقات الدبلوماسية في يوليو/ تموز 1999 مع بريطانيا بعد إقرار طرابلس بالمسؤولية عن قتل الشرطية البريطانية إيفون فليتشر ودفع مبلغ ربع مليون جنيه إسترليني لعائلتها. كما أعادت ليبيا علاقاتها مع فرنسا إثر تعويض ضحايا طائرة UTA التي أدانت محكمة فرنسية ستة ليبيين بتفجيرها فوق النيجر عام 1989، وثبتت أيضا ليبيا دورها في المنتديات العربية الأوروبية مثل منتدى "5+5".

ودعم ما سبق تدشين ليبيا لصورة إعلامية دولية تقول بأنها "دولة السلام والقيم"، فالقذافي أصبح يرى عالما مليئا بالسلم والأمن في موقعه المتعدد اللغات بالإنترنت ومنها العبرية، فعلى سيبل المثال بعد وجهة نظره المتصادمة مع إسرائيل، يطرح الآن "دولة إسراطين" لحل الصراع العربي الإسرائيلي سلميا.

ولتعميق صورة "دولة السلام" توسطت ليبيا في حل الأزمات الدولية وأبرزها أزمة الرهائن الغربيين في الفلبين وكذلك بعض الأزمات الأفريقية، وأوقفت الدعم المالي عن جميع المنظمات الثورية في العالم.

لوكربي الطريق لأميركا
وعلى صعيد دولي مواز، مثل التعامل الليبي المرن في أزمة لوكربي أحد محاور ترطيب العلاقات مع "العدو الأكبر" لليبيا وهو الولايات المتحدة، فقد ركزت على التعامل القانوني مع قضية لوكربي وقبلت عرضها على محكمة دولية، ونالت خلال هذه الفترة دعما عربيا وأفريقيا (جنوب أفريقيا والسعودية) وانتهى الآمر بتسليمها للمشتبه في تورطهما بالقضية يوم 6 أبريل/ نيسان 1999 حتى يتم محاكمتهما، مما أدى إلى تعليق العقوبات الدولية عليها، وقد برئ أحد المتهمين الليبيين بينما أدين الآخر.

وقد وافقت ليبيا بعد ذلك على مبدأ دفع تعويضات قيمتها 2.7 مليار دولار غير أن أميركا كانت تصر إضافة إلى ذلك على أن تعلن ليبيا مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة حتى يتم رفع عقوبات الأمم المتحدة نهائيا. ورغم الاعتراض الليبي الذي وصل إلى الموافقة في نهايته فإن المقابل لذلك كان رفع العقوبات الدولية وعدم ملاحقتها قضائيا. ولم يكن ممكنا الوصول المحطة الأخيرة للوكربي دون الجهد الليبي الإقليمي والدولي لتحسين الصورة وصياغة دور مقبول.

كما أن العامل الآخر الذي ساعد للوصول لهذه المحطة هو التحول في الموقف الليبي تجاه الولايات المتحدة، فالقذافي أعلن في أكثر من مناسبة ضرورة التكيف مع السلوك الأميركي وكذلك إدانته لإحداث 11 سبتمبر/ أيلول علاوة علي موقفه الهادئ من الأزمة العراقية الذي اقتصر على التحذير والتوسط، بل إن القذافي كشف لمجلة نيوزويك في يناير/ كانون الثاني 2003 عن تعاون أمني بين البلدين للقضاء على تنظيم القاعدة.

في الوقت نفسه بادرت واشنطن بمكافأة ليبيا على التحول في سلوكها، فلم تضعها ضمن محور الشر رغم أن عداء طرابلس يفوق دول هذا المحور، كما أن تقارير الخارجية الأميركية في الأعوام الثلاثة الماضية سلمت بأن طرابلس اتخذت خطوات جادة لتحسين صورتها دوليا، وتضاءل دعمها لأي تنظيمات متطرفة تعارض السياسة الأميركية.

على الصعيد الداخلي:
رغم أن أزمة لوكربي أدت إلى خسائر قدرتها أمانة الاتصال الخارجي بـ24 مليار دولار بين العامين 1992 و1998، فإن ذلك لم يؤد إلى انهيار الاقتصاد الليبي بسبب سياسة تقليص الإنفاق العام واستثناء النفط الذي يمثل أكثر من 90% من صادرات ليبيا من العقوبات الدولية.

غير أن المشكلة التي واجهت الاقتصاد الليبي أثناء فترة العقوبات هو تذبذب أسعار النفط وعدم استقرار مدخولاته، ما يفرض ضرورة تنويع الهيكل الاقتصادي، كما أن ليبيا ارتفعت فيها البطالة ووصلت نسبتها وفقا لبعض المصادر إلى 24% وهي تمثل قنبلة موقوتة ولاسيما أنها تتركز في قطاع الجامعيين، كما تفاقمت خسائر القطاع العام والفساد والبيروقراطية.


مازال منطق الإقصاء هو طريقة ليبيا للتعامل مع المعارضة بالداخل والخارج، ويتردد الحديث عن عمليات تهميش تتعرض لها اللجان الثورية التي تعد الذراع السياسية للقذافي
على خلفية هذه المشاكل واتساقا مع التحول في النظرة للعالم الغربي الرأسمالي وللدور الإقليمي بدت هناك عدة خطوات للتحول من اقتصاد مركزي تخطيطي إلى اقتصاد سوق وأبرزها:

  • فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، إذ رصدت الحكومة الليبية 35 مليار دولار أميركي لخطتها الخمسية الجديدة 2001-2005 لتصحيح مسار الاقتصاد وتنويع هياكله وخلق مناخ جاذب للمبادرات الخاصة الليبية والأجنبية بما يحسن المعيشة ويحقق نموا في الإنتاج المحلي لا يقل عن 5% سنويا. وسيتم إشراك رساميل محلية ودولية بنسبة ما بين 30 و40% لاسيما في المجالات النفطية والاقتصادية. وسبق ذلك بسنوات إصدار قانون الاستثمار الأجنبي عام 1997، وتخفيض سعر صرف الدينار عام 2002 لدعم تحرير الاقتصاد.
  • دعوة القذافي في يونيو/ حزيران 2003 أمام مؤتمر الشعبي العام إلى خصخصة القطاع العام بما في ذلك قطاع النفط والمصارف، وتطبيق البديل وهو الرأسمالية الشعبية في صورة شركات يمتلكها الليبيون وأنه من حق هذه الشركات الاستعانة بالخبراء الأجانب.
  • الاستعانة بنخبة ليبرالية اقتصادية، فعلى سبيل المثال تم تعيين شكري غانم أمينا للجنة الشعبية العامة (رئيس وزراء) في أبريل/ نيسان 2003 ليقود عملية التحول نحو الاقتصاد الحر وهو أحد الذين تعلموا في أميركا وله خبرة نفطية.

اللافت أن التحولات الاقتصادية التي تعكس تحولا عن المسار الثوري الذي عاشته ليبيا قرابة ثلاثة عقود لم يترافق معه تحولات في البنية السياسية الداخلية، فمازال منطق الإقصاء هو طريقة ليبيا للتعامل مع المعارضة بالداخل والخارج، غير أن ثمة أحاديث تتردد عن عمليات تهميش تتعرض لها اللجان الثورية التي تعد الذراع السياسية للقذافي. كما أن البعض أيضا يردد أن حوارا غير معلن تم بين النظام الليبي ومعارضة له، وأن هناك ترحيبا من النظام بعودة المعارضين شرط عدم إحداث أزمة داخلية.

قصارى القول إن التحول الليبي إثر أزمة لوكربي جاء متناسقا ومتوازيا في تحركاته من حيث الأهداف والأدوات والسياسات، فالتحول الاقتصادي يسمح بتوطيد العلاقة مع الغرب، كما أن إقامة علاقات إقليمية عربية وأفريقية على أسس التعاون والمصلحة المشتركة يصب أيضا في هذا الاتجاه الذي يتم دعمه بخلق صورة إيجابية عن دور ليبيا عالميا. وكل هذه الأمور تساعد على استعادة ليبيا لدورها بشكل جديد.

قضايا المستقبل الليبي

يبدو أن مستقبل ليبيا خاصة بعد الرفع المنتظر للعقوبات عنها سيمضي في الإطار الذي تحرك به النظام الليبي بعد أزمة لوكربي، وإن كان المتوقع أن يكون بوتيرة أكبر، غير أن ثمة قضايا مطروحة في المستقبل وهي:

  1. سيف الإسلام معمر القذافي
    رغم نجاح القذافي في اجتياز مرحلة التحول دونما اهتزاز كبير لشرعيته فإن ثمة أزمة تنتظره في المستقبل خاصة في من سيقود البلاد من بعده لاسيما وأن البنية السياسية الليبية لم تخلق رموزا لها قبول شعبي تملأ فراغ السلطة في أي لحظة. غير أن البعض -ورغم نفي الزعيم الليبي- يعول على نجل القذافي في ملء الفراغ معتبرين أنه الأكثر مناسبة للمستقبل، لتوجهاته الليبرالية الاقتصادية ورغبته في توطيد علاقات بلاده مع الغرب وتطوير البناء السياسي الداخلي بما يسمح بعمل إصلاحات سياسية، كما يعبر عن الشباب الذين يمثلون أغلبية السكان.
  2. تواجه ليبيا في عملية التحول نحو اقتصاد السوق منها بيروقراطية الإدارة والقوانين التي تنتمي للاقتصاد التخطيطي، ومشكلات البنية التحتية، وعدم توفر عمالة مؤهلة لقيادة التحول. وهذه المشاكل تحتاج إلى تعامل حقيقي للحكومة في المستقبل كما أن التحول الاقتصادي يلزمه انفتاح سياسي داخلي حقيقي واستيعاب المعارضة لخلق إجماع وطني.
  3. تطوير الدور الليبي إقليميا: رغم أن هذا الدور شهد انتعاشة في أفريقيا في مرحلة التحول، فإنه لم يتم حتى الآن استثمار هذا الدور اقتصاديا بالشكل الكافي، فمن بين خطة معلنة لإقامة 2082 مشروعا بأفريقيا بقيمة 1.2 مليار دولار لم تستطع ليبيا تنفيذ سوى 245 منها، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى دفعة لحل المشاكل السياسية المعلقة بالاتحاد الأفريقي خاصة على مستوى دوره في حل الصراعات التي تمثل بيئة معرقلة للاستثمار الليبي. من ناحية أخرى تحتاج ليبيا إلى تفعيل دورها في العمل العربي والمغاربي المشترك بدلا من حالة الإعراض الحالية.
  4. رغم إطلاق مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية حملة دولية لمناهضة التعذيب وترؤس ليبيا للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فإن ملف حقوق الإنسان فيها يحتاج إلى خطوات أكثر جرأة بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين. ويمثل هذا الملف مع إبعاد شبهة امتلاك أسلحة نووية مدخلا لإعادة العلاقات بشكل كامل مع أميركا وإزالة الصورة السلبية عن ليبيا تماما.

على أي حال فإن أزمة لوكربي مثلت المفصل الذي خرجت منه عملية التحول الليبي الذي وصل إلى لحظة "صك التوبة" التي مثلت وعيا بالأخطار المحدقة بالنظام الليبي، وكان أبلغ تعبير عن ذلك ما قاله القذافي في الذكرى 33 لثورة الفاتح (2002) "لا يمكن إلا أن ننصاع للقانون الدولي ونستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قبل أميركا وإلا سنداس بالأقدام".
_______________
* - باحث مصري متخصص في الشؤون الأفريقية
المصادر:
!- تيم نبلوك، العقوبات والمنبوذون في الشرق الأوسط (العراق-ليبيا–السودان) (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2001)
Froncois Burget, “Qadhafi’s Unitary Doctrine: Theory and Practice”,in Rene Lemarchand (ed.) , the Green and the Black (Indiana: Indiana Univ. Press, 1988
1- Benjamin Neverberger,Involvement,Invasion and withdrawal,Qadhafis Libya and Chad 1981-1982 (Tel Aviv,the Shiloah Center for Middle Eastern and African Studies,1982)
2- د. وحيد عبد المجيد، مدخل لدراسة السياسة الخارجية العربية لليبيا، التقرير الإستراتيجي العربي 1995 (القاهرة: مؤسسة الأهرام، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، 1996.
3- -وليم زارتمان، "السياسة الخارجية الليبية والسعي نحو البطولة"، بهجت قرني وعلي الدين هلال (محرران)، السياسات الخارجية للدول العربية (القاهرة: مركز الدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 1994).
4- -معمر القذافي، الكتاب الأخضر (طرابلس: المركز العالمي لأبحاث الكتاب الأخضر، طبعة 1990).
5- صبحي قنوص وآخرون، ليبيا الثورة في 25 عاما 1969–1994، التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (مصراتة: الدار الجماهيرية للنشر،1994).
6- ليبيا.. تقرير التنمية البشرية 1999، (طرابلس: الهيئة الوطنية للمعلومات والتوثيق، 1999)
7- Guy Arnold, the Maverick State, Gaddafi and the New World Order (London. Welling House, 1996)
8- Geoff Simons, Libya: the Struggle for Survival (New York: St.martin’s Press, 1996
9- Mansour Elkikhia, Libya’s Qaddafi: the Politics of Contradiction (Gainesville, University Press of Florida, 1997
10- د.عبد السلام محمد شلوف وآخرون، وثائق أفريقية (طرابلس: الدار الجماهيرية للتوزيع والنشر والإعلان، 2001)
11- عبد الملك عودة: إلى أين التوجه الليبي لأفريقيا-مجلة الأهرام الاقتصادي-14/6/1999.
12- جمال نكروما: الوحدة الأفريقية في سياق الفكر السياسي لبعض الزعماء الأفارقة.. الحلم المؤجل– د.محمود أبو العينيين: الاتحاد الأفريقي ومستقبل القارة الأفريقية (القاهرة: مركز البحوث الأفريقية–أكتوبر 2001)ز
13- التقرير الإستراتيجي الأفريقي، 2001 –2002، ( القاهرة : مركز البحوث والدراسات الأفريقية جامعة القاهرة، 2002).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة