هوية تركيا والعلاقة مع إيران   
الثلاثاء 8/10/1427 هـ - الموافق 31/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 9:08 (مكة المكرمة)، 6:08 (غرينتش)


 مصطفى اللباد

تنبني السياسات الإقليمية للدول على عدة ركائز معروفة مثل: التحالفات الدولية والموقع الجغرافي والإمكانات البشرية والاقتصادية، ولا تقتصر على ذلك فقط، إذ تلعب الروابط التاريخية دورها في رسم سياسات الدول، كما أن "مسألة الهوية" وهي مدركات الدولة لنفسها في مواجهة محيطها الجغرافي، تعد من أهم العوامل في رسم السياسة الإقليمية للدول.

تغريب الهوية
التوجه نحو الشرق
التعامل مع النفوذ الإيراني

تغريب الهوية

لا يمكن حساب "مسألة الهوية" بالطرق الاعتيادية المتبعة في قياس قوة الاقتصاد ومدى ارتباطه بالاقتصاد العالمي أو نسبة الصادرات إلى الواردات وغير ذلك من المعايير الثابتة، كما لا يمكن حساب "الهوية" بالطرق الإحصائية التقليدية المعتمدة عند إجراء الإحصاءات السكانية، إذ إن "الهوية" في أحد وجوهها هي مجموعة القيم السائدة لدى النظام السياسي ونخبته الحاكمة، ومن الطبيعي أن تختلف مدركات هذه "الهوية" من حزب إلى آخر ومن فصيل سياسي إلى غيره من الفصائل، وهذا الاختلاف يقود إلى اعتماد البرنامج السياسي للأحزاب الحاكمة على رؤى بعينها في القضايا المختلفة ومنها طبعا السياسات الداخلية والإقليمية والخارجية.

"
يتوجه الإدراك التركي بشكل عام نحو تكريس هوية أوروبية لتركيا رغم أن الغالبية العظمى من مساحة تركيا تقع في آسيا
"
ولما كانت هذه الحقيقة تبدو ثابتة في إدارة العلاقات
الدولية ورسم السياسات المختلفة للدول، يمكن تقدير أنها لا تنطبق على الحالة التركية فقط، بل تلخص أحد أهم العوامل على الإطلاق في توجيه ورسم سياساتها الإقليمية، ويبلغ هذا التحليل ذروة كفايته التفسيرية عندما ينظر المرء إلى الواقع الجغرافي لتركيا ومقارنته بسياساتها الإقليمية منذ قيام "الجمهورية التركية" في العام 1923، فتركيا الواقعة بنسبة تطاول 97.5% من جغرافيتها في آسيا تتوجه بسياساتها نحو أوروبا، بشكل ذهب علما على السياسة التركية.

وإدراك المؤسسة العسكرية التركية، المسيطرة تاريخيا على مقاليد السياسة التركية لهويتها يتطابق مع التوجه الأوروبي العام لتركيا، ولا تمنع هذه القاعدة من فترات تاريخية قصيرة نسبيا اختلف إدراك الحكومات التركية لهويتها عن العسكر، وتتمثل هذه الفترات في مدة حكم الرئيس التركي المعتدل الراحل تورجوت أوزال الذي اعتنق "العثمانية الجديدة" الممتدة من البحر الإدرياتيكي إلى الصين واستثمار وجود الشعوب التركية على امتداد هذه المنطقة الجغرافية، وتأسيسا على رغبة أوزال تم تبني مؤتمر رؤساء الدول الناطقة بالتركية عام 1992، والتي صارت من وقتها ركنا ملحوظا من أركان السياسة الإقليمية التركية. كما مثلت فترة حكم حزب الرفاه الإسلامي بقيادة الزعيم التاريخي للإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان في الفترة من 1996 وحتى 1997، وكذلك فترة حكم حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي من العام 2002 وحتى الآن، استثناء من حكم العلمانيين التقليدي.

وأسهم الإدراك المتميز نسبيا للإسلاميين الأتراك لهوية أوروبا الشرق أوسطية في توجيه السياسات الإقليمية لتركيا بشكل مختلف بعض الشيء خاصة لجهة التعامل مع الجوار الإسلامي، ولكن دون أن يفلح هذا "الإدراك الإسلامي" في الوصول إلى منتهاه الإقليمي. ومرد ذلك هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة التركية من ناحية، وأيضا بسبب وعي الإسلاميين الأتراك بالمحاذير الدولية لهكذا توجه، وليس آخرا أيضا بسبب الاختلافات الفكرية والعملية في معسكر الإسلاميين أنفسهم (أربكان ومجموعته وأردوعان ومجموعته).

التوجه نحو الشرق


وحدها الظروف التاريخية التى ترافقت مع تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال آتاتورك (أبوالأتراك) تستطيع تقديم تفسير معقول للواقع التركي السياسى الراهن، وإرهاصات هذه الظروف ظهرت في فترة تفكك الدولة العلية العثمانية، وما أعقبها مباشرة من فرض اتفاقية سيفر عام 1920، تلك المعاهدة التي ارتأت قيام دولة للأرمن في شرق تركيا وحكم ذاتي بصلاحيات واسعة للأكراد جنوبي الأناضول، في ظل احتلال اليونان وفرنسا وإنجلترا لكامل الغرب التركي.

"
يحرص الجيش الذي أصبح قوة مهيمنة حامية للعلمانية حريصا على تكريس الهوية الغربية من غير أن تتمكن الأفكار الإسلامية من تغيير ذلك
"

وجاءت الفرصة التاريخية المتمثلة في الجمهورية الكمالية واتفاقية لوزان عام 1923، التي ألغت عمليا اتفاقية سيفر وثبتت الجمهورية التركية في حدودها الحالية. ومن يومها وبفضل اللحظة التاريخية التي سبقت ورافقت قيام الجمهورية تم إعلان الجيش رديفا للدولة التركية وحارسا على مكتسباتها ووصيا على نظامها السياسي، في حين ترسخت العلمانية هدفا أعلى للدولة التركية لا يمكن المساس به، بحيث تتطوع له أي اعتبارات قد تتصادم معه.

ولئن كان الالتحاق بأوروبا حلما راود الساسة الأتراك المرتبطين بالمؤسسة العسكرية منذ تأسيس الجمهورية وحتى اليوم، فإن الأفكار الإسلامية التركية برسم سياسة إقليمية مغايرة نسبيا لم تستطع كبح هذا التوجه أو حتى تعديله.

وأربكان نفسه صاحب مبادئ الانتماء إلى العالم الإسلامي وأفكار "الأمم المتحدة الإسلامية" و"منظمة التعاون الدفاعي المشترك للدول الإسلامية" و"السوق الإسلامية المشتركة" و"عملة النقد الإسلامية المشتركة"، لم يستطع بسبب تركيبة الدولة التركية وموازين القوى فيها أن ينفذ اقتراحاته أو حتى بعضا منها ولا أن يرسم سياسة إقليمية جديدة لتركيا دون سقفها الدولي الأميركي. لم يكن "نجم الدين بك"، الأكثر راديكالية من حزب العدالة والتنمية، بعيدا عن "المصالح التركية العليا" التي عرف أربكان تشابكاتها وألوان طيفها وخطوطها الحمراء والخضراء، إذ كان أربكان مؤيدا للتدخل التركي في شمال جزيرة قبرص وغاضا بصره عن التدخل في شمال العراق، وعاجزا عن أى تغيير أو تعديل فى تحالف المؤسسة العسكرية التركية مع إسرائيل.

لم يعن التوجه العارم نحو الغرب أن تتجاهل تركيا مصالحها في المنطقة، ولا أن تكون لها تحالفاتها مع دولها، ولكن الشرق الأوسط لم يكن مركز الدائرة الاعتيادية التي تدور عليها السياسات الإقليمية التركية، ومنذ تعثر مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بسبب خشية أوروبا من "هوية تركيا الإسلامية"، والتغييرات الإستراتيجية عميقة الأثر في تركيا بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة 2002، وفي المنطقة منذ حرب احتلال العراق عام 2003، أصبح الانخراط التركي في الإقليم ضرورة مصيرية للحفاظ على مصالح الدولة التركية، ولا تستثنى حكومة حزب العدالة والتنمية من انخراطها في مصالح الدولة التركية، مثلها مثل أربكان، ولكنها ذهبت أبعد من أربكان في براغماتيتها وتحالفاتها الدولية.

راح أردوغان يكسر إشارات السير الأربكانية ويتعداها بخطوات واسعة، فبرع في إرسال إشاراته قبل وبعد الانتخابات ليس فقط إلى المؤسسة العسكرية في الداخل ولكن أيضا إلى الأطراف الدولية في الخارج. فالولايات المتحدة يملك معها أردوغان وعبد الله غول علاقات قوية، وهو ما اعتبر رسالة فكت المؤسسة العسكرية شفرتها. ويعود الترحيب الأميركى بأردوغان وحزبه في أحد أسبابه إلى دور "الوسيط الحضاري" بين الشرق الإسلامي والغرب والمناط بحزب العدالة والتنمية، الذي لم يطرح –ناهيك عن قدرته على ذلك- تعريفا جديدا أو تغييرا في المصالح الوطنية التركية، إذ إن هذه الأخيرة حسب قواعد اللعب التركية تقع في دائرة اختصاص المؤسسة العسكرية.

يمكن القول اختصارا إن مدركات الهوية هي أهم محددات توجيه السياسات الإقليمية، وإن أحزاب الإسلام السياسي التركي، على اختلاف توجهاتها، أفلحت في تطعيم السياسة الإقليمية التركية ببعض المحسنات الإسلامية وبالتالي التوجهات الشرق أوسطية، ولكن دون أن تستطيع إجراء تغييرات قوية على الأفكار المؤسسة للسياسة التركية الإقليمية، وذلك بسبب هيمنة العسكر على الدولة التركية.

التعامل مع النفوذ الايراني


بالترافق مع تراوح الأفكار المؤسسة للسياسة الإقليمية التركية بين التغرب والعلمانية من ناحية والتوجه نحو العالم الإسلامي من ناحية أخرى، بوتائر مختلفة وبسقف موزون بموازين القوى الدولية، طوال العشرين عاما الماضية، كان الطموح الإقليمي الإيراني يراكم النفوذ في الشرق الأوسط.

وازدادت هذه الطموحات زخما بعد احتلال القوات الأميركية للعراق، الأمر الذي شكل تهديدا للأمن القومي التركي وثبت النفوذ الإيراني في العراق كما لم يحدث من قبل. ولأن جار تركيا الجديد في العراق هو الولايات المتحدة الأميركية، ترتب على ذلك بالضرورة فقدان تركيا لدور الوكيل لأول مرة منذ عصر الحرب الباردة، فضلا عن قدرة التهديد بالمبادأة وهي من المحددات الأساسية للأوزان الإستراتيجية والإقليمية.

وفي حين تقود إيران تحالفا إقليميا يشمل السلطة الحاكمة في بغداد والنظام السياسي في سوريا وحزب الله في لبنان، لا تملك تركيا تحالفا كهذا وتحتفظ بعلاقات ثنائية جيدة مع الدول العربية الرئيسة مثل مصر والسعودية، ولكن دون أن ترقى هذه العلاقات إلى مستوى التحالف الإقليمي.

ولعب تمدد الأكراد في شمال العراق دور العازل لنفاذ تركيا إلى العراق وعزلها عن التفاعل مع التطورات الجارية هناك، ما أفسح المجال لطهران أن تشارك واشنطن في تقرير مصير العراق، أما الجمهورية التركية فلها ارتباطات أخرى تاريخية بالعراق خاصة بالتركمان في شماله، ولكن حلفاء تركيا من التركمان لا يرقون من حيث العدد أو الإمكانات إلى مستوى الأكراد، ناهيك عن شبكة التحالفات الإقليمية والدولية.

"
مازالت الخيارات التركية محدودة في مواجهة تمدد النفوذ الإقليمي والنووي الإيراني لكن ما يجري يفتح الطريق أمام تحالفات بين تركيا وبعض العرب
"

وهكذا ففى مقابل معسكر إقليمي تقوده إيران ويشمل الأحزاب الكردية والشيعية في العراق، لا تبدو مروحة التحالفات التركية دائرة إلا على اختيارات محدودة من التركمان أولا، ومن الأحزاب السنية العراقية ثانيا.

ويفتح التطور الجاري على أرض العراق الطريق أمام تعاون عربي- تركي لموازنة النفوذ الإيراني في العراق، خاصة في ظل التركيبة الصراعية للحراك السياسي هناك، وبسبب عدم قدرة أي من الطرفين العربي أو التركي على حسم المواجهة مع إيران بمفرده.

وزاد في طنبور الاختلال في التوازنات الإقليمية أن إيران راحت تطور وتتمسك ببرنامجها النووي، ما دفع أنقره إلى إعادة النظر في "حيادها النووي"، ولم تغب عن أذهان صناع السياسة في تركيا، علمانيين وإسلاميين، دروس التاريخ التي تمتد بعمق يزيد عن 500 عام. فقد كان التاريخ شاهدا على الصراع بين المشروعين الصفوي الإيراني من جهة والعثماني التركي من جهة أخرى، إذ مثل الشاه عباس الصفوي ذروة المشروع الأول والسلطان مراد الثالث قمة المشروع الثاني. ولتجذير التناقض بين المشروعين ولتثبيت هوية معادية للسلطنة العثمانية، عمد السلطان إسماعيل الصفوي إلى إعلان تشيع إيران في القرن السادس عشر لتجذير تنافسها الإقليمي مع تركيا بالروافد المذهبية.

وكان أن اتخذت العلاقات بين البلدين أشكالا دراماتيكية حين قامت الحروب المتعاقبة بين الدولتين في القرون اللاحقة، وأبرمت المعاهدات لتثبيت حدود البلدين واعتراف كل منهما بالآخر حاميا لأحد المذاهب الإسلامية (إيران للشيعة والسلطنة العثمانية للسنة) وهو الأمر الذي تم تثبيته في معاهدات بين البلدين مثل معاهدة زهاب الموقعة عام 1639.

صحيح أن البوصلة الأساسية للسياسة التركية توجهت دوماً نحو الغرب، ولكن مماطلة الاتحاد الأوروبي في قبول تركيا عضوا به ووضع العراقيل أمام انضمامها، يجبر صناع السياسة في أنقرة على ترتيب الأولويات الجغرافية لتركيا متعددة الإطلالات والمواهب الجغرافية، ووضع الشرق الأوسط في مقدمها. ويقضي التصور الحاكم للشرق الأوسط في المخيلة الإستراتيجية التركية، بعلمانييها وإسلامييها، بأن أنقره تستطيع ترجمة نفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط إلى نفوذ إضافي يضغط على الاتحاد الأوروبي ويغازل طموحاته ومصالحه في المنطقة.

ومع العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية الراغبة في تغيير النظام الإيراني تبدأ معركتها مع طهران من جنوب لبنان كمحطة أولى. ولأن واشنطن –تحت حكم المحافظين الجدد- تدير أزماتها بالحروب العسكرية (أفغانستان والعراق ولبنان)، فإنها وبوطأة آلتها العسكرية تتسبب في تغييرات عميقة بتوازنات القوى الإقليمية المختلفة، وهو أمر يبدو مرشحا للتكرار باستهدافها لإيران وتحالفها الإقليمي الذي أفلست واشنطن سياسيا أمامه.

ومن شأن استهداف كهذا أن يعيد الاعتبار لأهمية تركيا الإستراتيجية لدى الولايات المتحدة الأميركية، ودفعها بمنطق الأمور إلى ملء الفراغ الإقليمي بتشجيع أميركي ودولي وترحيب عربي، ربما يكون مناسبا الآن للدولة التركية، بعلمانييها وإسلامييها، لا أن تتذكر هويتها الإسلامية فقط، بل "سنيتها المذهبية" أيضا، تلك التي سترسي عليها سياساتها الإقليمية الجديدة في منطقة مضطربة، أسهم التخبط الأميركي أولا والطموح الإقليمي الإيراني ثانيا في تأجيج صراعاتها واستقطابها على محور الصراع السني-الشيعي للأسف.



_______________
رئيس تحرير مجلة "شرق نامه" -القاهرة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة