الهند.. دولة الألفية الثالثة   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:30 (مكة المكرمة)، 16:30 (غرينتش)

جمعت الهند في تاريخها وحضارتها فسيفساء من الشعوب والأعراق والطوائف الدينية والثقافات، ولولا ما نالها من تقسيم وتقزيم وخلافات دينية وعرقية لكانت أصدق مثال على تعدد الحضارات وتعايشها.

وبقي مثال التعدد في الهند الواحدة حيا في مخيلة الساسة الهنود الأوائل، لا سيما أمثال جواهر لال نهرو وأنديرا غاندي، وجسدوها في سياسة بلدهم وفي علاقاتهم الإقليمية والدولية، وأسهموا في تأسيس حركة عدم الانحياز بالتعاون مع الآخر أيا كان، كما تجنبوا الاحتراق بنار الحرب الباردة بين العملاقين السوفياتي والأميركي آنذاك.

وحافظ الساسة الهنود على موقع النصير للقضايا العادلة، فهم ممن ذاقوا ظلم المستعمر وقهره، وهو ما تجلى في نصرتهم للقضية الفلسطينية التي شكلت محورا مهما من محاور العلاقات العربية الهندية، التاريخية والمتشعبة.

وهذه الصورة الذهبية التي تنتمي بمرجعيتها الثقافية والحضارية إلى الهند التاريخية وتعلو فوق جراح التقسيم -الأشد ألما في تاريخ أحداثها- لم تكن الوحيدة الحية في الجمهور الهندي، فبصمات المستعمر الإنجليزي والجراحات التي خلفها على الكيان الهندي، وما استتبعها من تقسيم وحروب وتداعيات، أخذت تدفع بالهند نحو زاوية صغيرة من جغرافيا السياسة والحضارة والدين، فأمست أكثر تصديقا للمعنى الهندوسي الديني بكل أبعاده رغم احتلال القوى المعتدلة حيزا مهما في خريطة القوى السياسية الهندية، والتي مازالت وفية للمؤسسين الأوائل. وأصبح المعبد لا يحلو له إلا أن يقبع على جثة المسجد، رغم أن العلمانية هي شعار الدولة وأس بنيانها.

وهند اليوم كيان ناهض، مسلح بقوة بشرية لا يستهان بها، فهي الثانية سكانيا بعد الصين، واقتصادها يشهد سباقا بين النمو والحاجات، وكأنه لا قدر له إلا الاندفاع إلى الأمام، فالعوز والفناء من ورائه، والبقاء في عالم الكبار من أمامه.

ولعل نفس المنطق يتحكم بالقوة العسكرية الهندية، فهي تدرك أنها محاطة بجارتين نوويتين روسيا والصين، وأن لديها من الخلافات مع جيرانها (باكستان والصين) ما يكفي لتندفع في سباق محموم لتحافظ على تماسك بنيتها التسليحية وأمنها القومي، فضلا عن طموحاتها للسيطرة على المحيط الهندي تمهيدا لدور سياسي يليق بها، وأقله أن يكون لها مقعد دائم في مجلس الأمن على غرار ما للجارة غير الودود إستراتيجيا الصين.

فطموحات الهند وحاجاتها أعادت هيكلة كيانها وترتيب أولوياتها، فلم تعد العلاقة مع العرب والمنافع التي يقدمونها محورا دبلوماسيا عزيزا، لأن خيرهم فائض والحصول عليه متاح بالمجان، وعليه أصبحت العلاقة بل التحالف مع إسرائيل سيرا وفق معطيات المنطق الدولي الجديد الذي كرس الولايات المتحدة رأسا وإسرائيل ربيبة، فهما بالنسبة لها داعمان حقيقيان ضد الإرهاب، وما أحوجها إليهما لمحاربة ما تصفه بالإرهاب الكشميري، إلى جانب كونهما مصدرين مهمين للتسلح وخاصة في مواجهة الصين.

وإن كان السقوط السوفياتي قد ذهب بمعظم إرث الحرب الباردة، فقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لتذهب بالبقية الباقية وتعلن حقبة جديدة ناسخة لما قبلها، واضعة الهند أمام مشهد جديد، وأمام عالم مفتوح يستقبل الأقوياء ويتجاهل الضعفاء.

فالألفية الثالثة استقبلت بحربين مدمرتين ولم تبدأ بالصلوات والتمتمات، ويبدو أن الهند عازمة على استثمار هذه التحولات كي تكون جزءا من هذه الألفية، ولو كان بالتلويح بحقها في أن يكون لها حربها الخاصة، أو سلاحها الذري الخاص، أو علاقاتها الخاصة بعيدا عن كل اعتبارات التاريخ والجغرافيا والإرث الحضاري الذي تحمله. كما أنها لا ترى ضيرا في أن تتصرف كالدول العظمى، لأنها تأمل أن تكون مثلها بالفعل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة