القضية الفلسطينية من الحصار إلى التهميش   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:51 (مكة المكرمة)، 16:51 (غرينتش)

*بقلم/ داود سليمان

مع انتهاء العام 2002 تكون القضية الفلسطينية قد أنهت أربعة وخمسين عاما من عمرها، وخلال تلك الأعوام شهدت تلك القضية العديد من الأحداث الجسام التي أثرت فيها وتأثرت بها، إلا أن العام 2002 يبقى عاما مميزا في تاريخ الشعب الفلسطيني. فقد شهد تطور واشتداد حدة الانتفاضة الفلسطينية، وهو ذاته العام الذي يتم فيه تهميش وتجاهل القضية الفلسطينية، ويحاول العديد الالتفاف على أي مكسب سياسي حققته الانتفاضة.

ولم يكن العام المنصرم أشد وطئا على الانتفاضة الفلسطينية وحدها، بل كان شديدا أيضا على قيادة السلطة الفلسطينية والزعيم التاريخي للثورة الفلسطينية الحديثة. وفيما كان يهرب من شبح الحاج أمين الحسيني أثناء خوضه طريق الأشواك منذ انطلاق الثورة الفلسطينية في العام 65، وجد أن العام المنصرم أسلمه إلى وضع قريب من وضع الحاج الحسيني، بل قد يكون أسوأ.

الانتفاضة.. المخاض الصعب
استشهاد فلسطيني برصاص قناص إسرائيلي
على وقع القصف الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية وقطاع غزة، دخلت الانتفاضة العام الميلادي الجديد لتجد نفسها بين قريب ملك أمرها ويحاول الابتعاد عنها وعن آثارها التي أضرت بوجوده وعدو يتجهمها يريد وقفها بأي ثمن. ففي مطلع العام المنصرم شهدت الانتفاضة الفلسطينية وقوف السلطة الفلسطينية في وجه المقاومة والقوى الفلسطينية، وذلك بعد إعلان شارون أن الحصار المفروض على ياسر عرفات لن يرفع إلا بقبض الأخير على منفذي اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي. ولم تمض سوى ثلاثة أشهر حتى كانت المجموعة التي تنتمي للجبهة الشعبية تحاكم في مقر عرفات المحاصر، ليعتقل بعدها أفراد المجموعة والأمين العام للجبهة الشعبية في أريحا، ويوضعوا تحت الحراسة الأميركية والبريطانية.

وتميزت الانتفاضة في العام 2002 بأنها تمكنت من إيقاع أعداد كبيرة من القتلى الإسرائيليين، إذ شهد هذا العام مقتل حوالي 440 إسرائيليا. فلأول مرة يرتفع حجم الخسائر في الأرواح في الدولة العبرية إلى هذا الرقم، بعد اعتماد العمليات العسكرية كأسلوب من أساليب المقاومة التي تتبعها القوى الفلسطينية، وعدم اقتصارها على حركتي حماس والجهاد الإسلامي. ويمكن التأريخ لبداية التصعيد في أعمال المقاومة الفلسطينية في أواسط يناير، بعد انتهاء هدنة استمرت شهرا كاملا كانت أعلنت عنها كتائب شهداء الأقصى وعز الدين القسام وسرايا القدس. ولمواجهة التنامي في عمل المقاومة شن جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية السور الواقي، وهي أكبر حملة عسكرية ضد الشعب الفلسطيني منذ بداية الانتفاضة، ليتبعها حملة الطريق الحازم في مايو/ أيار. إلا أن تلك الحملات لم توقف العمليات العسكرية بل إنها ازدادت في أعقاب مجزرة جنين.

وقد وقعت المجزرة بعد أن شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في 29 مارس/ آذار في حملة عسكرية واسعة، احتل فيها العديد من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. وبعد أسبوعين من حصار مخيم جنين واندلاع قتال عنيف بين المقاومين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي، لم يعد من سبيل أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على هذه المقاومة سوى هدم المخيم على ساكنيه. وباشرت عندها القوات الإسرائيلية حملة إعدامات مكثفة في صفوف هؤلاء الفلسطينيين، وترافقت حملة الإعدامات تلك مع جهد دؤوب من قبل جرافات الاحتلال بإزالة المخيم من الوجود.
ولم تكن مجزرة جنين الوحيدة التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي، إذ قام بقصف بناية سكنية من أربعة طوابق مكتظة بالمدنيين شرقي ملعب اليرموك بمدينة غزة، في عملية استهدفت قائد كتائب عز الدين القسام صلاح شحادة، وقد أدت تلك العملية بالإضافة إلى استشهاد شحادة إلى استشهاد 12 فلسطينيا وجرح نحو مائة آخرين.

ومع اشتداد الهجمة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني قامت قوى المقاومة بمضاعفة مجهودها لمواجهة العدوان الإسرائيلي، فقد تمكنت قوات المقاومة من تبني أساليب جديدة في مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث قامت بتدمير عدد من دبابات الميركافا الإسرائيلية، كما تمكنت من تطوير صواريخ القسام التي أطلقت على المستعمرات الإسرائيلية في قطاع غزة، إضافة إلى عمليات اقتحام لتلك المستعمرات.

وقد أزعج نجاح المقاومة الجانب الإسرائيلي الذي لم يعد قادرا على السيطرة على الوضع الأمني، وحمل السلطة المسؤولية عن تلك العمليات، الأمر الذي دفع قيادة السلطة الفلسطينية إلى إدانة العمليات الاستشهادية أكثر من مرة. ولعل ما قاله رئيس السلطة الفلسطينية في أعقاب عملية ريشون لتسيون بمدينة تل أبيب في شهر مايو/أيار، عندما طالب الإدارة الأميركية بتوفير الحصانة لأجهزة الأمن الفلسطينية لتقوم بملاحقة المقاومين وحماية إسرائيل من تلك العمليات، يعد دليلا على استعداد السلطة للعمل على وقف الانتفاضة لتستعيد ثقتها لدى الأميركيين وإسرائيل.

ومع اشتداد المقاومة وفشل الدولة العبرية في وقف الانتفاضة، راحت الحكومة الإسرائيلية تشدد الحصار على ياسر عرفات وعملت على تهميش دوره. ووافقت الولايات المتحدة على خطط شارون بشأن عرفات، ليجد الأخير نفسه في حصار أشد من حصار القوات الإسرائيلية. إذ وجد نفسه محاصرا بين مطالب إسرائيلية متزايدة بعزله وتقليص صلاحياته، ومطالب شعب ثائر يرفض التعامل بدبلوماسية السلطة وواقعيتها.

السلطة.. التهميش والتغيير
جندي إسرائيلي قرب مقر الرئيس ياسر عرفات في رام الله
بدا في مطلع العام المنصرم أن الحصار الإسرائيلي المفروض على عرفات قد يكون أقسى ما يتعرض له خلال ذلك العام، أو حتى خلال الانتفاضة التي أوصلت عرفات إلى ما هو عليه الآن. وقد نجحت الدولة العبرية في إخراج قيادة السلطة ومؤسساتها من دائرة الفعل السياسي، بعد أن أخرجتها من الجغرافيا.
ترافق تشديد الحصار على عرفات مع دعوات إسرائيلية وأميركية لإقصائه عن قيادة السلطة الفلسطينية، أو استحداث منصب لرئيس وزراء يهمش دور عرفات. وقد لقيت تلك الدعوات ترحيبا مبطنا أحيانا وواضحا أحيانا أخرى من قبل الاتحاد الأوروبي والدول العربية. وتزامنت تلك الدعوات مع ضغوط شعبية بدأت تشير إلى تآكل وضعف مكانة عرفات لدى الشعب الفلسطيني. فبعد حملة اعتقالات قامت بها السلطة في الأشهر الأولى من العام المنصرم، رجم مئات المتظاهرين الفلسطينيين مقر عرفات المحاصر مطالبين بوضع حد "لقمع السلطة" والإفراج عن السجناء السياسيين لديها.
كان من المنطقي أن يجد ياسر عرفات وهو محاصر في مكتبه من قبل الجيش الإسرائيلي التفافا قويا حوله من النخبة التي أحاطت به في ذلك الظرف، إلا أن أفراد تلك النخبة تداعوا إلى دوائر من التآمر عليه والعمل على دفعه عن موقعه.
وفيما الصراع يدور خارج مكاتب عرفات بين الشعب الفلسطيني وجيش الاحتلال، كان صراع آخر يدور في مكتب عرفات ومؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية والسياسية، حول مكانة عرفات المستقبلية وكيفية تنفيذ الإصلاحات في السلطة. ودار ذلك الصراع بين ثلاثة تيارات:

التيار الأول:
رأى هذا التيار أن يكون عرفات مشرفا على عملية الإصلاح، وهو اتجاه يعتبر نفسه بأنه على خلاف مع عرفات لا عليه. ويطالب هذا التيار بضرورة إجراء إصلاحات داخلية تشمل كل مؤسسات السلطة، كما ينادي باتخاذ وقف حاسم ضد الانتفاضة التي يرى أنها أثرت سلبا على الشعب الفلسطيني أكثر مما أثرت على أعدائه.

التيار الثاني:
يعتبر أكثر جذرية في مطالبته بالإصلاحات، إذ يرى أنه لا يمكن إجراء أي عملية إصلاحية أو إحداث تغيير في السلطة في ظل وجود عرفات على رأس السلطة. فعرفات لن يغير طريقته ومنهجه الذي تمرس فيه طويلا، ويشكل الموقف الدولي من عرفات ورفض التعامل معه دعامة قوية لهذا التيار بمطالبته بتنحية عرفات.

التيار الثالث:
هو التيار الذي التف حول عرفات ورأى أنه الضامن للمشروع الوطني الفلسطيني، ويعتبر أن المطالبة بالإصلاحات وسيلة للتخلص من عرفات.

وفي محاولة من عرفات لوقف تلك الضغوط الخارجية والداخلية التي تمارس عليه، عمد إلى إحداث تغييرات كبيرة في بنية السلطة. فأقدم على إقالة ثلاثة من قادة أجهزته الأمنية كان على رأسهم جبريل الرجوب الذي طالما نظر إليه على أنه خليفة عرفات، كما أقدم بعدها على إحداث تغيير في الحكومة. ولم تستمر التشكيلة الجديدة طويلا، إذ أقدمت على الاستقالة خوفا من عدم تمكنها من نيل الثقة في المجلس التشريعي المطالب بإدخال تغييرات أكبر على بنية.

وكان أن شكل عرفات حكومة جديدة يتمكن من خلالها من تخفيف الضغوط الداخلية والخارجية عليه، ونالت تلك الحكومة الثقة من المجلس التشريعي. إلا أن عملية التغيير لم تنل القبول لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ رأتا في ذلك التغيير أسلوبا اعتادا عليه من قبل عرفات، وإن المطلوب هو إسناد القيادة لشخص يكون قادرا على ضبط الشارع الفلسطيني. وبدا من خلال ذلك أن القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني على أبواب تغيير جذري فيها تكون إرهاصاته قد بدأت في العام 2002 ولا يعرف متى تحدث.

التسوية السلمية.. النفق المظلم
ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز آل سعود
شهدت القضية الفلسطينية خلال العام المنصرم أكبر عدد من المبادرات السياسية والتفاهمات الثنائية، لإرجاع السلطة وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى. غير أن تلك المبادرات على كثرتها لم تتمكن من دفع العملية السلمية إلى أمام، وكان العنوان الأبرز لها -بخلاف مبادرة ولي عهد السعودية الأمير عبد الله بن عبد العزيز- تنفيذ الإصلاحات في السلطة الفلسطينية.

بدأت تلك المبادرات بمبادرة الأمير عبد الله، وقد أظهر الإعلان عنها أنها كانت موجهة لواشنطن وليس للقدس، إذ جاءت في وقت شهدت فيه العلاقات السعودية الأميركية توترا في تحالفهما الطويل. وقد تبنت القمة العربية التي عقدت ببيروت في مارس/ آذار تلك المبادرة لتصبح مبادرة عربية. وعلى الرغم من أن المبادرة نصت على إقامة علاقات بين كافة الدول العربية وإسرائيل، إلا أنها لم تلق ترحيبا سواء من إسرائيل أو الولايات المتحدة. ووئدت تلك المبادرة وهي بعد لما تناقش إلا في الجانب العربي.

وكما بدأ العام بالمبادرة السعودية، فإنه انتهى وخطة الطريق التي صدرت عن اللجنة الرباعية ما زالت تراوح مكانها. حيث تبنت الإدارة الأميركية الموقف الإسرائيلي من الخطة، وأجلت الإعلان عنها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 يناير / كانون ثاني 2003.

بدأ الحديث عن خارطة الطريق في أعقاب اجتماع وزراء اللجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، ومشاركة وزراء خارجية مصر والأردن. ويبدو من الخطة أن واضعيها لم يأخذوا بالاعتبار ما حصل في اتفاق أوسلو، إذ احتوت كل مرحلة من المراحل الثلاث للخطة على العديد من المسائل التي تحتاج إلى مفاوضات كثيرة على أن تنتهي في العام 2005.

وما بين مبادرة الأمير عبد الله وخارطة الطريق، جاءت خطة غزة أولا التي وضعها وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بنيامين بن إليعازر. ونصت على ضمان السلطة لأمن إسرائيل في غزة ووقف المقاومة التي تنطلق منها، على أن يقابل الإسرائيليون ذلك بإرجاع الأراضي التي كانت تحت السيطرة الفلسطينية.

وهكذا انتهى العام 2002 بتهميش القضية الفلسطينية وإقصائها عربيا ودوليا واختزال الصراع حول مكانة ياسر عرفات ودوره المستقبلي، وأصبحت خيوط الحركة فلسطينيا في اليد الإسرائيلية.
_______________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة