حسين مجلي: الحكومة لا تحسب حسابا كبيرا لمجلس الأمة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

حوار/ منير عتيق

المخططات الأميركية ليست معنية بالدفاع عن الأردن كما يتصور البعض ولا معنية بالدفاع عن أقطار عربية أخرى، بل بالدفاع عن ديمومة المصالح الأميركية الصهيونية في المنطقة ككل. ومقابل ذلك ليس أمامنا إلا التصدي لهذه المخططات بفعل قومي ينطلق من تحقيق الوحدة مقابل التجزئة، والديمقراطية مقابل الاستبداد، واستمرار النضال بدل الاستسلام واستمرار تقديم التنازلات.

فهل تكون الانتخابات البرلمانية القادمة حجر عثرة أمام هذه المخططات أم أن نتائجها ستعكس شيئا آخر؟

نقيب المحامين الأردنيين حسين مجلي يجيب على ذلك في هذا الحوار.

حسين مجلي
يوم 17 من الشهر الجاري ستتم الانتخابات البرلمانية بعد مضي سنتين على موعدها الدستوري، هل كان لهذا التأخير انعكاسات إيجابية أم سلبية؟

لا يجوز بأي حال من الأحوال إلغاء السلطة التشريعية وتعليق الحياة النيابية لأن حدوث ذلك يجعل الثقة التي تعتبر ركنا أساسيا وجوهريا في الحياة النيابية مسألة صورية، الأمر الذي لا يجوز أن يقبله الشعب وكافة قواه حماية للدستور، لأن هذا الغياب أدى إلى إلغاء تمثيل الشعب وإصدار حشد لا يحصى مما يسمى بالقوانين المؤقتة بكثرة غير مسبوقة في تاريخ الحكومات الدستورية النيابية في العالم. وقد أدى هذا الغياب إلى قيام السلطة التنفيذية باعتداء على وظيفتي السلطة التشريعية والقضائية بالقوانين المؤقتة وغيرها.

ومن الناحية السياسية فإن غياب المجلس النيابي وعدم المشاركة في رسم السياسات يجعل الحكومات في جانب وكل الشعب في جانب آخر، مع أن مواجهة التحديات الكبرى تقتضي أن يكون الشعب والحكم في جانب واحد عن طريق انتخابات نزيهة تمثل إرادة الشعب.

إننا في مرحلة في غاية الخطورة ويجب أن تحدد مواقفنا بوضوح وأن نزيل الفجوات بين الحكومات والرأي العام بإشراك الشعب في صناعة القرار بحيث تكون الحكومة والشعب في جانب واحد، وهذا لن يتم إلا ببناء الحياة الديمقراطية وإرساء معالم القيم والمبادئ والمؤسسات والحقوق والحريات الدستورية التي لا يمكن أن تتحقق بانفراد السلطة التنفيذية في الحكم.

إن لإطلاق الحريات وممارسة الديمقراطية صلة حاسمة بسلامة البلاد وأمنها ونظامها، فضمان الحريات والديمقراطية والانتخابات النزيهة والمنظمة بالمحتوى هي خير مدعم لسلامة البلاد وأمنها ونظامها، والعكس خطير.

إن المرحلة التي نمر بها بالغة الخطورة وتقتضي وجود مجلس نيابي جديد وليس كما حدث تغييب مجلس النواب، وليس هناك أي مبرر دستوري لتعليق التمثيل النيابي. وربط إجراء الانتخابات بالظروف المحيطة في فلسطين والعراق سيؤدي إلى تعثر الديمقراطية.

إن عمر الصراع العربي الصهيوني يزيد عن مائة عام فهل من المعقول تعليق الحياة النيابية -وهي قطب الحياة السياسية في الأردن- إلى أن يحل هذا الصراع.

إن الأردن تتداخل حياته مع أهم مسألتين في الدنيا: فلسطين والعراق، ومثل هذه القضايا السياسية المحيطة بالأردن تلح على ضرورة مشاركة البرلمان للسلطة التنفيذية في مواجهة التحديات وعدم انفراد السلطة التنفيذية في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها الأمة.


علينا أن نعمل سلميا من أجل مأسسة الديمقراطية وسيادة القانون، فالانتخابات ضرورة وطنية وديمقراطية ولهذا نريد نواب وطن لا نواب حارات
هل من أهمية سياسية خاصة لهذه الانتخابات في هذه المرحلة؟

الانتخابات النيابية موضوع حيوي يؤثر على المناخ السياسي في الأردن وعلى ممارسة الديمقراطية. وتأتي أهمية الانتخابات من أنها هي التي تأتي بالسلطة التشريعية التي بدورها تأتي بالسلطة التنفيذية.. هذا هو الأصل، إضافة إلى مهام أخرى في غاية الأهمية. وأعتقد أن الأردن أصبح في حاجة إلى هذه الانتخابات النيابية التي تأخرت -كما ذكرنا آنفا- عن موعدها الدستوري، فنزاهة الانتخابات يجعل للدولة مكانة وهيبة في نفوس مواطنيها كما يجعل للدولة مكانة داخلية وخارجية، وينعكس إيجابا على الثقة بالنظام ورصيده السياسي. وعلى العكس فإن انعدام النزاهة ينعكس على الوطن في الداخل والخارج على نحو يخل بمكانته.

وفي قناعتي أن التنمية السياسية تبدأ بانتخابات نيابية نزيهة وتدعم الثقة بالحكم وفي مجال مكافحة الفساد. وإجراء الانتخابات يؤدي إلى تحريك العمل السياسي والحياة السياسية وتعزيز ثقة المواطن في الحياة السياسية وفي النظام السياسي من خلال استعاده الثقة في الانتخابات النيابية.

إن الثقة في الانتخابات النيابية تولد الثقة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، والتوجه الصحيح هو التعامل مع الشعب على أنه وحده صاحب الحق في ممارسة الحقوق لأنه هو وحده مصدر السلطات ولأن هذا الحق "الانتخاب" هو أهم حقوق المواطنة والمواطن. وممارسة هذا الحق يشكل إحدى العلامات الفاصلة بين الديمقراطية والاستبداد واختيار النواب الذين يستحقون النيابة.

ومن هو النائب الذي يستحق النيابة لأن كل مترشح يرى في نفسه أنه جدير بها؟

النائب في لغة الدساتير هو العضو المنتخب مباشرة من الشعب، ولكن أداءه يجب أن يمثل الشعب كله وليس حارة أو عشيرة أو قرية. فالنيابة ركن من أركان الحكم والنظام السياسي في الأردن ونحن بحاجة إلى نائب ديمقراطي يؤمن بالديمقراطية التي تأتي بالتدرج وليس نتاج قرار سياسي تتخذه سلطة معينة فيصبح المجتمع ديمقراطيا، فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات ومجلس أمة. والديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه وحكم المؤسسات والتعددية السياسية والاقتصادية، ونحن بحاجة إلى نواب يؤمنون بمساواة الناس أمام القانون وأن الديمقراطية مشروع حضاري.


أعتقد أن قانون الصوت الواحد فضح التركيبة الاجتماعية وبرزت الولاءات العشائرية والمذهبية على حساب وحدة ونسيج المجتمع بحيث أصبح مفهوم مجلس النواب يعني أنه مجلس عشائر، مما كون ذهنية أن كل عشيرة أو قرية تريد نائبا، كما أدى إلى أن تصبح العشيرة في مواجهة مع العشائر الأخرى
ما تأثير عدم استقرار القوانين الانتخابية على جوهر العملية الانتخابية؟

استقرار التشريعات الانتخابية مسألة أساسية، فمن خلال الاستقرار يتمكن المواطن بصورة أكثر من زيادة الوعي بحقوقه الانتخابية وممارسة هذا الحق، وخلاف ذلك فإن المواطن يصبح عرضة لعدم معرفة حقوقه وواجباته وكيفية التعاطي معها. وخير مثال هو ما حدث من جدل حول قانون الصوت الواحد والتقسيم غير العادل للدوائر الانتخابية، وأعتقد أن قانون الصوت الواحد فضح التركيبة الاجتماعية وبرزت الولاءات العشائرية والمذهبية على حساب وحدة ونسيج المجتمع بحيث أصبح مفهوم مجلس النواب يعني أنه مجلس عشائر، مما كون ذهنية أن كل عشيرة أو قرية تريد نائبا، كما أدى إلى أن تصبح العشيرة في مواجهة مع العشائر الأخرى.

يعتقد غالبية الناخبين أن الوعود الانتخابية من قبل المرشحين لناخبيهم أشبه بكمبيالة وعود وقائمة إنجازات برسم التنفيذ سرعان ما يتم التخلي عنها بعد النجاح.. لماذا؟

إن لتنفيذ الوعود آليات وقواعد عمل سياسية واقتصادية واجتماعية، وبدون توافرها واعتمادها بمخططات وبرامج تبقى هذه الوعود مجرد بالونات منفوخة بالكلام الفارغ. لدينا خلل في الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وارتفاع في معدلات المديونية الخارجية بشكل خاص وارتفاع في الفقر والبطالة وانكماش في الإنتاج وزيادة مستمرة في الضرائب. وفي الجانب الاجتماعي هناك غياب أو تغييب للوعي بوحدة الاشتراك في الحياة والمصير لأبناء الوطن العربي كله، فثمة ظواهر بل آفات فردية وعشائرية ومذهبية وعرفية وإقليمية، وترسيخها يؤدي إلى التفتيت والتخلف والتجزئة. وفي الجانب السياسي مهما حاول أصحاب الشعوذة السياسية أن يحرفوا ويشوهوا رسالة الأردن التي يفترض أنه انبثق عنها بالأساس فليس للأردن حياة ولا استقرار بعيدا عن نطاقه العربي.


مهما حاول أصحاب الشعوذة السياسية أن يحرفوا ويشوهوا رسالة الأردن التي يفترض أنه انبثق عنها بالأساس فليس للأردن حياة ولا استقرار بعيدا عن نطاقه العربي
فليس ممكنا أن يكون الأردن بمعزل عن التداعيات التي حصلت وتحصل في فلسطين والعراق، ذلك أن القضية القومية واحدة وإن تعددت عناوينها وأسماؤها. الخطر الصهيوني التوسعي الداهم أصبح خطرا ماثلا زاحفا لا يمكن دفعه ولا صده إلا بالقوة المنظمة الفاعلة من قبل الشعب وسلطاته.

هذه الأوضاع السائدة ليس لها حلول سحرية ولا يمكن تخطيها إلا برسم سياسات عامة جذرية مستمدة من حاجات الشعب ومنسجمة مع حضارتنا، وهذا يحتاج إلى تكاثف الجميع.

إلى أي مدى تحسب الحكومة حسابا لمجلس الأمة؟


في اعتقادي أنها لا تحسب له حسابا كبيرا مع أن الحقيقة يجب أن تكون غير ذلك، وقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن الحكومة لا تحسب حسابا كبيرا لمجلس الأمة في حضوره ولا في غيابه ولا تأخذ في الاعتبار أنها ستواجه مجلسا نيابيا قادما ممثلا للشعب، وهذا سيؤدي إلى ترتيب المجلس القادم بما يضمن إقرار القوانين المؤقتة التي وضعتها والتي ستضعها الحكومة فتصبح أمام حالة تأتي فيها الحكومة بمجلس النواب التي تريد أن يقر قوانينها التي وضعتها بدلا من أن يأتي مجلس النواب بالحكومة، وبالتالي تصبح الحكومة هي مصدر كل السلطات بدلا من الشعب.

إن كل ذلك يتم لعدم تأصل فكرة سيادة القانون وهذه قضية مهمة وعلينا أن نعمل سلميا من أجل مأسسة الديمقراطية وسيادة القانون. وكما قلت في البداية فإن الانتخابات ضرورة وطنية وديمقراطية ولهذا نريد نواب وطن لا نواب حارات.

هل على الحكومة أن تحصل على ثقة البرلمان؟


أي حكومة لا تستمد شرعيتها من مجلس النواب فهي حكومة غير شرعية.

وماذا تتوقع للحكومة الحالية؟


أعتقد أنها ستستقيل ولكن ربما يعهد جلالة الملك عبد الله الثاني إلى رئيس الحكومة الحالي المهندس علي أبو الراغب بإعادة تشكيل حكومة جديدة.

كيف تنظر إلى المرحلة السياسية القادمة؟


أعتقد أن الأردن كجزء من الوطن العربي مستهدف من المخططات الأميركية الصهيونية بغض النظر عن المخططات التفصيلية المختلفة لكل بلد عربي، فالمخططات الأميركية ليست معنية بالدفاع عن الأردن كما يتصور البعض، ولا معنية بالدفاع عن أقطار عربية أخرى، وإنما بالدفاع عن ديمومة المصالح الأميركية الصهيونية في المنطقة ككل. ومقابل ذلك ليس أمامنا إلا التصدي لهذه المخططات بفعل قومي ينطلق
من تحقيق الوحدة مقابل التجزئة، والديمقراطية مقابل الاستبداد، واستمرار النضال بدل الاستسلام واستمرار تقديم التنازلات.
_________________
مراسل الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة