عام على حرب العراق.. وقفة تأمل   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)


أكرم البني

تدخل القضية العراقية بعد عام من الحرب مجاهل جديدة وتقف أمام تحديات خطيرة، ويبدو أن كل شيء قد تغير وأن الأمور لن تعود أبدا إلى ما كانت عليه، وسوف تختلف تاليا جميع المسائل والحلول، مثيرة حزمة من الأسئلة الشائكة عن مستقبل هذا البلد وأي مصير ينتظر الشعب العراقي خصوصا، وشعوب المنطقة على وجه العموم.

عام على سقوط بغداد ليس بالوقت الكافي لاستيعاب هول الحدث والتغييرات التي قد يفرزها أو يتسبب فيها، لكن يمكن القول إن هناك جديدا يتضح شيئا فشيئا، وإن ثمة نتائج يمكن استخلاصها، غير نهائية ولا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة يفترض بالعقل العربي أن يتفحصها جيدا في سياق إعادة بناء معادلاته السياسية، لعله يتمكن من استباق الحدث والنظر إلى ما يمكن فعله لتحصين البيت وتمكينه من مواجهة التحديات والأخطار المحدقة.

إخفاق الأنظمة الشمولية
ذرائع أميركية هشة
دروس وعبر من المقاومة
مطلوب وقفة نقدية جريئة

إخفاق الأنظمة الشمولية


شكلت المأساة العراقية وتداعياتها نقلة مهمة لتحرير الفكر الديمقراطي من بعض الاختلاطات والتشوهات وأعادت إلى الواجهة حيوية الترابط بين المسألة الديمقراطية ومهامنا التاريخية الوطنية والقومية والتنموية

شكلت المأساة العراقية وتداعياتها نقلة مهمة لتحرير الفكر الديمقراطي من بعض الاختلاطات والتشوهات التي منعته من التقدم، وأعادت إلى الواجهة حيوية الترابط بين المسألة الديمقراطية ومهامنا التاريخية الوطنية والقومية والتنموية.

فمع كل هزيمة أو انتكاسة نتعرض لها تتكرر العبر نفسها عن أهمية الديمقراطية، ويعاد استخلاص الدرس نفسه، لكن مغمسا بمزيد من الدماء والآلام، بأن نموذج الدولة الأمنية المركزية القاهرة، ما هو إلا صورة خارجية لبناء هش ينخره الفساد، وأن القمع وإقصاء دور الإنسان هما خير ما صنع الهزائم والانكسارات وحطما روح المقاومة والكفاح عند الشعوب، فشعور الإنسان بالحرية والثقة بجدوى انتمائه لوطنه، هو صمام أمان التماسك الداخلي، وهو القاعدة السليمة لتفاعل كل القوى الاجتماعية والسياسية وتاليا لاستنهاضها واستقطابها لكف يد الأجنبي وتطاولها.

وبغض النظر عن صحة أو خطأ القول بأن تداعيات الحرب على العراق أطلقت رصاصة الرحمة على الفكر القومي فإن ما جرى أظهر بالملموس أن الشعارات القومية الجوفاء الطنانة والرنانة التي رفعت طيلة عقود من الزمن لم تكن أكثر رايات خادعة استخدمتها الأنظمة " القومية جدا" لتعزيز قطريتها وتثبيت سلطانها وحماية امتيازاتها والتنعم بما سلبته من ثروات، وأظهر أيضا عجز النظام الرسمي العربي عن اتخاذ أي فعل إيجابي يساعد الشعب العراقي في محنته وتاليا حال الشلل والتمزق التي يعانيها، بين حكومات ولت وجهها شطر الاحتلال، وأخرى آثرت الصمت واكتفت من الغنيمة بالإياب، وثالثة تتحسب من ضرر الوجود العسكري الأميركي، لكن مصالحها استدعت أن تضبط أفعالها جيدا كيلا تحرق أصابعها في لعبة النار.

ما يشير بالبنان إلى أهمية الديمقراطية كمخرج للشعوب العربية من أوضاعها القومية المفككة والمتأزمة، توفر المناخ الصحي لتقارب المجتمعات العربية، ذودا عن مصالحها المشتركة وتشجع الإنسان العربي على تجاوز النظرة والحلول القطرية الضيقة نحو اختيار التعاضد والتكامل مع أشقائه بغية تحصين المجتمعات العربية وتطوير قدراتها على المنافسة في ظل سيادة العولمة والتجمعات الاقتصادية الكبيرة، مثلما تساعده على امتلاك لغة الخطاب الصحي والندّي مع الأقليات القومية التي تشاركه العيش على هذه الأرض منذ مئات السنين، وأن حريتها من حريته، ومستقبلها جزء عضوي من مستقبله.

وأيضا هناك حقيقة جلتها الكارثة العراقية هي فشل وإخفاق أنظمة الحكم المركزي الشمولي في قيادة المجتمع وإنجاز برامجه التنموية، فتركز الثروة ورأس المال بيد الدولة والحزب الواحد وقيام سلطة كلية مطلقة الحضور، تحتكر كامل الحياة السياسية ومعظم أوجه النشاط الاقتصادي، وتفرض نفسها كمجال وحيد للحراك الاجتماعي، وتلهث على حساب تنمية المجتمع وراء اقتناء التكنولوجيا العسكرية والأسلحة المتطورة، أفضى إلى تخريب البنية الوطنية، وتدمير خلايا النمو والتجدد في المجتمع، وإلى حضور أزمة عميقة متراكبة، ومزيد من الاستبداد والفساد وعسكرة الحياة والاندفاع إلى حروب هوجاء لا مبرر لها امتصت طاقة المجتمع ومعظم ثرواته ليغدو ضعيفا أمام أي طامع.

ذرائع أميركية هشة

كشفت الحرب على العراق هشاشة الذرائع الأميركية، وفضحت عمق المطمع من احتلال أرضه في تأكيد السيطرة على المنطقة والتحكم بشرايينها النفطية كمدخل لتعزيز الهيمنة على العالم، وإذ اعتبرت الحرب على أفغانستان بأنها الثأر الأميركي من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 فإن الحرب على العراق كانت العلامة الأولى البارزة الدالة على آليات جديدة في الهيمنة الأميركية.

ويبدو أن واشنطن وقد اعتمدت لعقود من الزمن وسائل غير مباشرة للسيطرة، عن بعد أو بالوكالة إن صح التعبير، طوت أخيرا صفحة هزيمتها المرة في فيتنام، وخطت عبر العراق خطوة كبيرة لتسوغ دور الحروب وتستسهل التدخل العسكري المباشر والقوة العنيفة في إدارة الصراع العالمي وتقرير نتائجه.

وبالتالي لم تنجح أساليب المكر والخداع واستغباء الآخرين في إخفاء أهداف واشنطن، ولم يمر وقت طويل حتى انكشف زيف ادعائها بأنها خاضت الحرب على العراق لنزع أسلحة الدمار الشامل أو لضرب الإرهاب وملاحقة عناصر تنظيم القاعدة، أو حتى كمحررة من أجل وضع حد لديكتاتورية طويلة فرضها صدام حسين على شعبه، وقد فضحتها عنجهيتها وممارساتها التسلطية وسخريتها من التظاهرات الشعبية الواسعة المناهضة للحرب وازدراؤها قرارات الأمم المتحدة ومجلس أمنها.

ورغم تاريخ واشنطن الحافل بالتنصل من القرارات الأممية التي قد تؤثر على مصالحها المادية أو السياسية أو مصالح حلفائها، فإن سلوكها تجاه الأمم المتحدة في الحدث العراقي هو نقلة جديدة تنذر بإعطاء مبرر لكل دولة قوية وطاغية لتصفية حساباتها مع دول أقل منها قوة وتسليحا، ويفتح الباب للفوضى وانهيار الروادع الإقليمية والعالمية وفقدان أي أهمية للاتفاقات والمواثيق التي تتعلق بحقوق الإنسان وحريات الشعوب، ما وضع الإنسانية جمعاء أمام تحد كبير لإفشال النوايا الأميركية في القضاء على المنظمة الدولية ودورها.

وبالفعل يمكن القول إن بعض النجاح قد تحقق على هذا الصعيد وإن البيت الأبيض قد أكره أخيرا على مراجعة حساباته ليس تجاه الأمم المتحدة فقط ولكن نحو الحلفاء الأوروبيين أيضا، بدليل إشراك الدول الثماني الكبرى بمناقشة مشروع الشرق الأوسط الكبير في يونيو/ حزيران القادم، والدور المفترض أن تلعبه الأمم المتحدة لرعاية الانتخابات المزمع إجراؤها بعد تسلم العراقيين السلطة.


كشفت الحرب على العراق هشاشة الذرائع الأميركية وفضحت عمق المطمع من احتلال أرضه في تأكيد السيطرة على المنطقة والتحكم بشرايينها النفطية كمدخل لتعزيز الهيمنة على العالم
ويتضح اليوم أن مصالح أميركا نفسها لتعزيز سيطرتها على المنطقة والاستئثار بثرواتها وتوفير أفضل الفرص لاستمرار دور العدو الصهيوني وتفوقه، باتت تستدعي بعد النقلة العراقية وإقرار قانون إدارة الدولة المؤقت طرح مشاريع لنشر الديمقراطية، في محاولة لتفكيك المنطقة وإعادة صياغتها كمجتمعات تحتكم إلى معايير النموذج الليبرالي، ما يمنحها استقرارا أكبر ويوفر تربة مناسبة للتخفيف من الاندفاعات وردود الأفعال الشعبية والسياسية الحادة.

لكن هذه المشاريع تقف على مسافة واضحة لجهة الغايات والطرائق والأدوات مما تطمح إليه الشعوب العربية وقواها الحية في معركتها ضد قوى الاستبداد ولبناء مجتمع ديمقراطي يحقق لها حريتها وكرامتها وسيادتها الوطنية ويكسبها فرصتها الحقيقية لدفع عملية التنمية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي قدما إلى الأمام.

عام مضى وربما بردت جراح العراقيين، إذ اللافت أن ثمة بوادر مشجعة تظهر تفهما لآليات الهدم والبناء، هدم المخلفات الاستبدادية للنظام العراقي بعيدا عن الثأرية وردود الأفعال الغوغائية، وبناء مستقبل واعد وحر للأجيال القادمة، فالقديم ليس كتلة واحدة بل حالة غير منسجمة يفترض التفريق والتمييز بين مستوياتها وقواها المحركة، ما يعني مراعاة المسافات بين مقوماته المختلفة مثل السلطة والدولة والحزب والجيش، وأن لكل منها رغم تداخلها, موقعا خاصا في الماضي العراقي ودور متميز.

فإذ يقتضي الموقف من الاستبداد إزاحة السلطة القديمة ورموزها الأساسية بوصفها المسؤول الرئيس عما وصل إليه العراق اليوم ومحاسبتها على ما ارتكبته من جرائم، فإن مؤسسات الدولة هي حال مختلفة لا يجوز أخذها بجريرة أفعال السلطة، وهي تضم آلاف الكوادر والخبراء ويشكلون جزءا حيويا من مقومات بناء المستقبل، وبالعين نفسها يمكن النظر إلى الكتلة الكبيرة التي يتألف منها حزب البعث وأيضا إلى الكثير من عناصر الجيش والشرطة والأمن، دون أن يعني ذلك تبرئه أحد من مسؤولية ما ارتكبه بحق المواطنين العراقيين من آثام، لكن وفق أدلة ملموسة وعبر قضاء علني وحيادي، ولعل إشراك ممثلين عن حزب البعث في مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد مؤخرا في أربيل خطوة صحيحة على هذه الطريق.

دروس وعبر من المقاومة

بعد عام من الحرب على العراق ومن أعمال المقاومة ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة عن ماهية هذه المقاومة الغامضة التي لم تكشف أو يكشف بعضها عن برنامج سياسي أو مواقف تنم عن وضوح الرؤية، تضرب خبط عشواء ولا يهمها ما ينجم عن عملها من آثار ونتائج على مصالح الشعب العراقي ومستقبله.

فماذا نأمل من تكرار هذا الشكل من العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال ومنشآت الدولة والمدنيين العراقيين، هل الغاية هي التشفي والثأر وزرع البلبلة؟! أم إشغال المحتل لغاية في نفس يعقوب والآخرين؟! أم لعل الأمر بعث الراية الوطنية مرة أخرى بالتعارض مع الديمقراطية والحريات العامة؟!.

ولنسأل عن طابع الدولة وماهية المشروع السياسي الذي يتطلع المقاومون لبنائه بعد طرد المحتلين؟! وأين مسؤوليتهم من احتمال اندلاع حرب أهلية وصراعات قومية لا تبقي ولا تذر، وتدفع بالمجتمع العراقي إلى بؤرة التشرذم والانقسام بما يخدم في نهاية المطاف أعداء العراق والمتربصين به طمعا؟!

إن ظاهرة المقاومة العراقية ومآل عملياتها العسكرية وجدواها أعادت إلى دائرة الجدل الساخن العلاقة بين الغاية والوسائل، وطرحت أسئلة عن وسائل طرد المحتل مع المحافظة على صحة المسار الديمقراطي في ظل شروط بالغة الدقة والتعقيد، وأيضا عن صواب اللجوء الى وسائل غير مشروعة إنسانيا أو لا ديمقراطية من أجل تحقيق غرض سياسي مهما كان عادلا ومشروعا، وبالتالي عن المآل الذي سوف نصل إليه إذا انتصرنا لمناخ الحروب وللمنطق القائل باستخدام القوة والعنف الأعمى؟! أليس في هذا السلوك انجرار إلى وسائل العدو التي ندينها ونجرمه عليها، ومن ثم خضوع لقواعد لعبة يسعى كي يفرضها علينا في ظل توازن قوى يميل على نحو كاسح لمصلحته؟!

لا شك أن التجربة العراقية برهنت للعراقيين قبل غيرهم أن نبذ العنف واعتماد أساليب النضال الديمقراطي هو أحد أهم وجوه النضال وأكثرها إلحاحا في الوقت الراهن لمقاومة الاحتلال وإلحاق الهزيمة به وللخروج من مستنقع الانحطاط والتفسخ، في ظل حقيقة لا يجوز تجاهلها بعد الآن تقول إن قدر المجتمعات الضعيفة والمتخلفة أن تلجأ أساسا إلى مختلف الوسائل المدنية الديمقراطية لمقاومة الاحتلال كي تربح المعركة الأخلاقية إنسانيا وعالميا أمام عدو مدجج بأعتى أنواع الأسلحة وقوة اقتصادية وتكنولوجية مذهلة.

يخطئ من يعتقد أن هذه الطريق دعوة إلى الاستسلام أو الخنوع، بل لعلها الطريق الأجدى كي لا نكرر هزائمنا وانكساراتنا ونصل إلى هدفنا المنشود بأقل معاناة وألم، ونتجنب تاليا أن تفضي الوسائل غير الديمقراطية إلى إقصاء الناس عن دورهم أو إلى الانتقاص من طابع الهدف أو تشويهه ومن ثم إجهاضه ما يستدعي دورة جديدة من المعاناة والتضحيات.

مطلوب وقفة نقدية جريئة


النظرة المتأنية إلى ما يعانيه العراق اليوم تكشف عن جذور المشكلة التي تعود أساسا إلى انعدام الثقة بالإنسان العربي، وغياب الحريات والتعددية السياسية، ومناخ الشمولية والاستبداد

لقد هزت الكارثة العراقية العقل السياسي العربي هزا عنيفا وزادت من حجم الهوة والثقة بينه وبين المجتمع، ويحتاج جسرها إلى ما يشبه الثورة في المفاهيم وفي طرائق التفكير، تبدأ بوقفة نقدية جريئة تكشف عن أسباب عجز المثقفين العرب وتقصيرهم وأهم ما ارتكبوه من أخطاء، وتحديدا لجهة تغاضي معظمهم أو صمتهم، تحت شتى الحجج والذرائع، عن حالات الاستبداد والعنف والاضطهاد التي مارستها السلطات العربية بحق شعوبها، بما يعني أول ما يعني المسارعة إلى فك هذا الارتباط المرضي مع الأنظمة والحكام جنبا إلى جنب مع التحرر من أوهام الإيديولوجيات، وإعادة الاعتبار لدور الإنسان بوصفه المحرك الرئيس لكل تحدٍّ وتطور، ودونه لا يمكن تعويض حالة العجز والقصور أمام توازن قوى يميل على نحو كاسح ضدنا.

لقد جربت المجتمعات العربية كل الخيارات الأيدولوجية والسياسية بقديمها وحديثها وكانت النتائج مخيبة للآمال، فلا الأرض تحررت ولا الوحدة القومية أنجزت ولا حدثت النهضة المنشودة ولا ارتقى الإنسان إلى مجتمع العدالة والحرية.

ونظرة متأنية ومتفحصة إلى هذه النتائج التاريخية وإلى ما يعانيه العراق اليوم تسقط الكثير من الأوهام المعششة في الأذهان وتكشف في الوقت نفسه بساطة المشكلة وأنها تعود أساسا إلى انعدام الثقة بالإنسان العربي، وإلى غياب الحريات والتعددية السياسية، وإلى مناخ الشمولية والاستبداد الذي ساد أمدا طويلا ودفع بالتجارب جميعها إلى طريق مسدودة.
______________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة