محطات في اليهودية   
الأربعاء 1425/11/11 هـ - الموافق 22/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:34 (مكة المكرمة)، 10:34 (غرينتش)

شفيق شقير

التاريخ اليهودي بالنسبة لليهود ليس تراثا ملهما أو ماضيا للاعتبار فحسب، بل هو محرك وموجه لا يكل للوجود اليهودي برمته، حيث استطاع اليهود رغم تشتتهم أن يستفيدوا من المزج الغريب لليهودية ما بين التاريخ والدين والقومية، وأن يجمعوا وبحرارة بين شعوب تعيش في بيئات جغرافية وسياسية وكذلك حضارية مختلفة.

تاريخ اليهود
ويقول عبد الوهاب المسيري في هذا الشأن إنه ليس لليهود تاريخ واحد، لأن هذا القول يفترض وجود تشكيل حضاري يهودي واحد ومستقبل واحد وعرق واحد، وهو ما يفتقر إليه اليهود، حيث تعددت جماعاتهم ووجدت في مجتمعات مختلفة وكانوا جزءا لا يتجزأ من التشكيلات الحضارية التي كانوا يعيشون في كنفها.

ولكن بما أن اليهودية دين وقومية مع الأخذ بعين الاعتبار تحفظات البعض على المفهوم القومي لليهودية، فإنه بالإمكان أن نرصد أهم المحطات التاريخية التي تركت أثرا في الوجدان اليهودي العام، مع الإشارة إلى أن قراءة التاريخ اليهودي غير ممكنة إلا كجزء من القراءة الدينية.

"
.. سيسعدنا أن نرحب برئيس جمهوريتكم وأن نستقبله بالضيافة التقليدية التي ورثناها نحن وأنتم من أبينا المشترك إبراهيم"

مناحيم بيغن
من كلمته للمصريين ترحيبا بالسادات

"

إبراهيم.. أبو العبرانيين
ينسب اليهود ديانتهم إلى عصر النبي إبراهيم وإسحق ويعقوب -عليهم الصلاة والسلام- والذي ترجع حوادثه إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وقد يطلق على هذه الفترة في الكتب اليهودية اسم عصر "الآباء"، وهم الذين تلقوا وعودا إلهية بأن أرض فلسطين من نصيبهم، وقد تشمل تسمية "الآباء" غيرهم من بعض من جاؤوا بعدهم حتى تشمل النبي موسى عليه السلام.

ولكن الثابت يهوديا أن النبي إبراهيم هو المبدأ، وتبدأ فترة الآباء بظهوره كأول شخص عبراني، ويعد بعض الباحثين هجرة إبراهيم مع قومه من أور في العراق إلى فلسطين الهجرة الأولى للقبائل اليهودية.

ويجتمع العرب أحفاد إسماعيل واليهود أحفاد إسحق في نسبهم إلى إبراهيم، ويجتمعون مع المسلمين في الانتساب دينيا إليه، ولكن التوراة ترى إسماعيل "إنسانا وحشيا يده على كل واحد ويد كل واحد عليه" (سفر التكوين 16/12)، وترى أنه استبعد من الميثاق الذي عقد بين إبراهيم والخالق، وورث بموجبه نسل إبراهيم -أي إسحق حصرا- أرض كنعان.

وغالبا ما يستعين بعض السياسيين اليهود والعرب بصلة النسب والانتماء الإبراهيمية بين العرب واليهود في مناسبات السلام، ومن ذلك ما أعلنه مناحيم بيغن للشعب المصري ترحيبا بزيارة الرئيس الأسبق أنور السادات للقدس، حيث قال "سيسعدنا أن نرحب برئيس جمهوريتكم وأن نستقبله بالضيافة التقليدية التي ورثناها نحن وأنتم من أبينا المشترك إبراهيم".

خروج موسى.. نقطة البداية
تعتبر شخصية النبي موسى عليه السلام وعصره (القرن الثالث عشر قبل الميلاد) المحور الرئيسي للديانة اليهودية التي استقرت عند الكهنة في القرن السادس قبل الميلاد، لأن النبي موسى هو الذي جدد ميثاق "جماعة إسرائيل" عند جبل سيناء مع الإله "يهوه"، الذي أعطاه الوصايا العشر والتوراة، كما أن موسى هو مصدر التشريعات الشفوية لليهود، وهو قائد خلاص الشعب اليهودي بالخروج من مصر.

فحسب روايات التوراة وغيرها من المصادر واجه النبي موسى اضطهاد واستعباد فرعون مصر لبني إسرائيل الذين كانوا يعدون بمئات الآلاف، وقادهم امتثالا لطلب الرب "يهوه" في رحلة خروج ناجحة من أرض مصر عبر صحراء سيناء القاحلة إلى أرض كنعان (فلسطين وما إليها).

واعتبر اليهود قيادة موسى للشعب اليهودي بالخروج من مصر "أرض العبودية" النقطة التي يبدأ فيها التاريخ المستقل لليهود، ويظهر فيها الشعب اليهودي للوجود بعد أن كان قبائل مبعثرة مضطهدة.

ويحتفل اليهود بذكرى الخروج من مصر في عيد معروف بعيد الفصح يوم 15 أبريل/نيسان من كل عام ويستمر سبعة أيام عند اليهود في إسرائيل، وثمانية أيام عند المقيمين خارج فلسطين، ويأكلون خلال الاحتفال به فطيرا خاصا وأعشابا مرة ويمتنعون عن أكل الخبز المطبوخ، ولهم في ذلك مذاهب مختلفة.

حكم القبائل
توفي موسى واقتحم العبرانيون من بعده تحت قيادة يوشع بن نون -حسب العهد القديم- أرض كنعان، وأبادوا معظم أهل المناطق التي استولوا عليها، وقسمت بين قبائلهم الاثنتي عشرة (الأسباط) التي سميت بأسماء أبناء النبي يعقوب عليه السلام.

وتوالى على حكمهم وإدارة شؤونهم الدينية والدنيوية عدد من شيوخ القبائل (القضاة)، وسميت الفترة التي حكموا خلالها بفترة "القضاة"، واستمرت -كما جاء في سفر القضاة- أربعة قرون، بينما يذهب بعض الباحثين إلى أنها أقل من ذلك كثيرا.

وهذه القبائل ينتسب البعض منها للنبي يوسف بن يعقوب -عليهما الصلاة والسلام- وهي منسى وإفراييم، أما البقية فهم إخوة النبي يوسف وينتسبون للنبي يعقوب، وهي رؤوبين، شمعون، يهودا بساكر، زبولون، بنيامين، دان، نفتالي، جاد، أشير.

وتضاف إليها قبيلة لاوي التي لم تحسب من بقية القبائل لأنه أوكل إليها أعمال الكهانة ولم تنل نصيبا من الأرض.(الموسوعة 9/142-145)

"
نهاية المملكتين اصطلح على تسميته في اليهودية "السبي الآشوري والبابلي" أو "النفي البابلي"، ويرى بعض أنبياء اليهود أن النفي أو السبي تعبير عن غضب الإله على الشعب لعصيانه

"

قصة مملكتين

إلى أن استلم أمرهم "شاؤول" الذي سعى لتوحيد القبائل العبرانية في مملكة واحدة "مملكة إسرائيل"، ويطلق عليها أيضا "المملكة العبرانية المتحدة"، ولم تتجاوز حدودها منطقة قبيلته بنيامين.

لهذا فإن الفضل الحقيقي لتأسيس هذه المملكة يعود إلى ملكهم داود، وخلفه من بعده ابنه سليمان الذي بنى لليهود هيكلا ضخما للعبادة، ولكن انقسمت بعده المملكة على نفسها.

فبعد موت سليمان عام 928 قبل الميلاد اختلفت القبائل العبرانية الاثنتا عشرة في اختيار ملكها، ما أدى بها إلى الانقسام إلى مملكتين متعاديتين في كثير من الأحيان، جنوبية وشمالية.

بايعت قبيلتا يهودا وبنيامين رُحبعام بن سليمان بن داود ملكا، وعرفت مملكتهما باسم المملكة الجنوبية أو مملكة "يهودا" وعاصمتها أورشليم (القدس). وكانت أكثر استقرارا من الشمالية نظرا لصغر حجمها (ثلث المملكة الشمالية) ولفقرها وبدائية اقتصادها.

وشغل عرشها 19 ملكا من ذرية سليمان، ودامت نحو قرن وثلث بعد زوال المملكة الشمالية، حيث سقطت بيد الملك البابلي نبوخذ نصر سنة 586 قبل الميلاد، الذي دمر أورشليم والمعبد وسبى اليهود إلى بابل (العراق).

في حين بايعت القبائل العشر يُربعام بن نباط من قبيلة إفرايم ملكا على الجزء الشمالي، وعرفت باسم المملكة الشمالية أو مملكة "إسرائيل"، وكانت عاصمتها "شكيم" ثم "ترصه" ثم "السامرة". وحكمها 19 ملكا من تسع قبائل، وكانت تتنازعها الخصومات إذ لم يكن لها مركز ديني قوي مثل القدس، وانتشرت فيها -حسب التوراة- عبادة الأوثان.

ودامت هذه الدولة 250 سنة وانتهت سنة 721 قبل الميلاد، بعدما غزاها سرجون الثاني ملك آشور وأجلى أهلها إلى ما وراء نهر الفرات، وأصبحت بذلك مقاطعة آشورية.

ونهاية المملكتين اصطلح على تسميتها في اليهودية "السبي الآشوري والبابلي" أو "النفي البابلي"، ويرى بعض أنبياء اليهود مثل إرميا وحزقيال أن النفي أو السبي تعبير عن غضب الإله على الشعب لعصيانه، وأن آشور وبابل ليستا سوى أداة غضب وعذاب.

يهودا الحشمونية (المكابيون)
ثار فقراء اليهود وفلاحوهم في شرق الأردن والجليل والشريط الساحلي لفلسطين ومنطقة جنوب القدس على الأمبراطورية السلوقية وعلى اليهود، وأقاموا دولتهم التي عرفت باسم "يهودا"، واتسعت جغرافيا وانكمشت تبعا للظروف.

والسبب المباشر للمواجهة كانت القرارات التي اتخذها أنطوخيوس الرابع السلوقي في حق يهود فلسطين، ومحاولته دمج فلسطين في إمبراطوريته عن طريق فرض العبادة اليونانية الوثنية ونشر الحضارة الهلينية في وسطهم والتي انتشرت بين أثرياء اليهود بوجه خاص.

وقاد المواجهة عام 168 قبل الميلاد الكاهن ماتاثياس الحشموني وأبناؤه الخمسة. واستولى الحشمونيون على القدس عام 164 قبل الميلاد بقيادة يهودا المكابي، الذي قام بتطهير الهيكل وهو إحدى المناسبات التي يحتفل بها اليهود ويسمونه عيد "الحانوكه".

وفقدت الدولة الحشمونية استقلالها بعد أن دب الخلاف بين أخوين من أعضائها بين عامي 67 و63 قبل الميلاد، حيث عين هيركانوس الثاني كاهنا أعظم في حياة أمه، لكن أخاه أرسطوبولص الثاني استولى على الحكم ونصب نفسه كاهنا أعظم وملكا.

ولجأ الأخوان الحشمونيان إلى القائد بومبي الروماني للتحكيم بينهما فكان أن حكم لهيركانوس، وفر أرسطوبولص إلى القدس، التي حاصرها بومبي فسقطت هي والهيكل في يده عام 63 قبل الميلاد.

"
ويرى الصهاينة وبعض اليهود أن الحشمونية بعثت الروح العسكرية في اليهود، وكثيرا ما يطلقون اسم "المكابية" على منظماتهم، وهو الاسم الآخر للحشمونية

"

وتحولت بذلك المملكة الحشمونية يهودا إلى مقاطعة تحت الحكم المباشر لنائب قنصل روماني مقره سوريا، وذلك بعد أن فصل عنها أجزاء عدة ولاسيما المناطق الساحلية.

غربت شمس الحشمونيين بمقتل أرسطوبولص الثالث -حفيد أرسطوبولص الثاني- آخر كاهن أعظم حشموني، وآخر ممثلي الأسرة الحشمونية من الذكور.

فقد قتله خدمه عام 35 قبل الميلاد، بتحريض من هيرود مؤسس العائلة الهيرودية والذي نصبه مجلس الشيوخ الروماني ملكا رومانيا على مقاطعة يهودا.

ويرى الصهاينة وبعض اليهود أن الحشمونية بعثت الروح العسكرية في اليهود، وكثيرا ما يطلقون اسم "المكابية" على منظماتهم، وهو الاسم الآخر للحشمونية.

يهودا والرومان
وضعت يهودا بعد موت هيرود عام 4 قبل الميلاد تحت الحكم الروماني المباشر.

شهدت يهودا والمدن اليهودية في فلسطين في بعض المراحل التاريخية الرومانية صراعات دموية أطلقت عليها بعد المصادر اليهودية اسم الثورات، فيما يصفها بعض الباحثين بأنها "تمردات":

  •  الأولى بين عامي 66 و70 ميلادي، وكان السبب المباشر وراءها النزاع حول حقوق اليهود وغير اليهود، فاندلعت قلاقل عاملها الحاكم الروماني فلوراس بعنف، مما أجج الصراع الذي لم ينته إلا بالهجوم الناجح الذي قاده تيتوس وهدم على إثره الهيكل وصادر ما فيه.
  • الثانية بين عامي 132 و135 ميلادي، حيث قامت مجموعات يهودية بقيادة "بركوخبا" في مقاطعة يهودا باجتياح القدس وعدد من المدن والقرى، ولكن ما لبث أن استعاد الرومان المناطق التي خسروها، وقتل بركوخبا ومن معه، وأعدم مؤيدو الثورة، وأعيد بناء المدينة وسميت باسم "إيليا كابيتولينا" ومنع اليهود من دخولها أو العيش فيها.

قيام إسرائيل
لا شك أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 إحدى أهم المحطات في التاريخ اليهودي، وهي التعبير الكامل عن اليهودية كما يراها الكثيرون من "أبناء الشعب اليهودي".

ولكن هذا الحلم المتحقق لا يزال عرضة للتشكيك من قطاع مهم من اليهود، سواء أولئك الذين يعيشون في دولة إسرائيل أو خارجها، لأنهم لا يزالون يختلفون حول من هو اليهودي، وما هي حدود إسرائيل وما هي هوية هذه الدولة؟

ومن جهة أخرى فإن هذا الحلم ما تحقق منه حتى الآن لم يقم  إلا على حلم شعب آخر، الشعب الفلسطيني. وإسرئيل متهمة


بقوة أنها تريد أن تنهض على أحلام دول أخرى مجاورة لها.

_________________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت

1- موقع الإسلام، سيرة ابن هشام الجزء الأول، كتابه صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود
2-
jewish vertual library
3-
مقدمة للصراع العربي الإسرائيلي، عبد الوهاب المسيري
4-
Tagnet, Interactive History Chart 200 BC - AD 100
5-
Bizedek journal ,The Maccabee War and Modern Israel
6- Kennesaw State University,The Hasmonean Revolt
7- Livius Articles on ancient history
8-
World history.com ,Jewish history
9-
Shimon bar Kokhbah, Leader of the Jewish Rebellion
10-
Sonic.net, sabetians
11-موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري
12-
الفكر اليهودي وتأثره بالفلسفة الإسلامية، علي النشار وعباس الشربيني، منشأة المعارف مصر، طبعة عام 1972.
13-العلاقات التركية اليهودية، هدى درويش، دار القلم دمشق، الطبعة الأولى 2002.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة