قضايا ساخنة في انتخابات مجلس الأمة الكويتي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

محمد أحمد الفهد

إذا كانت الانتخابات في معظم دول العالم فرصة لإلقاء الضوء على وجهات نظر المرشحين حيال الأحداث السياسية الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، فإن الانتخابات الكويتية تنفرد بأنها فرصة لترشيح وتناول جميع القضايا المحلية بلا استثناء، وعلى ذلك فالانتخابات الكويتية يغلب عليها الطابع المحلي بدربجة كبيرة، وقد لا نبالغ إذا قلنا إنها محلية بنسبة 100% ولكن مع وجود حالات نادرة لنوعية من المرشحين تعرج على بعض القضايا الإقليمية ولكن على عجل دون إطالة أو تحليل.

وإذا كانت دولة الكويت وقعت في قلب أحداث الحرب الأخيرة على العراق وسقوط نظامها، فإن تعاطي المرشحين مع الحدث ظل محدوداً إن لم يكن نادراً، حتى إن ظروف الكشف عن جثث الأسرى تابعها الجميع من وسائل الإعلام بعدما غابت عن ندوات المرشحين.

فالناخب الكويتي اعتاد الطرح المحلي، وقد يدغدغ المرشح مشاعره حين يشير إلى علاوة الأولاد أو رفع سقف التأمينات، ولا يؤثر في مشاعره حين يقول "لقد سقط النظام في بغداد". وعلى هذا النحو فإن بعض الكتل السياسية التي تحرص على طرح برامجها تتناول بعض قضايا السياسة الخارجية في أوراق برامجها لكنها لا تثيرها في الندوات أو حتى الملصقات الانتخابية.

ويمكن رصد أهم القضايا المحلية المثارة في هذه الدورة الانتخابية على النحو التالي:


معظم المشكلات المطروحة في الانتخابات الحالية سبق طرحها في انتخابات 1992 و1996 و1999 وهو ما يعني أنها لم تشهد أي حلول واقعية فاستمرت على أجندة المرشحين ومن المتوقع ترحيلها إلى انتخابات مقبلة

1- قضية الإسكان
يظهر من حرص المرشحين على إبراز هذه القضية أن الكويت تعيش أزمة إسكان خانقة على وشك الانفجار. ولكن لأن القضية تدغدغ مشاعر الجماهير وتسعى لجذب الواقفين في طابور انتظار المسكن الحكومي فقد تنوعت الندوات وكثرت التصريحات، ومن المثير أن المرشحين تمكنوا من الحصول على بيانات وأرقام ليضفوا على كلماتهم مصداقية أمام الناخب.

2- البطالة
احتلت هذه القضية المرتبة الثانية في الأهمية ونافست القضية الأولى لدى بعض المرشحين، واتفق المرشحون رغم اختلاف توجهاتهم السياسية على أن هناك 17 ألف مواطن كويتي دون عمل أمام عدم طرح حلول جادة لجأ البعض إلى اتهام الجهة المسؤولة عن التوظيف بالفشل، وطالبوا بتغيير آليات عملها لكن دون طرح أدوات التغيير.

3- سرقة المال العام
يتفاوت طرح هذه القضية من مرشح وآخر، وقد شهد الصراع بين وزير التجارة السابق صلاح خورشيد وإحدى الشركات الخاصة -الدولية للاستثمار- حداً بلغ تبدل الاتهامات بين الطرفين بالسرقات والانتفاع، وهو ما سينتهي حسمه في أروقة القضاء. وبخلاف هذه القضية فإن استعمال مفردة سراق المال العام وضرورة وقفه عبارة مكررة سواء لدى مرشحي المعارضة أو الحكومة، وبدا أن المرشحين يمسكون عن ذكر الوقائع حتى يبتعدوا عن ساحات القضاء.

4- دعم الحكومة لبعض المرشحين
هناك قطاع كبير من المرشحين لا يروق لهم الحديث إلا عن محاولات الحكومة إسقاطهم في الانتخابات من جهة، والدفع بعناصر موالية للحكومة من جهة أخرى، وذلك عبر صندوق حكومي يقدم مساعدات ضخمة بالملايين تمنح للمرشح الحكومي. وقد أثار كثرة طرح هذا الموضوع حفيظة الحكومة وعلق عليه النائب الأول لرئيس الوزراء بقوله "فليدلونا على الصندوق لنأخذ منه!!".

5- حقوق المرأة السياسية
مرشحو المناطق الخارجية المنتمون للمجتمع القبلي والذين يعتمدون على قبيلتهم كقوة تصويتية يرفضون بشدة منح المرأة حقوقها السياسية، وعلى العكس من مرشحي المناطق الداخلية فهم يؤكدون أن الديموقراطية ستظل منقوصة ما لم تحصل المرأة على حقوقها كاملة.

6- البدون
في المناطق التي يكثر فيها البدون مثل الجهراء على سبيل المثال نجد أن المرشحين يهتمون بطرح هذه القضية وينتقدون البطء الحكومي في معالجتها، وهذا الأمر يتماشى مع أقرباء للبدون يملكون حق التصويت، ولكن على العكس في المناطق التي لا يعيش فيها البدون تجد من يقول "إن البدون طامعون في الجنسية من أجل أموالنا"، وقد أكد ذلك أحد الوزراء السابقين.

7- شراء الأصوات
نظراً لوجود وانتشار هذه الظاهرة ضمن ظواهر الانتخابات الكويتية فقد احتلت هذه القضية جانباً كبيراً من اهتمامات بعض المرشحين لا سيما في الدوائر التي تضم مرشحين يعتمدون على شراء الأصوات بشكل أساسي للنجاح.

8- أداء الحكومة
أداء الحكومة تعد القضية التي تمثل القاسم المشترك بين معظم المرشحين، وكلما ازداد المرشح انتقاداً للحكومة شعر بأنه يلقى قبولا لدى الناخبين باعتباره أو تصنيفه من بين المرشحين الأقوياء، وقد شن غير مرشح هجوماً قوياً على الأداء الحكومي وأجمعوا على فشلها في حل القضايا الجماهيرية مثل الإسكان والتوظيف، ومثلما أجمعوا على وصف أداء الحكومة بالفشل فإنهم أجمعوا على ضرورة وجود حكومة قوية.

9- رئاسة الحكومة
تعمد التيار الليبرالي تناول هذه القضية في الندوات والتصريحات إذ طالب بفصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء، واستند مرشحو هذا التيار -وهم قلة- إلى مذكرة سبق إن رفعوها إلى النائب الأول الشيخ صباح الأحمد طالبوه فيها بأن يتولى رئاسة الحكومة بالأصالة لا بالإنابة.

10- ترتيب بيت الحكم
أحدثت هذه القضية جدلاً في الشارع الكويتي بين دعوة بعض المرشحين الأسرة الحاكمة لإعادة ترتيب بيت الحكم وبين دفاع أبناء الأسرة الحاكمة من آل الصباح عن هذا الأمر.

11- قضايا اقتصادية
طرحت بعض القضايا الاقتصادية على استحياء نظراً لحاجة المرشح إلى خلفية اقتصادية قد لا تكون متاحة، ولذا فقد تناول البعض القضية الاقتصادية في مفردات عامة مثل "إصلاح أمورنا الاقتصادية"، وتناولها آخرون بشيء من التفصيل فطالبوا بضرورة البحث عن بديل للدخل لا يعتمد على النفط كمصدر أوحد للدخل، واقترح البعض في هذا الشأن تصنيع المشتقات النفطية، وتشجيع صناعة السياحة، ومنح القطاع الخاص دوراً أكبر في عملية التنمية.

12- الشؤون الإسلامية
أجمع مرشحو التيارات الإسلامية المتعددة على ضرورة أسلمة القوانين وتطبيق الشريعة الإسلامية وإعادة صياغة المادة الثانية من الدستور بوصفها منطلقا لتطبيق الشريعة.

13- مكتسبات شعبية
ظهرت هذه المفردة غير مرة سواء كعنوان لندوات انتخابية أو في افتتاح المقار الانتخابية للمرشحين، البعض قالها بشكل عام دون أن يلقي الضوء على ما يهدف إليه، وفريق آخر اعتبر أن المكتسبات الشعبية تتمثل في إعادة إقرار قانون التأمينات وزيادة المعاشات وحق المواطن في الحصول على المسكن الحكومي وقيام الدولة بإيجاد فرص عمل له ورعايته صحياً وعلاجه في الخارج دون واسطة.


أجلت الولايات المتحدة إنشاء قواعد عسكرية في العراق، واستعاضت عنها بإعادة تطوير معسكر على الحدود الكويتية العراقية، وهذا يشير إلى أن واشنطن ستظل تعتمد على الكويت كحليف إستراتيجي خشية انفلات الأمور في العراق ولمراقبة إيران

14- صندوق التنمية
إذا كانت القضايا السابقة تمثل بعض النماذج للقضايا المحلية البحتة التي تطرح في الانتخابات تحت شعارات "مطالبنا من المجلس المقبل" أو "ما المطلوب من مجلس الأمة في 2003"، فإن هناك قضية مهمة تتعلق بالمساعدات التي يقدمها صندوق التنمية الكويتي لبعض الدول العربية.

فبعد انتهاء الحرب الأميركية على العراق التي أدت إلى سقوط نظام الرئيس صدام حسين وما حدث أثناءها من تظاهرات في بعض الدول العربية مثل مصر وسوريا ولبنان ودول المغرب العربي وتوجيه بعض التظاهرات اتهامات للكويت بأنها وراء الحرب عبر منح التسهيلات للقوات الأميركية، انعكس هذا الأمر سلباً على الشارع الكويتي، وصعده مجلس الأمة إلى حد تقدم النواب باقتراح لسحب وديعة كويتية من المصارف اللبنانية. ورغم أن الاقتراح سقط بعدما فشلت المعارضة في الحصول على التأييد اللازم له فإن عدداً كبيراً من المرشحين حرص على طرح هذا الموضوع من وجهات نظر مختلفة.

  • فريق من المرشحين طالب بوضع شروط صارمة لمنح قروض الصندوق مع ضرورة وقفها عن الدول التي تظاهر شعبها ضد الكويت.
  • فريق طالب باستقطاع ما لا يقل عن 500 مليون دينار (1.5 مليار دولار أميركي) من صندوق التنمية وتوجيهها لحل الأزمة الإسكانية.
  • وفريق ثالث اكتفى بانتقاد مسلك الحكومة في استمرار منح القروض والمساعدات لعدد من الدول في وقت يعاني فيه المواطن من عدم وجود فرص للعمل أو عجزه عن الحصول على سكن.

وربما شذ عن هذا الإجماع نفر قليل من المرشحين وهم من الموالين للحكومة حين اضطروا لتناول الموضوع عند طرحه عليهم، فقد رأى هؤلاء أن صندوق التنمية لا يقدم مساعدات مالية بغرض التنمية في حد ذاتها، بل يلعب دوراً أساسيا بارزا تحتاج إليه الكويت، وهو دور يجب الحرص عليه على اعتبار أن الكويت يجب أن لا تعيش معزولة عن عالمها العربي والإسلامي.

بعد عرض أبرز القضايا التي تطرح في ساحة التنافس الانتخابي حاليا في الكويت يبقى التساؤل قائما: هل يلتزم النواب -خصوصاً المعارضين منهم- بما طرحوه من قضايا؟

بالنظر إلى الانتخابات السابقة خصوصا منذ انتخابات 1992 فإن معظم المشكلات المطروحة في الانتخابات الحالية سبق وتم طرحها في انتخابات 1992 و1996 و1999 وهو ما يعني أن مجلس الأمة في الأعوام 1992 و1996 و1999 لم يقدم أي حلول واقعية لهذه القضايا فاستمرت على أجندة المرشحين ومن المتوقع ترحيلها إلى انتخابات مقبلة، ويمثل هذا الأمر أحد تداعيات المعارضة في الكويت بشأن قدرتها على الوفاء بوعودها للناخبين.

ولكن ما مدى تأثر الانتخابات الكويتية بالظروف السياسية الراهنة ولاسيما العلاقات الكويتية الأميركية؟

في الأيام الأخيرة حدث تطور مهم للغاية إذ تراجعت الولايات المتحدة أو أجلت إنشاء قواعد عسكرية في العراق، واستعاضت عنها بإعادة تطوير معسكر يسمى "فوكس" في الحدود الكويتية الشمالية الملاصقة للعراق، وهذا التحول يشير إلى أن واشنطن ستظل تعتمد على الكويت كحليف إستراتيجي خشية انفلات زمام الأمور في العراق، ومن أجل جعل هذه القاعدة منطلقاً لمراقبة التحركات الإيرانية.

وتعكس هذه النظرة الإستراتيجية التي جاءت بمبادرة أميركية ما يدور في الكواليس عن التغيرات التي ستشمل بعض المجتمعات العربية ومنها الكويت بذريعة مكافحة الإرهاب أو وقف تنامي التيارات الإسلامية.

وستجد الحكومة الكويتية نفسها مضطرة أثناء الانتخابات البرلمانية المقبلة (2003 - 2007) إلى تمرير عدة قوانين ضرورية للانسجام مع التغيرات التي تدفع بها الولايات المتحدة والغرب، ولكي تضمن الحكومة تمرير هذه القوانين فلا حل أمامها سوى ضمان أغلبية داخل مجلس الأمة تتأتى عبر دخول ما لا يقل عن 16 نائباً موالين للحكومة يضافون إلى 16 وزيراً، وهنا تملك الحكومة 32 صوتاً من أصل 64 هو "عدد النواب + عدد أعضاء الحكومة" ومنهم نائبان على الأقل سيتم توزيرهما كما جرت العادة.


الأداء النيابي سيتأثر بالظروف السياسية التي أعقبت الحرب على العراق، ومنها قيام علاقات بين دول الخليج -ومنها الكويت- وتل أبيب، ولكن من المؤكد أن موضوع التطبيع لن يفتح بشكل مباشر إلا بدءاً من مجلس 2007 نظراً لقوة التيار الإسلامي وقدرته على تعبئة الشارع الكويتي

ولكن ماذا تريد الحكومة من المجلس المقبل في معرض تأثرها بالظروف السياسية الخارجية؟

يجمع المراقبون أن أمام الحكومة قوانين عدة حظيت بمعارضة، ولكن لا مفر من:

  1. منح الحقوق السياسية للمرأة انتخاباً وترشيحاً، وقد رشحت الكويت أربعا من قياداتها النسائية للمشاركة في منتدى تقدمي أميركي تقوده ابنة الرئيس جورج بوش من أجل دعم هذه الحقوق السياسية.
  2. تغيير مناهج التعليم وخصوصاً منهج المعهد الديني في إطار رؤية أميركية شاملة تخفف العداء العربي الإسلامي لكل ما هو يهودي إن لم تبادر إلى إلغائه مثلما حدث في مصر.
  3. تقليص العمل الخيري تحت ذريعة إعادة تنظيمه، لكن القصد سيهدف إلى تجفيف منابعه ووقف إرسال معونات خارج حدود الكويت.
  4. اعتبار الكويت قاعدة لمراقبة إيران بعدما دخلت الأخيرة حيّز الاهتمامات الأميركية بعد سقوط النظام العراقي، ويتوازى مع هذا الأمر توسيع الانتشار العسكري الأميركي داخل الكويت، وقد بدأت واشنطن بالفعل إعادة قاعدة "فوكس" على الحدود الشمالية الكويتية لاستيعاب أكثر من 20 ألف عسكري، ورصدت الولايات المتحدة لهذا الأمر 300 مليون دولار، وجرى توقيع عقد المرحلة الأولى بـ7.5 ملايين دولار.
  5. تقليص الدعم الموجه للمواطن والمتمثل في السكن والعلاج وهو ما قد يحدث صدمة في الشارع الكويتي، إلا أن أحد مطالبه خطة أميركية للإصلاح في دول الخليج.

الأداء النيابي إذن سيتأثر بالظروف السياسية والتغيرات التي أعقبت حرب الخليج الثالثة، وقد يكون في القلب منها قيام علاقات بين دول الخليج -ومنها الكويت- وتل أبيب، وهذا الأمر سيشهد جدلاً واسعاً، وقد يمثل هذا التطبيع أحد نقاط بروز المعارضة في الانتخابات المقبلة ولكن من المؤكد أن موضوع التطبيع لن يفتح بشكل مباشر إلا بدءاً من مجلس 2007 نظراً لقوة التيار الإسلامي وقدرته على تعبئة الشارع الكويتي لرفض جميع أشكال التطبيع مهما كان الثمن، ولأن هناك تغييرا سيتم إجراؤه أولاً كمقدمة للتطبيع الذي قد يدفع إلى مجلس 2007.
________________
كاتب ومحلل سياسي كويتي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة