المشكلات التنموية في أفريقيا   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:25 (مكة المكرمة)، 16:25 (غرينتش)

تساؤلات كثيرة عن مدى استفادة الشعوب والمجتمعات الأفريقية من القروض والمنح والمساعدات الاقتصادية التي قدمتها الدول الأجنبية ومن بينها دول غنية في العالم العربي على مدى الأربعين عاما الماضية.. أين ذهبت هذه الأموال؟ ولماذا وصلت المشكلات التنموية في القارة إلى ما وصلت إليه؟

الأسباب الخارجية
تتعلق بعلاقة الدول الأفريقية بالقوى الخارجية, ومن أهم هذه الأسباب المساعدات الخارجية وأزمة الديون. فقد بدأت الدول الأفريقية في الاعتماد على المساعدات والقروض الخارجية منذ استقلالها وحصلت عليها من دول المعسكرين الشرقي والغربي في إطار ظروف الحرب الباردة ورغبة كل معسكر في استقطاب حلفاء له في القارة. وبعد انتهاء الحرب الباردة أصبحت المساعدات الغربية إلى دول القارة الأفريقية مساعدات مشروطة بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان.

وقضية المساعدات والقروض الخارجية تثير عدة تساؤلات, فهل بالفعل تقدم هذه المساعدات والقروض لدعم التنمية في الدول الأفريقية المستقبلة لها، أم أنها تقدم لتحقيق أغراض خاصة للدول المانحة سواء لدعم بعض الأنظمة السياسية الأفريقية التي تحقق مصالحها أو كوسيلة لدفع الدول المستقبلة للمعونات لوضع سياسات تعزز من السيطرة الاقتصادية لهذه الأطراف الخارجية؟.

ولا شك أن الاعتماد على هذه المساعدات والقروض الخارجية يخلق قيدا من التبعية قد لا يمكن التخلي عنه, فقد اعتمدت دول القارة إبان الحرب الباردة على المساعدات التي كانت بمثابة مبدأ ثابت في علاقاتها مع القوى الخارجية واعتبرت أن هذا المبدأ سيظل ثابتا. لكن ذلك المبدأ تغير إلى آخر أكثر واقعية بدأت الولايات المتحدة التركيز عليه في إطار علاقاتها مع دول القارة, وهو مبدأ التجارة وليس المساعدات باعتباره أكثر ملاءمة لتحقيق مصالحها.

ولكن من ناحية أخرى غالبا ما يثار أن الفقر والافتقار إلى المهارات يجعل مساعدة الدول الغنية للقارة الأفريقية أمرا حتميا في السنوات القادمة. ومازالت العديد من الدول الأفريقية تعتبر المساعدات الخارجية بندا هاما في ميزانياتها. وطالما ظل هذا الوضع ساريا فستسير خطط التنمية وفقا لما تراه الدول المانحة, أو كما قال الرئيس التنزاني السابق جوليوس نير يري "إن الاستقلال لا يمكن أن يكون استقلالا حقيقيا إذا اعتمدت الدولة على المنح والقروض لتحقيق التنمية".


هل بالفعل تقدم المساعدات والقروض لدعم التنمية في الدول الأفريقية المستقبلة لها أم أنها تقدم لتحقيق أغراض خاصة للدول المانحة؟
وقد وصلت نسبة الديون في كثير من دول القارة إلى معدلات عالية, فارتفع متوسط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في دول أفريقيا جنوب الصحراء من 51% إلى حوالي 100% خلال عامي 1982 و1992. ويمكن ملاحظة أن هناك عدة دول أفريقية يزيد حجم الديون على ناتجها المحلي الإجمالي ولا يوجد سوى عدد محدود من الدول التي تعتبر ديونها في مستوى التحكم.

والمصادر الرئيسية لهذه المساعدات والقروض تأتي من بريطانيا وفرنسا -كدول استعمارية سابقة تسعى إلى حماية مصالحها في أفريقيا- والولايات المتحدة واليابان والتي تسعى إلى تأمين وصول بعض المواد الخام إليها من بعض الدول الأفريقية، هذا بالإضافة إلى المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين. وهذه المؤسسات بدأت منذ الثمانينيات في ربط قروضها ومساعداتها ببرامج التكيف الهيكلي التي تتضمن تطبيق سياسات الخصخصة وتخفيض التعريفات الجمركية على الواردات الغربية وتخفيض الدعم عن بعض السلع الأساسية، ثم بدأت تلك المشروطية الاقتصادية تقترن بالمشروطية السياسية التي تتطلب تحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كشروط للحصول على المساعدات والقروض.

وعلى مدى أكثر من 40 عاما تلقت فيها الدول الأفريقية المساعدات والقروض الخارجية مازال يثار العديد من التساؤلات: ماذا حققت تلك المساعدات؟ ولماذا لم تؤد إلى تحسين مستويات المعيشة أو توفير شروط تحقيق التنمية المستدامة؟.


على مدى أكثر من 40 عاما تلقت فيها الدول الأفريقية المساعدات والقروض الخارجية مازال يثار العديد من التساؤلات: ماذا حققت تلك المساعدات؟ ولماذا لم تؤد إلى تحسين مستويات المعيشة أو توفير شروط تحقيق التنمية المستدامة؟
الأسباب الداخلية
ولا تنتج مشكلات التنمية الأفريقية من مصادر خارجية فقط حيث توجد عدة مصادر وأسباب داخلية للأزمات الاقتصادية الأفريقية، وهي التي لخصها تقرير البنك الدولي عام 1996 بالقول إن معظم الدول الأفريقية تعاني من أزمة في الحكم وكفاءة الدولة. فهذه الدول ينتشر الفساد في جهازها الإداري والسياسي حيث تنظر النخب الأفريقية لموقعها على أنه مصدر لإثرائها. كما تعاني بعض الدول الأفريقية من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي يؤثر في الأداء الاقتصادي. فبعد استقلال الدول الأفريقية دخل العديد منها في حروب أهلية حتى إن بعض الدول لم يتعد النمو السنوي في ناتجها الإجمالي 0.5% في الفترة بين عامي 1965 و1985. وما زالت الصراعات الأهلية دائرة في بعض دول القارة (جنوب السودان والكونغو الديمقراطية وأنغولا).

يضاف إلى ذلك عدم وجود القوة البشرية المناسبة لتحقيق التنمية نظرا لانخفاض مستوى التعليم والرعاية الصحية في كثير من دول القارة. وهناك عدد من دول القارة (ومنها أنغولا وإثيوبيا وموزمبيق) زاد إنفاقها العسكري على إنفاقها على التعليم والصحة. ومن أخطر المشكلات الصحية التي تواجه القارة انتشار مرض الإيدز الذي أعلنت منظمة التجارة العالمية أن حوالي 25 مليون مواطن يعانون منه مما أدى إلى انخفاض متوسط العمر المتوقع في خمس دول أفريقية أواخر عام 2000 إلى أقل من 40 عاما (بوتسوانا وملاوي وسوازيلاند وزيمبابوي وزامبيا).

ومن ناحية أخرى تعاني معظم الدول الأفريقية من تدهور في بنيتها الأساسية اللازمة للتنمية، ولدعم القطاعات الصناعية الأفريقية التي ما زالت لا تحتل نسبة كبيرة من الدخل القومي بسبب عدم وجود عمالة ماهرة، ومحدودية الأسواق المحلية، وعدم توافر التكنولوجيا المتقدمة، مما لا يجعل القارة الأفريقية بصفة عامة مصدرا لجذب الاستثمار الأجنبي، والذي قدر عام 1998 بنحو 5% فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الموجهة إلى الدول النامية.

ووجود هذه المعوقات السابقة يعني أن الدول الأفريقية أمامها طريق شاق لتحقيق التنمية يحتاج إلى إرادة حقيقية من تلك الدول.
_______________
تقرير معد لموقع الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة