إيران وخلفيات الأزمة مع أميركا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

الذكرى الـ21 لأزمة الرهائن الأميركيين بإيران

بقلم/ جمال باروت

تضرب الأزمة الراهنة في العلاقات الأميركية الإيرانية جذورها في التوتر الشديد الذي لحق بها بعد نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران بإسقاط نظام الشاه، والذي تكثف مظهره برمته يومذاك في أزمة "الرهائن" الدبلوماسيين الأميركيين في العام 1979، التي لعبت مضاعفاتها الأميركية الداخلية دورا حاسما في سقوط الرئيس الأميركي كارتر أمام مرشح الحزب الجمهوري ريغان، وسرعت قطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران عام 1980.

العامل الأمني وخلفيات الأزمة
تصعيد الديمقراطيين ضد إيران
سياسة الأحتواء المعزز
المحافظون الجدد وإيران
طبيعة استقطابات النظام الإيراني

العامل الأمني وخلفيات الأزمة

رونالد ريغان

ورغم أن "الثورة الإسلامية" قد استثارت لدى مساعدي ريغان ومستشاريهم، لا سيما بعد اتهام خلايا شيعية لبنانية راديكالية (حزب الله) بتفجير مقر المارينز الأميركيين في لبنان عام 1982، نوعا من خطاب "عصابي" ضد إسلاموية النظام الجديد المعادي الذي رفع شعار "الموت لأميركا" ووصفها بـ"الشيطان الأكبر"، فإن وزن العوامل الإيديولوجية-الثقافية المستثارة بشدة كان هنا نسبيا ومحكوما بالعوامل الأمنية الإستراتيجية، وليس العكس.

ومن هنا دعمت واشنطن صدام حسين في الحرب ضد إيران ( 1980-1988) في المقام الأول لأسباب أمنية إستراتيجية وليست إيديولوجية-ثقافية، وتتكثف في إرغام النظام الجديد على الارتداد إلى الداخل، وتطويق طموحاته "التوسعية" المغطاة إسلامويا بـ"تصدير الثورة"، وقلب النظم الصديقة لأميركا في منطقة الخليج العربي.

ولقد أسهم الغزو السوفياتي لأفغانستان في ديسمبر/ كانون الأول 1979، واستثمار أميركا لـ"الجهادية" الإسلامية المنبعثة ضده، في "كبح" وزن العوامل الإيديولوجية في توجيه السياسة الخارجية، إذ قامت خطط التصور الإستراتيجية الأميركية، في سياق ظرفيات الحرب الباردة وبروز أولويات تحطيم "إمبراطورية الشر" أي الاتحاد السوفياتي على أن "العدو الحقيقي هو الشيوعية السوفياتية والمحليون الدائرون في فلكها وليس الإسلامويين" .

دلائل العامل الأمني
تفسر أولوية العوامل الأمنية-الإستراتيجية على العوامل الإيديولوجية، دخول أميركا عبر أساليب الدبلوماسية السرية في الصفقة مع إيران التي ارتبطت بما بات يسمى بـ"إيران غيت"، ومحاولتها في العام 1986 إزاء تخوفها من طموحات الرئيس العراقي لاستخدام استمرار الحرب مظلة لسيطرته الإقليمية على منطقة الخليج العربي دعم إيران لإلحاق هزيمة بالجيش العراقي في الفاو تفضي إلى انقلاب عسكري على صدام حسين.

ولم يكن ذلك يعبر عن تبدل جوهري في الموقف الأميركي من إيران الموضوعة منذ العام 1984 على قائمة الدول الداعمة لـ"الإرهاب"، والمجدد قانون الحظر حولها في العام 1988 بقدر ما كان يعبر عن موقف براغماتي تكتيكي أملته أولويات العوامل الأمنية الإستراتيجية، في استخدام كل من الزعامتين العراقية والإيرانية إحداهما ضد الأخرى لتطويق طموحاتهما التوسعية.

وفي هذا السياق الذي تحدى فيه صدام حسين قواعد اللعبة، وقام بغزو الكويت (أغسطس/ آب 1990) لتأكيد سيطرته الإقليمية جاءت عملية وضع العراق تحت الحصار وإخراجه عنوة من الكويت، ثم تطويقه واحتلاله في التاسع من أبريل/ نيسان 2003.

تصعيد الديمقراطيين ضد إيران


بلورت إدارة كلينتون أسس المنظومة الثلاثية في احتواء إيران وهي: معارضة عملية السلام ودعم المنظمات "الإرهابية" المقاومة لها والسعي للحصول على السلاح النووي

لم تتدهور العلاقات الأميركية-الإيرانية نهائيا في عهد الجمهوريين الذين استأنفوا منذ العام 1989 التبادل التجاري الواسع مع إيران الذي تنامى بسرعة لتبلغ قيمته في العام 1993 حوالي ألف مليون دولار، ولتكون الولايات المتحدة بحلول منتصف ذلك العام ثامن أكبر المصدرين إلى إيران، لكنها وصلت إلى الحضيض في عهد الديمقراطيين، وتحديدا في فترة إدارة كلينتون التي ورثت قيود الإدارتين الجمهوريتين السابقتين في العلاقة مع إيران، لكنها طورتها بشكل غير مسبوق، وأوصلتها في العام 1993 إلى سياسة "الاحتواء المزدوج" لكل من إيران والعراق.

ورغم أن إدارة كلينتون لم تتبن في شروط نهاية الحرب الباردة وبروز العولمة وانطلاق عملية مدريد للسلام العربي- الإسرائيلي نظرية "الخطر الأخضر" المنبعثة بقوة، بل ميزت بين الاعتدال والتطرف الإسلاميين فإنها تعاملت مع إيران بوصفها تمثل "قوى الرعب والتطرف" في المنطقة حسب وصف كلينتون وأخرجتها من مجال التمييز ذلك.

سياسة الاحتواء المعزز

بيل كلينتون

حاولت إدارة كلينتون أن تطور احتواء إيران إلى مطاردة لا هوادة فيها، أو ما سمي بـ"الاحتواء المعزز". ومن هنا قامت بإقصاء مسؤولي الإدارة الذين يقولون بالحوار معها، وكانت هي التي صاغت بشكل "عصابيٍ" قبل الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش جميع التعابير والنعوت التي تدخل في اعتبار إيران دولة "مارقة" و"شريرة" و"طريدة العدالة الدولية". بقدر ما بذلت ضغوطا هائلة على الأوروبيين والروس الذين تمسكوا بمبدأ الحوار الإيجابي الضاغط لإيقاف مبادلاتهم التجارية الواسعة معها.

قامت إدارة كلينتون في هذا السياق بالتضحية بالمصالح الأميركية التجارية والاستثمارية التي فتح لها التيار البراغماتي الإيراني الوليد بعد رحيل الإمام الخميني الباب للتخفيف من ضغوط الاحتواء والتطويق. وتجلى ذلك في منتصف التسعينيات بإرغام شركة كانكون الأميركية على التخلي عن استثمارها "المغري" في إيران، وفي فرض الحظر على جميع أنواع التجارة والاستثمار معها وفيها، وكذلك على الشركات الأجنبية التي يتجاوز حجم استثمارها النفطي مع إيران أربعين مليون دولار.

أسس سياسة الاحتواء المعزز
ولقد ارتبط ذلك بمعارضة إيران النشطة لعملية سلام الشرق الأوسط، وتبنيها لحزب الله ودعم منظمات المقاومة الفلسطينية الراديكالية المعادية لاتفاق أوسلو ( 1993) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ومحاولة امتلاك السلاح النووي.

وفي حدود العام 1995 بلورت إدارة كلينتون بشكل حاسم أسس المنظومة الثلاثية في الاحتواء المعزز لإيران، التي غدا تكرارها من باب "اللازمة" الصلبة في كل أقوال وتصريحات مسؤولي الإدارة، وتتكثف هذه المنظومة المترابطة، بمعارضة عملية السلام، ودعم المنظمات "الإرهابية" المقاومة لها والسعي للحصول على السلاح النووي. ودعمت ذلك بإجازة قيام المخابرات المركزية الأميركية بعمل سري لتقويض النظام الإيراني.

المحافظون الجدد وإيران

جورج بوش الابن

ولم تفعل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول سوى تبني هذه المنظومة الثلاثية الكلينتونية بدقة، لكن مع تركيز كبير على وزن العوامل الإيديولوجية-الثقافية الناتجة عن نفوذ المحافظين الجدد في مفاصل الإدارة، والتحول من سياسة "الاحتواء المعزز" في مذهب كلينتون التي اعتبرها المحافظون الجدد عقيمة وغير مجدية، إلى سياسة الضربة الاستباقية في مذهب بوش.

تم هذا في سياق تحول الولايات المتحدة (الإمبراطوري) بعد الهجمات من إدارة العالم إلى قيادته، ووضعها إعادة تنظيم منطقة الشرق الأوسط على غرار إعادة تنظيم أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، في مقدمة أولوياتها القومية (الإمبراطورية) وضغط المحافظين الجدد لوضع إيران في مجال الهدف الثاني بعد العراق وتعطيل استئناف الحوار معها وفي ما يلي تلخيص لأسس الأزمة الثلاثة:

1- برامج التسلح الإيرانية
فرضت حالة تجفيف ينابيع التسلح التي واجهتها إيران إبان الحرب العراقية-الإيرانية، اللجوء إلى الاعتماد الذاتي في التصنيع العسكري البديل عن الاستيراد في مجال الأسلحة التقليدية، بحيث تستطيع إيران إنتاج 50 نوعا من العتاد الخاص بالمدافع وقذائف الهاون والدبابات التي تحتل مكانة أساسية في العقيدة الدفاعية الإيرانية ضد الأخطار التي تتوقعها من جيرانها، وتسد 70% من حاجتها في أي حرب تقليدية محتملة.

صاروخ شهاب-3 الإيراني
وقد تمكنت إيران في العام 1994 من تصنيع دبابة ذو الفقار من قطع الدبابتين الأميركيتين 48M و60M. وتنفق على التصنيع العسكري ثلث ميزانيتها المخصصة للاستيراد العسكري. ولكن ما يثير واشنطن ليس مجال السلاح التقليدي بل مجال السلاح النووي الذي يمكن تحميل الصواريخ به، ففي مجال الأسلحة الباليستية التي برز تأثيرها في "حرب المدن" بين العراق وإيران، تمكنت إيران مؤخرا بالاعتماد على كل من الصين وكوريا الشمالية من تطوير تجاربها وصولا إلى تصنيع صاروخ شهاب–3 الذي يصل مداه إلى حوالي 1300 كم.

في حين أنها تمتلك مخزونا من صواريخ الجيل الأول من الصواريخ الجوالة، مثل صواريخ سيلك وورم (الصينية) التي يمكن إطلاقها من منصات متنقلة أو ثابتة، بحرية أو برية، ويسهل نقلها في السفن التجارية، ما يثير الذعر الأميركي من إمكانية وصولها إلى المنظمات" الإرهابية" التي تتهم الولايات المتحدة إيران بدعمها، وتمكنت في الآونة الأخيرة من امتلاك تكنولوجيا تطوير صاروخ جي-2 والشروع بتصنيعه محليا.

الهلع الأميركي الأكبر الذي لا يتسامح مع امتلاك" الصغار"، يصدر عن البرنامج النووي الإيراني، الذي شكل التعاون الإيراني-الروسي منذ العام 1995 أساسه في بناء محطة بوشهر. ولم تتمكن إدارة كلينتون من عرقلة هذا التعاون الذي كشف عنه في العام 1995، رغم كل الضغوط التي مارستها على روسيا ووصلت إلى حد تهديدها لكن التحذير الاستخباراتي والبحثي الأميركي من أن إيران ستمتلك ما بين العامين 2000-2005 القنبلة النووية يعود إلى العام 1992.

وفي العام 1995 نفى هانز بليكس المدير العام لوكالة الطاقة الذرية الدولية التي تشكل إيران عضوا فيها، وجود أي استخدام إيراني غير سلمي للطاقة النووية، لكن مذهب كلينتون وضعها في إطار الخطر الإستراتيجي على الأمن الدولي، ومأسسها الرئيس جورج دبليو بوش في خطاب (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002) في محور "دول الشر". ويشكل ضغط الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إيران للكشف عن برنامجها النووي الذي اكتشفت الوكالة فيه آثار عملية التخصيب والتهديد بإحالته إلى مجلس الأمن الدولي في حال عدم استجابتها لذلك حتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2003، والتلويح بالسيناريو العراقي أخطر محطات الأزمة الراهنة.

2- دعم المنظمات "الإرهابية"
عدد من مقاتلي حزب الله اللبناني
يرتبط المنظور الأميركي لخطورة البرنامج النووي الإيراني على المستوى الإقليمي الشرق أوسطي، بشكل أساسي، بمدى فرضية خطورته على إسرائيل التي يعتبرها مفهوم الأمن القومي الإيراني عدوا إستراتيجيا مباشرا لإيران بقدر ما تعتبر إسرائيل إيران من دول" الطوق الثاني". وفي ضوء موقع القضية الفلسطينية في عقيدة الأمن القومي الإيراني يأتي دعم منظمات المقاومة الفلسطينية الراديكالية وحزب الله في لبنان المعارضة لعملية السلام، والمجرّمة بـ"الإرهاب" بعد هجمات سبتمبر/ أيلول. وفي حين يتركز الدعم الإيراني لمنظمات المقاومة الفلسطينية الراديكالية على الدعم المالي والتدريبي، وفي مقدمتها المنظمات الإسلامية الراديكالية؛ (حركتا حماس والجهاد الإسلامي) فإن دعمها المركزي يتركز على حزب الله في لبنان، الذي تكون أساسا في سياق مشروعات تكوين إيران "الثورة" لشبكة "حزب الله" في منطقة المشرق والخليج العربي، لكن لم ينجح من هذه الشبكة سوى حزب الله في لبنان، الذي وإن اشتكى أحيانا من تأخر الدعم، فإنه يمتلك بعض أهم إنجازات الصناعة الصاروخية العسكرية الإيرانية، من منظومة صواريخ شهاب قصيرة المدى. ويعتنق الحزب نظريا ولاية الفقيه (الرسمية) الإيرانية، ويمثل أمينه العام السيد حسن نصر الله وكيلا شرعيا للقائد المرشد في إيران، ويرتبط عضويا تبعا لذلك مع المحافظين الإيرانيين.

3- إعاقة عملية السلام (في فلسطين والعراق)
يشكل ما يعتبر أميركيا إعاقة إيرانية منهجية مسبقة لعملية السلام في الشرق الأوسط، منذ انطلاقها في عملية مدريد ومعارضتها لاتفاق أوسلو، ودعم حركتي حماس والجهاد في مواجهة خارطة الطريق، فضلا عن تبني حزب الله أحد أبرز محاور الأزمة الدائمة، ولكن إدارة بوش أضافت إلى هذا العنصر التقليدي في منظومة كلينتون، الموقف الإيراني من تطورات الوضع العراقي بعد الاحتلال، مع أن هذا الموقف تميز بسياسة الحياد النشط في الحربين ضد أفغانستان والعراق. وفي هذا السياق تتكاثف ادعاءات أميركا بتدخل إيران في الشأن الداخلي العراقي، و"تمريرها" للمقاومين الأجانب.

طبيعة استقطابات النظام الإيراني واحتمالاتها في سياق احتدام الأزمة

لقد بنت إيران عقيدتها الدفاعية بعد مرارة الحرب العراقية-الإيرانية على أساس الردع، إذ يرى مخططوها الإستراتيجيون أنها الدولة الوحيدة التي يفرض عليها المحيط الجيو-سياسي المتبدل بقسوة على حدودها، أن ترتكز إلى قواها الذاتية، بحكم أنها ليست جزءا من أي منظومة إقليمية أو دولية سياسية-دفاعية تضمن أو تدعم أمنها. لكن هذه العقيدة تكشف عن أن إيران تنظر إلى جوارها إستراتيجيا بنظرة غير "صديقة"، مع أن إسقاط نظامي طالبان وصدام حسين ولا سيما هذا الأخير قد صبا إستراتيجيا على المدى البعيد في مصلحتها ووضعاها في موقع القوة الإقليمية.


منطق الإصلاحيين في تجاذبهم مع المحافظين هو تقليل الخسائر إذا لم يكن بإمكانك تحقيق المغانم

يشكل الصراع على مفهوم الأمن القومي الإيراني بعد زوال الخطر العراقي، أحد أخطر موضوعات الاستقطاب بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، وتمتزج في هذا الصراع قضايا داخلية ومؤسسية بالغة التعقيد. فالإصلاحيون الذين أوصلوا رمزهم المعتدل خاتمي في مايو/ أيار 1997 إلى رئاسة الجمهورية وسيطروا سياسيا على البرلمان هم طيف واسع التدرجات، لكن دماغه يتركز في رؤية الأمن القومي عبر معادلة الفارسية- الإسلام- الغرب.

فعلى مستوى عملية السلام يعني أن القضية الفلسطينية شأن فلسطيني، تدعم فيه إيران ما يقرره الفلسطينيون أسوة بمنظومة الدول العربية والإسلامية، وأن حزب الله بات حزبا لبنانيا لا شأن لإيران به خارج عملية الدعم السياسي والمعنوي، وفق مصالحها القومية (إيران أولا). بينما تتركز معادلة المحافظين على رؤية الأمن القومي عبر متوالية الإسلام- الفارسية- العرب، وتعتبر القضية الفلسطينية جزءا محوريا من محاور إستراتيجية الأمن القومي.

الرئيس الإيراني محمد خاتمي
إن الاستقطابات الداخلية بين المحافظين والإصلاحيين قد طرحت لأول مرة تحويل الولاية (ولاية الفقيه) إلى "وكالة" (ولاية الأمة على نفسها في عصر الغيبة)، أي تقويض سلطة المحافظين المسيطرة، وفي حين يبدي التيار الإصلاحي مرونة براغماتية كبيرة في الانفتاح على الأميركان، فإن اعتراض صقور الإدارة على الحوار مع إيران قد شجع المحافظين على تجريم كل من يدعو للحوار مع أميركا والحكم عليه بالسجن، حتى لو قال ذلك في شكل استطلاع، لا سيما بعد وضع الإدارة الأميركية للإصلاحيين في إطار أجندة التخلص من سلطة المحافظين.

إن الضغوط الأميركية الجديدة المعززة ستتدخل في التجاذبات ما بين نظرية الإصلاحيين "إيران أولا" ونظرية المحافظين "إيران مركز أم القرى".

وفي حين ضعفت نظرية المحافظين إلى حد بعيد منذ رحيل الإمام الخميني إلى درجة بات فيها شعار "الموت لأميركا" رغم ترداده حتى الآن في التظاهرات من فولكلوريات عهد الثورة، فإن تعزز قدرة الإصلاحيين على الوصول إلى السلطة الفعلية يحتمل إعادة النظر جذريا بإستراتيجية الأمن القومي الإيراني، وإخراج كل من العراق وإسرائيل من مجال تعريفها للعدو الإستراتيجي المباشر، أي إخراج إيران من موقع دول" الطوق الثاني" حول إسرائيل والتخلي عن حزب الله، وتعزيز تطبيع العلاقات مع دول الجوار، والتخلي عن مفهوم الجوار" غير الصديق" والبحث معها عن صيغة إقليمية قانونية متكافئة حول نفط بحر قزوين، مما يسهم في تخفيف حدة الضغوط الأميركية، ويجعل من ضبط البرنامج النووي الإيراني في المجالات السلمية مسألة ملحة لنزع ذرائع الضغوط الأميركية على إيران.

فمنطق الإصلاحيين في تجاذبهم مع المحافظين هو تقليل الخسائر إذا لم يكن بإمكانك تحقيق المغانم، وفي هذا السياق سيحدد شكل معالجة الأزمة الراهنة بين الوكالة والبرنامج النووي الإيراني إلى حد كبير عوامل إعادة بناء مفهوم الأمن القومي في محيط جيو-سياسي-أمني متبدل.
_______________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة