الحالة التنظيمية لحركة الإخوان المسلمين   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:33 (مكة المكرمة)، 16:33 (غرينتش)

* بقلم/ أبو العلا ماضي

أبو العلا ماضي
لا شك أن حركة الإخوان المسلمين هي أهم حركة إسلامية في العصر الحديث أثرت في كثير من بلدان العالم العربي وبعض بلدان العالم الإسلامي, كما أثرت في الجاليات العربية والمسلمة في بلدان الغرب, واستمر هذا التأثير طيلة الـ 75 عاما الماضية. حيث أسس الإمام حسن البنا هذه الدعوة عام 1928, بدأها من مدينة الإسماعيلية على ضفاف قناة السويس وهي في ظل الاحتلال البريطاني, ثم انتقل إلى القاهرة ومنها انتقلت دعوته إلى باقي أنحاء مصر, ثم خرجت بعد ذلك لعدد من الدول العربية.
لقد امتد تأثير الحركة جغرافيا كما ذكرنا كما امتد زمنيا ومرت بمراحل عدة خاصة في بلد المنشأ وهو مصر.

مراحل تاريخية

وإذا أردنا أن نقسم هذه الفترة زمانيا فتكون كالتالي:

الفترة الأولى
هي فترة التأسيس والانتشار وهي منذ عام 1928م حتى اغتيال الإمام البنا في 12 فبراير/شباط عام 1949.

الفترة الثانية
استمرت الجماعة بغير اختيار لمرشد جديد حتى عام 1951 حيث تم اختيار المستشار حسن الهضيبي واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1954 حيث الصدام التاريخي الشهير بين النظام الناصري الجديد والإخوان بعد فترة وفاق لم تدم طويلا.

الفترة الثالثة
استمرت فترة الصدام منذ عام 1954 حيث اتهم النظام الناصري الإخوان بتدبير محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر في ميدان المنشية في مدينة الإسكندرية, واستمرت هذه الفترة حتى عام 1970 بوفاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.

الفترة الرابعة
وبدأ الإخوان عهدا جديدا مع الرئيس أنور السادات حيث بدأ بالإفراج عن الإخوان منذ عام 1971حتى أفرج عن الجميع في عام 1975.

الفترة الحالية
بدأت المرحلة الأخيرة في عمر الجماعة منذ ذلك الحين حتى الآن حيث فترة إعادة بناء الجماعة وانتشارها مرة أخرى, وبالرغم من أن الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان استمر مرشدا حتى وفاته عام 1973. وكانت هناك بعض الأنشطة المحدودة في هذه الفترة إلا أني أعتبر أن البداية الحقيقية لعودة جماعة الإخوان مرة أخرى في مصر هي مع اختيار الأستاذ عمر التلمساني عام 1976 وحتى الآن أي أكثر من خمسة وعشرين عاما, وسوف أركز في هذه الدراسة على هذه الفترة الزمنية أي منذ عام 1976 حتى الآن.


التنظيم الذي تشكل من خلال دعوة الإخوان المسلمين لم يكن على مستوى نجاحها, بل أخفق كثيرا في تحقيق أهدافه وخاصة في الفترات التي تلت استشهاد حسن البنا

وحيث تكلمنا في هذه المقدمة عن البعد المكاني للحركة والبعد الزماني, فأرى من المهم أن نتحدث عن البعد الوظيفي لها, فكما يذكر مؤرخو الحركة ومنظروها والمراقبون والدارسون الإسلاميون عن أن دعوة الإخوان كانت رد فعل عمليا لسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية رسميا على يد كمال أتاتورك في تركيا عام 1924, وكذلك كرد فعل على حالة التفسخ والتغريب التي انتشرت في المجتمع المصري في ظل وجود الاستعمار البريطاني في ذلك الوقت, فكانت دعوة الإخوان ومرشدها الإمام حسن البنا هي دعوة للعودة للتمسك بالإسلام منهجا كاملا للحياة ينظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والأمة الإسلامية كلها, فكانت هذه الدعوة بمثابة مدرسة أثرت وانتشرت في المجتمع المصري والعربي وبعض البلدان الإسلامية كما ذكرت, وتخرج في هذه المدرسة أعداد هائلة من البشر, أثر كل منهم فيمن حوله كما تخرج في هذه المدرسة مجموعات وكيانات ومؤسسات كلها أثرت في المجتمع والأمة تأثيرا مهما وهي بذلك مدرسة من أنجح المدارس في العصر الحديث.

إلا أن التنظيم الذي تشكل من خلال هذه الدعوة وهذه المدرسة لم يكن على مستوى نجاح المدرسة, بل أخفق كثيرا في تحقيق أهدافه وخاصة في الفترات التي تلت استشهاد الإمام حسن البنا, وعلى هذا فدراستنا هذه تركز على هذا الجانب وهو الجانب التنظيمي لحركة الإخوان.

المعضلات التنظيمية لحركة الإخوان

هناك نوعان من المعضلات:

  • معضلات تتعلق بالوضع القطري للحركة في البلد الأم (مصر)
  • ومعضلات تتعلق بالوضع الدولي للحركة أي التنظيم الدولي للإخوان.

المعضلات المتعلقة بالوضع القطري في مصر

ومن وجهة نظري هناك عدة أنواع بهذا الخصوص.

- المشروعية التاريخية لقيادة الجماعة الحالية
منذ خروج قيادات وأعضاء الجماعة من السجن في بداية عهد الرئيس السادات بدأت فكرة عودة النشاط تراود كثيرا منهم وكان المفروض أن يجتمع من بقي من قيادات الجماعة بتشكيلاتها الأساسية أي الهيئة التأسيسية للجماعة وهي أعلى سلطة, أو من بقي منهم أحياء وكذلك أعضاء مكتب الإرشاد أو من بقي منهم, لأن هاتين الجهتين هما أصحاب المشروعية في قيادة الجماعة واتخاذ قرارات بشأن إعادة تنظيمها أو إعادة النشاط, لكن ما حدث كان غير ذلك وخاصة بعد وفاة المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي الذي توفي عام 1973 كما أسلفنا, فقد اجتمعت قيادات الجهاز الخاص** لترتيب أوضاع الجماعة متجاهلة القيادات الشرعية للجماعة أي أعضاء الهيئة التأسيسية وأعضاء آخر مكتب إرشاد قبل حل الجماعة عام 1954, وقاموا باختيار مرشد سري وطالبوا الإخوان ببيعته فرفض الكثير، سواء من كان بداخل مصر أو من أقام في دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية. وبعد فترة من هذا الرفض ذهبوا للأستاذ عمر التلمساني وطلبوا منه أن يكون المرشد حيث إنه أكبر أعضاء مكتب الإرشاد الأحياء سنا ويلقى قبولا من كل الأطراف, وسيطر رجال الجهاز الخاص على الجماعة ودخلت أجيال جديدة لها متأثرة بما تعرضت له الجماعة من اضطهاد ولم تكن تعلم بمشكلة مشروعية القيادة الموجودة حيث كان أعضاء الهيئة التأسيسية ومن بقي من أعضاء مكتب الإرشاد المشار إليه يعتبرون أن هؤلاء ليسوا القيادة الشرعية, وظلت هذه المشكلة لفترة طويلة ضاغطة على القيادة الموجودة في الجماعة.

- طبيعة تشكيل الجماعة
حينما أسس الأستاذ البنا جماعة الإخوان في مصر عام 1928 كانت مسجلة كهيئة إسلامية شاملة وفق الدستور الذي كان موجودا في ذلك الوقت دستور عام 1923 والقانون المنظم لهذا الشأن, فكانت الجماعة هيئة دعوية وتربوية واجتماعية وتنشئ شركات وتدخل في المضمار السياسي في أواخر فترة الأستاذ البنا حيث ترشح للبرلمان مرتين, ثم حدثت تطورات كبيرة في المجتمع المصري بعد ذلك وخاصة بعد الصدام الشهير بين الجماعة والنظام الناصري في ذلك الوقت عام 1954، وحلت الجماعة وتم تغيير الدستور مرتين, مرة عام 1956, والثانية في ظل حكم الرئيس السادات عام 1971, وتغيرت كذلك النصوص القانونية المنظمة للشأن العام, وأصبح الدستور والقانون لا يسمح بالنشاط العام إلا من خلال شكلين إما حزب سياسي وفقا لقانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977, وإما جمعية خيرية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية وفقا للقانون رقم 32 لسنة 1964, الذي تغير أخيرا مرتين، مرة عام 1999 بالقانون رقم 153, ومرة هذا العام بالقانون رقم 84 لسنة 2002, وبالتالي عودة الجماعة بالشكل القديم كهيئة شاملة هو أمر مستحيل, وعلى ذلك كان يجب حسم قضية أي الأشكال أنسب لعودة نشاط الجماعة هل هي حزب سياسي تنافسي يسعى لتكوينه وفق قانون الأحزاب, أو جمعية خيرية دعوية إصلاحية وفق قانون الجمعيات؟ وأعتقد أن هذه المعضلة حول طبيعة تشكيل الجماعة مازالت قائمة.

- مشكلة الوجود القانوني للجماعة في مصر
منذ إعادة ترتيب الجماعة في عهد الرئيس السادات ومشكلة الوجود القانوني للحركة غير محسومة, حيث عرض الرئيس السادات على قيادات الجماعة -من خلال محافظ أسيوط الأسبق وأمين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي في عهد الرئيس السادات والرجل القوي والمقرب من الرئيس السادات- عودة الجماعة من خلال تأسيس حزب بغير اسم الإخوان المسلمين وإبعاد رجال الجهاز الخاص عنه, ولكن القيادات الموجودة في ذلك الوقت -وأغلبها من رجال الجهاز الخاص- رفضوا هذا العرض وتمسكوا باسم الجماعة (حسب رواية المرحوم محمد عثمان إسماعيل نفسه لي قبل وفاته ببضعة أشهر), فوافق الرئيس السادات على العمل الضمني دون رخصة وفق سياسة الضوء الأخضر, ولم تسع قيادات الجماعة في مصر سعيا حقيقيا منذ ذلك التاريخ حتى الآن لحل هذه المشكلة -مشكلة الوجود القانوني- مكتفية بالرد على من يطلب منها ذلك من أفراد الجماعة بأن هناك قضية مرفوعة في مجلس الدولة (القضاء الإداري) يطالب فيها الإخوان بالحكم ببطلان قرار حل الجماعة الصادر عن مجلس قيادة الثورة عام 1954, وهي قضية وهمية لأنه حتى لو حكمت المحكمة ببطلان قرار الحل فلن تعود الجماعة كما كانت بسبب تغيير الدستور مرتين -والقانون كذلك كما أسلفنا- وستأمر المحكمة في هذه الحالة -جدلا- بإعادة توفيق الأوضاع وفق القوانين الجديدة. أما التقدم بحزب أو جمعية فهو أمر لا يحتاج لحكم محكمة لأنه متاح أصلا بغير ذلك من الناحية النظرية.

المعضلات المتعلقة بالوضع الدولي للحركة
وهو الأمر المتعلق بالتنظيم الدولي للإخوان وهي فكرة حديثة بالنسبة لتاريخ الجماعة حيث انتشرت دعوة الإخوان كمدرسة كما ذكرت بشكل كبير وانتقلت الفكرة لعدة دول عربية في وقت مبكر مثل السودان وسوريا والأردن. ولكن لم يكن هناك تنظيم يربط بين هؤلاء والجماعة الأم في مصر إلا الارتباط الفكري والأدبي, حتى أوجد فكرة التنظيم الدولي المرشد الأخير المرحوم الأستاذ مصطفى مشهور الذي توفي منذ أيام حيث خرج من مصر في أعقاب قرارات التحفظ الشهيرة التي قام بها الرئيس السادات قبل اغتياله بشهر أي في سبتمبر/أيلول عام 1981 وتنقل الأستاذ مصطفى مشهور في هذه الفترة منذ عام 1982 حتى عام 1986 بين الكويت وألمانيا وأسس فيها ما عرف باسم التنظيم الدولي للإخوان, وهو يتكون من تشكيلين أساسيين هما مجلس شورى التنظيم الدولي ويتشكل بنسبة انتشار الإخوان في الأقطار المختلفة, ثم مكتب الإرشاد العالمي ويتكون من المرشد إضافة لثمانية أعضاء من بلد المرشد، وعدد آخر ينتخب من مجلس شورى التنظيم الدولي بنسبة توزيع الإخوان في باقي الأقطار المشاركة في التنظيم, ثم أجهزة وتشكيلات فنية تابعة لهذا التنظيم.

ومنذ تشكل هذا التنظيم وضعت له لائحة لم يتم الالتزام بها ولا مرة واحدة في قضية اختيار المرشد, فلقد كان أول اختبار لها عام 1986, حين توفى المرحوم الأستاذ عمر التلمساني فتم اختيار الأستاذ المرحوم محمد حامد أبو النصر بغير الالتزام بهذه اللائحة. حيث لم تكن توجد لائحة للإخوان في مصر تتناسق مع لائحة التنظيم الدولي ولم تكن توجد انتخابات حتى ذلك الوقت, ثم تطور الموقف بعد ذلك وحينما توفي المرحوم الأستاذ محمد حامد أبو النصر عام 1996, أيضا لم يتم تطبيق اللائحة بانتخاب الأستاذ مصطفى مشهور المرشد الجديد من مجلس الشورى المصري, وتم ما عرف ببيعة المقابر التي جعلت الهيئات القيادية في التنظيم الدولي تقبل راغمة إقرار ما تم بالمخالفة للائحة. كما أن الكثير من القرارات التي صدرت من مجموعة مكتب الإرشاد -وخاصة المقيمة في مصر- لم تلتزم بها قيادات الأقطار المعنية.

كما أن الإشكال الأكبر والذي برز منذ سنوات أن هناك عدة حكومات عربية ودولية تتعقب هذا التنظيم وهو غير مسجل قانونا في أي مكان وتضيق عليه ويترتب على وجوده أخطار وأضرار للحركة ولأفرادها، وما يتم من نقاط إيجابية أقل بكثير من سلبياته وعليه فقيادة الجماعة عليها الاختيار بين الاستمرار في هذا الوضع من بقاء التنظيم الدولي أو إعلان تجميده أو حله والاكتفاء بالتنسيق والتبادل الفكري والثقافي.

محاولات الإصلاح في الحركة

في الفترة الأخيرة من عمر الجماعة أي منذ منتصف السبعينات وحتى الآن كانت هناك محاولات للإصلاح إما من أفراد وإما من مجموعات.

محاولات إصلاحية من أفراد
هذه المحاولات من أفراد علماء أو مفكرين أو حركيين بعضهم كانت له صلة بالجماعة ثم انقطعت وبعضهم كانت له صلة واستمرت, وكانت أغلب هذه المحاولات الإصلاحية بالكتابة والتعبير عنها في كتب أو دراسات أو مقالات.


رفضت قيادات الإخوان التي كان أغلبها من النظام الخاص عرض السادات لهم بتأسيس حزب سياسي شريطة تغيير اسم الإخوان المسلمين وإبعاد أعضاء الجهاز الخاص من الجماعة.

من هؤلاء فضيلة الشيخ المرحوم محمد الغزالي وفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والمرحوم الأستاذ عمر التلمساني والمرحوم الأستاذ صلاح شادي والمرحوم الأستاذ جابر رزق، وكذلك كتابات الدكتور عبد الله النفيسي (الكويت) والأستاذ فريد عبد الخالق (مصر) والمرحوم الشيخ سعيد حوى (سوريا) -وخاصة كتاباته الأخيرة- والأستاذ كمال الهلباوي والشيخ راشد الغنوشي (تونس), والمرحوم الأستاذ عبد الحليم أبو شقة والأستاذ فتحي يكن والشيخ فيصل مولوي (لبنان)، كذلك كتابات مجموعة من المفكرين المستقلين أمثال المستشار طارق البشري والدكتورأحمد كمال أبو المجد والدكتور محمد سليم العوا والدكتور محمد عمارة والدكتور جمال عطية والدكتور سيد دسوقي.

محاولات إصلاحية من مجموعات
من أهم المجموعات التي حاولت القيام بدور إصلاحي للحركة سواء على مستوى الرؤى الفكرية أو الإصلاح الحركي:

  1. جناح د. حسن الترابي في السودان
    والذي قدم رؤى إصلاحية واصطدم بفكرة البيعة للقيادة في مصر والارتباط الوثيق معها ثم التنظيم الدولي، والذي أدى إلى خروج الجسم الرئيسي للحركة في السودان عن حركة الإخوان في مصر، وبقى جناح ضعيف جدا تمسك باسم الإخوان وبالارتباط بالجماعة في مصر.
  2. مجموعة حركة النهضة في تونس
    وهي الحركة التي كان لها رؤى أكثر استنارة ونضجا واختلفت كثيرا عن رؤى الجماعة الأم في مصر، وإن ظلت جزءا من الحركة ولم تنفصل عنها.
  3. الجناح الإصلاحي في جماعة الإخوان المسلمين بالأردن
    والذي تزعمه المراقب الحالي للجماعة بالأردن الأستاذ عبد المجيد ذنيبات والتي انتهت محاولاته الإصلاحية بتغيير القيادة القديمة والتاريخية للجماعة بالأردن، وعلى رأسهم الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة (أبو ماجد). وهناك كثير من العناصر المتشددة في الجماعة، وهناك تجديد لجزء كبير من الرؤى الفكرية والسياسية للجماعة.
  4. حركة حماس في فلسطين
    وهي وبالرغم من ارتباطها بالجماعة فإنها استطاعت أن تطور خطابها السياسي وخاصة فيما يتعلق بعلاقاتها مع الأنظمة العربية, ولم ترتبط بنظرة الحركة الأم أو حركة الإخوان بالأقطار التي بينها وبين أنظمة الحكم فيها مشاكل وصدام مثل سوريا ومصر وغيرها.
  5. الجناح الإصلاحي داخل الجماعة في مصر
    وهو الجناح الذي يتكون من قيادات وسيطة جزء كبير منها كانوا قادة للحركة الطلابية الإسلامية بالجامعات قبل انضمامهم للإخوان وكذلك جزء آخر لم يكن ذا صلة بهذه الفترة, وبدأ دور هذا الجناح بالإصلاح بعد غياب المرشد الأسبق المرحوم الأستاذ عمر التلمساني في عام 1986 واستمر بدوره في محاولات تجديد الرؤى الفكرية والسياسية وكذلك محاولات تصحيح أسلوب الإدارة, حتى خرجت مجموعة منه بسبب تكوين حزب الوسط عام 1996 بعد اليأس من الاستجابة للتغيير وبقي جزء آخر مستمرا في دوره الإصلاحي داخل الجماعة.

ويتبقى هنا سؤال هل هناك صراعات أجنحة؟

بالطبع حركة الإخوان كحركة بشرية إنسانية تخضع لما تخضع له الحركات البشرية من وجود رؤى مختلفة ومن تشكيل أجنحة وفق هذه الرؤى وبالتالي فهناك صراع مكتوم, وإن كان من أدبيات الحركات الإسلامية عموما إخفاء الصراع ونفيه وعدم الرغبة في إشراك أطراف خارجية في متابعة هذا الصراع, لكن هذا النفي لا يلغي وجوده داخل الجماعة.

المستقبل التنظيمي للإخوان

على المستويين القطري والدولي:

المستوى القطري في مصر
أمام الضغوط المحلية على الجماعة وتوافقها مع الضغوط الإقليمية والدولية ضد أغلب المجموعات الإسلامية الراديكالية هناك احتمالان للمستقبل:

  1. إما إحداث تطوير وتغيير كبير في الجماعة على مستوى الفكر والهيكل والتعامل مع السلطة والأطراف السياسية الأخرى وإجراء مصالحة تاريخية, وحل إشكالية الوجود القانوني فتنجو بها الجماعة وتتطور وتستمر وتعطي فرصة تاريخية لقيادات جديدة أصغر سنا من القيادات الحالية التي تدور أعمارها حول الثمانين عاما, وهي (أي القيادات الجديدة) أكثر كفاءة وإدراكا للوضع المحلي والإقليمي والدولي.
  2. أو استمرار الحال على ما هو عليه واستمرار حالة الجمود في الأوضاع الفكرية والتنظيمية والقانونية, وبالتالي استمرار حالة الصدام مع السلطة وحالة الخروج لأعداد مؤثرة عن الجماعة وخاصة من الأجيال الناضجة والواعية, وبالتالي استمرار الجماعة في حالة ضعف مستمر وحالة حصار ووضعها تحت السيطرة مما يؤدي إلى مستقبل مجهول وغير محمود العواقب.

المستوى الدولي:
أعتقد أنه ليس أمام قيادات الجماعة على مستوى كل قطر والمستوى الدولي سوى واحد من احتمالين:

  1. إما حالة كمون كما هو الوضع الآن وانتظار انفراج الأوضاع الإقليمية والدولية غير المواتية لاستمرار فكرة تنظيم دولي إسلامي راديكالي, على أمل العودة إلى تنشيط دور التنظيم الدولي للإخوان في حالة حدوث هذا التحسن والانفراج.
  2. أو التخلي بشكل نهائي وشجاع عن فكرة التنظيم وإحياء شكل التنسيق وتبادل الأفكار مثل فكرة المؤتمر القومي العربي الذي ينظمه مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت.

متطلبات الإصلاح في المستقبل


من أدبيات الإخوان المسلمين عموما إخفاء الصراع ونفيه وعدم الرغبة في إشراك أطراف خارجية في متابعة هذا الصراع, لكن هذا النفي لا يلغي وجوده داخل الجماعة.

أرى من وجهة نظري أن متطلبات الإصلاح على المستويين القطري والدولي كالآتي:

المستوى القطري بشكل عام:
واجب تجديد الخطاب والرؤى الفكرية والسياسية والتخلي عن فكرة الهيمنة والتفرد والسعي إليها والتعامل كأحد مكونات المجتمع, وإدراك المخاطر المحيطة بالأمة وكل قواها بما فيها الأنظمة الحاكمة والانحياز لمصلحة الأمة وتقديمها على مصلحة التنظيم والجماعة.

المستوى المصري بشكل خاص
يجب حسم الإشكاليات الخاصة بطبيعة الجماعة أي الاختيار بين إما حزب سياسي وإما جمعية دعوية إصلاحية تربوية وفق القانون ويجب قبلها حسم مسألة التصالح مع الدستور والقانون وقبول النزول عندهما مثل مقولات المرحوم الأستاذ عمر التلمساني, ويجب التخلص من فكرة الثأر من النظام الذي بدأ بالنظام الناصري وورثت هذه الروح لأجيال جديدة وانتقلت حالة العداء لأصل النظام رغم تغير الحكم ثلاث مرات.
كما يجب العمل على صياغة لوائح أكثر شورية وديمقراطية والالتزام بها وعدم الخروج عليها والأخذ بأساليب الإدارة الحديثة والمشاركة في صنع قرار.

المستوى الدولي
التخلي عن فكرة التنظيم الدولي لأنها فكرة انتهى زمانها ويترتب عليها من الأخطار والأضرار أكثر مما يترتب عليها من الفوائد والإيجابيات كما ذكرنا, أو تستبدل بها فكرة مثل المؤتمرات الفكرية التنسيقية التي تنظمها بعض التيارات الفكرية مثل التيار القومي, من وجوب الالتقاء على تبادل الأفكار والآراء دون التزام تنظيمي والعودة إلى الإخوان كمدرسة ناجحة والتخلي عن فكرة التنظيم الدولي غير الناجحة.
______________
* كاتب مصري
** وهو جهاز أنشأه الأستاذ البنا عام 1939 كجناح عسكري للجماعة واختلف في الغرض من إنشائه, فيقول قادة الجماعة إنه من أجل مقاومة الاحتلال الإنجليزي في القناة والمشاركة في الجهاد الفلسطيني, كما أن بعضا من قيادات الجهاز الذين تركوه يقولون -وكذلك خصوم الجماعة- إنه أنشئ ليكون الجناح العسكري للوصول للسلطة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة