المقاومة العراقية.. رؤية نقدية   
الجمعة 29/2/1426 هـ - الموافق 8/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 9:50 (مكة المكرمة)، 6:50 (غرينتش)

 

شفيق شقير

المقاومة والخطاب الوطني
المقاومة والإرهاب
البرنامج المفقود

إن ظهور مقاومة للاحتلال هو أمر إيجابي بحد ذاته، خاصة إذا كان هذا الظهور سريعا جدا كما هو في الحالة العراقية.

وحققت المقاومة العراقية الكثير من الأهداف الميدانية والسياسية واستفاد منها حتى أولئك الذين يتحفظون عليها، حيث أن التعجيل بتسليم العراقيين السلطة، وإقامة الانتخابات العامة كانت ضربات المقاومة وراءها إلى حد بعيد.

ولكن هذه الإيجابيات وكثير سواها مما يمكن تعداده لا يشكل الصورة الكاملة للمقاومة، حيث أن الجزء الآخر من الصورة يثير تساؤلات في أكثر من اتجاه.

المقاومة والخطاب الوطني

"
أي خطاب ديني غير منفتح على كل الوطن سيكون قابلا للتفخيخ في أي لحظة من اللحظات، بل إن هذا قد يجعل من النصر على المحتل نصرا لفئة على أخرى من أبناء الوطن

"

تتركز المقاومة العراقية في السنة العرب، وهذا يرتب عليها الكثير من الأعباء والتحديات التي ستثقل كاهلها بسبب عنوانها المذهبي والعرقي.

وبالطبع ليس المراد أن نطلب من المقاوم أن يتخلى عن معتقداته الخاصة كي يكون وطنيا، لأن المقاومة قرينة الموت والشهادة ولا يمكن لأي إنسان أن يموت وفق معتقدات غيره، ولكنه بالطبع يستطيع أن يستشهد لأجل غيره، وهذا أحد أهم اللبنات في بناء الخطاب الوطني.

ومن العقم إنكار وجود مجموعات تنتسب إلى المقاومة العراقية وتنتهج مسارات قد تقود في نهاية المطاف إلى مواجهات طائفية، وربما هي لا تريد ذلك ولكنها لا تلتفت إلى أهمية الانخراط في خطاب وطني واضح وجامع في مواجهة المحتل، وعدم الاكتفاء بالحث على ضرب المحتل تحت عناوين دينية مذهبية فقط.

خاصة وأن أي خطاب ديني غير منفتح على كل الوطن سيكون قابلا للتفخيخ في أي لحظة من اللحظات، بل إن هذا قد يجعل من النصر على المحتل المفترض أن يحتفي به كل الوطن، هو نصر بأدنى الأحوال لفئة دون أخرى بل قد يصور أنه انتصار لفئة من أبناء الوطن على فئة أخرى.

وهذا المقام يستدعى الإشارة إلى نموذج المقاومة اللبنانية التي رفع لواءها حزب الله الشيعي في لبنان والذي استطاع برغم منطلقاته الدينية المذهبية أن يبدع خطابا وطنيا جامعا وأن يتجاوز الوضع الطائفي الذي يشتهر به الواقع السياسي اللبناني.

واستطاع أن يجعل من انتصاره انتصارا للوطن أجمع، وأن يجعله مشاعا متاحا للجميع، وأن لا يوظفه في التنازعات الطائفية الداخلية، أو على المناصب والمغانم.

وبالفعل شهدنا في العام الثاني لاحتلال العراق التفاتا من بعض المعنيين إلى أهمية هذا التحدي، حيث أن هيئة العلماء المسلمين –وهي أحد أهم ممثلي السنة العرب- قد طرحت سبع نقاط في أحد بياناتها الصادرة عن اجتماع عقدته مع قوى عراقية أخرى من بينها المدرسة الخالصية والتيار الصدري الشيعيين تحت مسمى "القوى الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال" وذلك في 15 فبراير/شباط 2005، وتضمنت الآتي:

  1. جدولة واضحة ومحددة ومعلنة وملتزم بها وفق ضمانات دولية لانسحاب قوات الاحتلال من العراق بجميع مظاهرها وأشكالها.
  2. إلغاء مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية والإثنية، واعتماد مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون.
  3. إقرار مبدأ حق الشعب العراقي في رفض الاحتلال والاعتراف بالمقاومة العراقية وحقها المشروع في الدفاع عن بلدها ومقدراته ورفض الإرهاب الذي يستهدف العراقيين الأبرياء، والمنشآت والمؤسسات ذات النفع العام واستهداف دور العبادة من مساجد وحسينيات وكنائس وجميع الأماكن المقدسة.
  4. بما أن الانتخابات التي أجريت ناقصة الشرعية لقيامها على قانون إدارة الدولة المرفوض ولعدم استنادها على الأُطر القانونية والأمنية والمقاطعة الشعبية الواسعة لها والتزوير الحاصل فيها؛ لا يحق للإدارة الناشئة عنها إبرام أي اتفاقية أو معاهدة من شأنها المساس بسيادة العراق ووحدته أرضاً وشعباً واقتصاداً والحفاظ على ثرواته.
  5. اعتماد الديمقراطية والانتخاب كخيار وحيد لتداول السلطة سلمياً والعمل على تهيئة الأجواء والقوانين التي من شأنها إجراء العملية السياسية في أجواء نزيهة وشفافة وبإشراف دولي ومحايد.
  6. التأكيد على هوية العراق الوطنية والعربية والإسلامية والوقوف بحزم بوجه كل الدعوات التي من شأنها أن تفقده هذه الهوية.
  7. إطلاق سراح جميع المعتقلين والمحتجزين في سجون الاحتلال والحكومة المؤقتة، ولاسيما النساء وإيقاف عمليات الدهم المستمرة وانتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العراق والمطالبة بتعمير المدن العراقية المخربة وتعويض أهلها تعويضاً عادلاً ومنصفاً.

ودعت في ختام البيان بقية القوى الوطنية الأخرى "التي تتفق معها على هذه الأسس إلى المشاركة في التوقيع على هذا البيان".

ومن المعروف أن تيار المدرسة الخالصية والتيار الصدري لم يترددا في تأييد المقاومة العراقية المسلحة، ولهم بيانات مشهورة في ذلك، بل إن التيار الصدري قد دخل في مواجهات أكثر من مرة مع قوات الاحتلال وما أحداث النجف ببعيدة.

المقاومة والإرهاب

أحد التفجيرات في العاصمة العراقية قتل وجرح فيه العشرات (رويترز)
انتقل الجدال حول "من هي المقاومة؟"  "وما هو الإرهاب؟" إلى مواقع لم يكن ببالغها في السابق عندما تزايدت العمليات التفجيرية العشوائية التي طالت المدنيين العراقيين، وبعدما تكررت عمليات القتل والاغتيال والذبح  الجماعي واستهداف القوى الأمنية العراقية، وخطف المدنيين الأجانب ولا سيما الصحفيين منهم.

وكشفت مثل هذه الأعمال أحيانا أن بعض فئات المقاومة لم تستطع تحديد صورة الاحتلال بدقة وفصلها عما سواها من ألوان الطيف العراقي التي تداخلت مع الاحتلال بسبب الظروف الاستثنائية التي يشهدها العراق.

حيث أن الاحتلال يسري في داخل شرايين ومفاصل مهمة للدولة، وتتعايش معه ربما مرغمة شرائح مهمة من الشعب العراقي وتعمل معه يدا بيد لبناء مؤسسات الدولة وهياكلها، وأن استهدافها جميعا وجعلها في صعيد واحد سينال من العراق وأهله وليس من الاحتلال فقط.

وتداركت بعض فصائل المقاومة بالفعل هذا الخلل، حيث طرحت الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية توصيات لذراعها العسكري كتائب صلاح الدين الأيوبي لتحثه على الالتزام بضوابط محددة، وهي تصلح لأن تكون ضوابط للمقاومة العراقية أجمع بكل مجموعاتها، وتكفل لها التمايز عن المجموعات الأخرى التي انساقت وراء ممارسات لا يمكن إلا وصفها بالإرهاب. وهذه الضوابط هي:

  1. عدم التعرض لأي عراقي أو إراقة دمه سواء كان من الشرطة أو الحرس الوطني أو الدفاع المدني أو المدنيين عموما، وينبغي توجيه كافة الأسلحة إلى قوات الاحتلال حصرا.
  2. عدم التعرض للأجانب المدنيين الذين لا علاقة لهم بالاحتلال كالصحفيين والسواقين والعاملين في المجال الخيري وأمثالهم.
  3. نستهجن أسلوب الذبح الذي تقوم به بعض الفصائل الأخرى ونمنعه منعا باتا بيننا مهما كانت المبررات؛ لأنه ليس من طرائقنا.
  4. عدم التعرض لأي هدف من الأهداف التي لها علاقة بالبنية التحتية للبلاد كأنابيب النفط، أو المؤسسات والدوائر المدنية سواء كانت حكومية أو أهلية.
  5. تجنب الاشتباك مع العدو المحتل داخل المدن والقصبات خشية إصابة المدنيين نتيجة الرد العشوائي لقوات الاحتلال نظرا لتعمدهم الإضرار بالمدنيين والدور السكنية.
  6. عدم استخدام أسلوب تفخيخ السيارات مطلقا داخل المدن والقصبات نظرا للأذى الكبير الذي تلحقه بالمدنيين أو الدور السكنية.
  7. عدم التعاون مع أي فصيل -مهما كان- يستبيح قتل العراقيين أو المدنيين وتكفيرهم".

والنقطة الأخير تقود إلى الحديث عن ضرورة عزل المجموعات التي اشتهرت باستباحة دماء العراقيين، أو دفعها إلى تغيير أساليبها وهي مجموعات ليست قليلة وفي أغلبها ذات سمات سلفية، وأبرزها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي الأردني.

فالنمط الذي يسير عليه تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يخرج بمفهوم المقاومة عن الأطر والتجارب التاريخية المعروفة، بل يختلف حتى عما عرفناه في كتب الفقه التقليدية من تقسيم الجهاد إلى جهاد طلب وجهاد دفع.

والأخير كان محور التنظير لكل المقاومات الإسلامية التاريخية التي عرفها العالم الإسلامي، سواء في المقاومة الإسلامية في الهند للمستعمر الإنجليزي أو تلك التي كانت في الجزائر ضد المستعمر الفرنسي أو تلك التي لا زلنا نعايشها في فلسطين.

ومن التطورات التي أخذت تتبلور في الشهور الأخيرة أن هذا النموذج أصبح موضع انتقاد أكثر من السابق وبوتيرة أشد من قبل المؤيدين للمقاومة العراقية بل من بعض مجموعات المقاومة نفسها.

فالمقاومة لم يعد دورها مقتصرا على استهداف المحتل، بل من المنتظر منها أن تقدم النموذج الذي يستطيع التباهي به كل وطني عراقي دون لبس، خاصة أن هناك دوائر سياسية وإعلامية تطمس "فكرة المقاومة" وتشوه براءتها بالخلط -عن قصد أوعن غير قصد- بين الإرهاب والمقاومة.

البرنامج المفقود

"
أثبتت تجارب الاستقلال العربية السابقة، أن كل انتصار عسكري قابل للسرقة ولو في وقت متأخر، إذا لم نختر له وصيا سياسيا في وقت مبكر

"

منذ سقوط بغداد والعمليات العسكرية التي تستهدف الاحتلال في تزايد مستمر، وأحيانا يربط المحللون بين تزايد العمليات وتكثفها وبين لحظة سياسية محددة، كما حصل على سبيل المثال قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة والتي بلغت فيها مستويات العنف درجة كبيرة، واستهدفت بعض العمليات مراكز الاقتراع.

وهذا يثير جملة من التساؤلات حول ماهية برنامج المقاومة السياسي، وهل يتوافق مع معظم ما يتطلع إليه العراقيون؟

فالانتخابات العراقية برغم اختلاف العراقيين حولها تبقى من المسائل الثانوية التي يجب على المقاومة أن تعلو فوقها، لأنها أي المقاومة معنية بتحرير كامل التراب العراقي وبالدفاع عن جميع العراقيين سواء الذين أيدوا إقامة الانتخابات كخطوة على طريق الخلاص من المحتل أم من الذين عارضوها لأنها تحصل في ظل الاحتلال.

وإن سرية المقاومة في الظروف الراهنة يحول بينها وبين تشكيل بناها السياسة الخاصة أو يمنعها من صياغة برنامج وطني يجتمع الجميع تحته ولو بالحد الأدنى.

وهذا يحتم على مجموعات المقاومة التواصل مع السياسيين العراقيين الشرفاء المناهضين للاحتلال والمؤيدين للمقاومة والمدافعين عن شرعيتها، وأن يأخذوا رؤاهم وتقديراتهم للواقع بعين الاعتبار وأن يعطوهم مساحة لحرية التحرك السياسي، بحيث يصبح هؤلاء يمثلون السقف السياسي لمطالب العراقيين المتعلقة بالتحرر من الاحتلال.

فإنجاز التحرير لا يمكن أن يتم بالبندقية على أهميتها القصوى إذا لم يكن هناك من رؤية سياسية تستثمر التضحيات في الاتجاه الصحيح وتمنع الجهود والبرامج من التضارب بين بعضها البعض وبالتالي التساقط والنيل من بعضها أكثر مما ينال الاحتلال منها أو تنال منه.

وكذلك أثبتت تجارب الاستقلال العربية السابقة، أن كل انتصار عسكري يحتاج للحماية لأنه قابل للسرقة ولو في وقت متأخر، إذا لم نختر له وصيا سياسيا في وقت مبكر.
______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة