التفريق بين رئاستي الجمهورية والحزب الحاكم مطلب إصلاحي   
الجمعة 1426/4/11 هـ - الموافق 20/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 8:56 (مكة المكرمة)، 5:56 (غرينتش)
من مطالب الإصلاح السياسي عدم الجمع بين رئاستي الدولة والحزب الحاكم
 
تثير دائما مسألة الجمع بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الحاكم في مصر، العديد من التحفظات والاعتراضات من جانب العديد من القوى السياسية المصرية، ولاسيما أحزاب المعارضة. وكان موضع هذا الاعتراض مرتبطا بمبررات ثلاثة هي: جملة المزايا التي تضيفها صلاحيات رئيس الجمهورية للحزب الحاكم دون غيره من الأحزاب الأخرى من ناحية، وذلك التداخل الشديد بين الدولة والحزب الحاكم من ناحية ثانية، ومردود ذلك على تقييد حركة الأحزاب السياسية وإضعافها.

"
في ظل سيطرة السلطة التنفيذية التي يرأسها الحاكم على المؤسسات  الإدارية ووسائل الإعلام وسيطرة حزبه على المجالس التشريعية والمحلية تثور مخاوف حول إمكانية وجود منافسة حقيقية على منصب رئيس الجمهورية

"

والحقيقة أن الجمع بين المنصبين لا يمثل في حد ذاته سمة خاصة ترتبط بالحالة المصرية، ولكن المشكلة تظل في طبيعة النظام السياسي حيث يمنح رئيس الدولة كافة السلطات التي يتميز بها النظام الرئاسي، بالإضافة إلى تقييد سلطة البرلمان.
 
فضعف السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان أمام سلطات رئيس الدولة ورئيس الوزراء تستند إلى سيطرة الحزب الوطني كحزب أغلبية، وهو ما يعني عمليا تمتع الرئيس بسلطات ومزايا النظامين الجمهوري والبرلماني.

ومن ثم كان من المنطقي أن تطفو على السطح من جديد انعكاسات عملية الجمع بين المنصبين، خاصة في ظل جملة المستجدات التي تشهدها الساحة السياسية المصرية في هذه الآونة. وفي هذا الإطار يمكن رصد تطورين رئيسيين: الأول يتعلق بنتائج جولات الحوار الوطني بين المعارضة والحزب الوطني الحاكم، وموافقة مجلس الوزراء على ثلاثة مشروعات قوانين تتعلق بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، وتعديل قانوني مجلسي الشعب والشورى، وتعديل قانون نظام الأحزاب السياسية.
 
أما التطور الثاني فيرتبط بقرار رئيس الجمهورية بتكليف مجلس الشعب بإعادة النظر في المادة 76 من الدستور، وذلك حتى يتسنى تغيير أسلوب انتخاب رئيس الجمهورية من الاستفتاء إلى الانتخاب المباشر.
 
وإذا ما أضفنا حالة عدم الاتفاق القائمة بين بعض القوى السياسية المعارضة والحزب الوطني حول مضمون الإصلاح المطلوب ودرجة توافقه مع القيم والمعايير الديمقراطية، يمكن لنا تفهم مبررات طرح عملية التداخل والجمع بين سلطات رئيس الجمهورية ورئاسة الحزب الحاكم وارتباط ذلك بعملية الإصلاح السياسي.
 
فهذا الترابط من ِشأنه أن يثير العديد من المخاوف التي تتعلق بإمكانات توفير منافسة حقيقية على منصب رئيس الجمهورية، في ظل سيطرة السلطة التنفيذية التي يرأسها الرئيس على السلطة الإدارية ووسائل الإعلام وسيطرة الحزب على المجالس التشريعية والمحلية.  

دلالات التجربة الحزبية
تستند رؤية الرئيس مبارك إلى ضرورة الجمع بين المنصبين، وهو ما عبر عنه بقوله ".. إن بعد الرئيس عن الحزب يترك حزب الأغلبية في مهب الريح أو التوجه نحو المصالح الشخصية لأعضائه في حين أن الواجب هو العمل من أجل الوطن والمواطنين".

هذه الرؤية يمكن اعتبارها امتدادا للتجربة الحزبية المصرية، وتأكيدا لمحورية دور رئيس الجمهورية في دفع عملية التطور الحزبي التي بدأت عام 1974 مع الاتجاه إلى التعدد من داخل التنظيم السياسي الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) وما أعقبه من تطور منظم قاده النظام الحاكم عبر إقامة المنابر الثلاثة: الوسط (مصر العربي الاشتراكي) واليمين (الأحرار الاشتراكيين) واليسار ( التجمع الوطني الاشتراكي) والتي تحولت في نوفمبر/تشرين الثاني 1976 إلى أحزاب مستقلة. 

ولكن هذه البداية وما شهدته من قوة دفع سياسية لم يُكتب لها الاستمرار نتيجة القيود التي فرضت على تكوين الأحزاب وبعض أنشطتها. ورغم بلوغ عدد الأحزاب 19 حزبا سياسيا، إلا أن الصورة الحزبية لم تحمل من مقومات التعددية سوى السمة العددية، فبجانب الحزب الوطني الحاكم لا يوجد سوى مجموعة من الأحزاب الضعيفة. 

وربما تكون الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2000  وما احتوته من نتائج، أبلغ تعبير ودلالة على عمق ضعف التجربة الحزبية، بما أسفرت عنه من ضعف وهشاشة لكافة الأحزاب السياسية.
 
فقد شهدت هذه الانتخابات عدم حصول الحزب الوطنى الديمقراطى على الأغلبية عن طريق المرشحين على قائمته منذ تأسيسه عام 1978، رغم حصوله على الأغلبية 388 مقعدا من إجمالى 444 ( حيث فاز بـ 172 مقعدا حصل عليها المرشحون على قائمة الحزب، وعاد 181 منشقا إلى الحزب بعد نجاحه، كما انضم 35 مستقلا) في حين حصلت المعارضة على 16 مقعدا، ونال المستقلون 38 مقعدا.

فكانت متطلبات الإصلاح والتحديث هي الدرس الرئيسي الذي أدركه الحزب الحاكم بدرجة أكبر من باقي الأحزاب الأخرى. وهو ما عبر عنه -إذا جاز التعبير- التيار الإصلاحي داخل الحزب في المؤتمر العام الثامن في سبتمبر/أيلول 2002، فكان نقطة الانطلاق نحو تدارك أسباب تراجع مكانته السياسية في الشارع المصري، من خلال إعادة النظر في هيكله التنظيمي وأدوار الأمانات النوعية.
 
فتم استحداث أربع أمانات جديدة يأتي في مقدمتها أمانة السياسات وأمانة التدريب والتثقيف، وذلك بهدف الإسراع من وتيرة العمل السياسي والحزبي وإضفاء قدر من الحيوية على أدائه.

ومن الملاحظ هنا، أن النظام الأساسي الجديد للحزب الذي تم إقراره في المؤتمر، لا يتضمن أي آلية لترشيح رئيس الجمهورية، وهو ما يفسر استناد الحزب إلى أسلوب مبايعة الرئيس. 

التداخل الحزبي الحكومي
ترتبط ملامح الاندماج بين الحزب الحاكم والدولة، في العديد من الصور الدالة على صعوبة عملية الإصلاح السياسي والدستوري المطلوبة والتي بدأت بعض أوجهها في الظهور، وهو ما يمكن رصده في مجموعة من النقاط التالية:
 
- محورية سلطات رئيس الجمهورية الدستورية. فطبقا للدستور يجمع بين صفتين فهو رئيس الدولة الذي يمثل سلطة السيادة مما يعطيه حق التدخل في اختصاصات بقية السلطات باعتباره حكما بينها، وهو في الوقت نفسه رئيس السلطة التنفيذية الذي يمثل سلطة الحكم.

- الارتباط الوثيق بين الحزب والجهاز الإدارى للدولة، بالإضافة إلى سيطرة الدولة على غالبية وسائل الإعلام المرئي والمسموع، وفرض قيود على عملية إصدار الصحف، الأمر الذي يعطي قدرات أعلى للتواصل والتفاعل بين مرشحي الحزب الوطني والمواطنين، وهو ما لا يتوافر بنفس القدر لباقي المرشحين.

-غلبة تركيبة لجنة شؤون الأحزاب من وزراء الحزب الوطني، وشخصيات عامة يقوم بتعيينهم رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الوطني. 

- حصول الحزب الوطني على الأغلبية البرلمانية المطلقة، أدت إلى ضعف قدرة البرلمان على تمثيل اتجاهات سياسية أخرى غير الحزب الحاكم.

"
التطور الذي حدث في السنوات القليلة الماضية والذي حول الحزب الوطني من كونه حزب الحكومة إلى حكومة الحزب، لم يدفع نحو أي تنشيط في الحياة السياسية أو الحزبية، حيث كشف عن استمرار وضع غير طبيعى موروث من حقبة الحزب الواحد

"

تشير هذه الملامح إلى أهمية تجاوز السمة الجامعة للنظام البرلماني والرئاسي التي يتم بها النظام السياسي المصري، باختيار أحد النظامين، وربما يكون النظام البرلماني هو الأكثر ملاءمة لتفعيل الحياة الحزبية وتجاوز سمة الأغلبية الدائمة التي يتمتع بها الحزب الوطني الحاكم، حيث أن هذا النظام البرلماني يقتضي الفصل بين سلطة السيادة ليتولاها رئيس الجمهورية ولا يمارس سلطة تنفيذية، وبين سلطة الحكم لتتولاها حكومة يشكلها الحزب أو مجموعة من الأحزاب التي تفوز في الانتخابات.

 فحالة الركود السياسي التي خيمت على كافة جوانب العملية السياسية تتطلب قدرا من الحراك السياسي، حتى يمكن تجاوز النتائج التي أفرزتها التعددية الحزبية المقيدة والتي يمكن تلمس بعض ملامحها، في التالي:

- إن التحول الذي شهدته الحياة السياسية في منتصف السبعينيات لم يؤد إلى تطور ملموس في الممارسة السياسية بسبب القيود المفروضة على نشاط الأحزاب من ناحية والضعف الذاتي لهذه الأحزاب من ناحية أخرى.

- إن التطور الذي حدث في السنوات القليلة الماضية والذي حول الحزب الوطني من كونه حزب الحكومة إلى حكومة الحزب، لم يدفع نحو أي تنشيط في الحياة السياسية أو الحزبية، حيث كشف عن استمرار وضع غير طبيعي موروث من حقبة الحزب الواحد. 
 
فرغم اكتساب آلية تشكيل حكومة د. نظيف طابعا سياسيا حزبيا، من خلال الاعتماد على دور أكبر للحزب الحاكم، فإن الحزب مازال يعاني من علاقة الترابط الشديد مع أجهزة الدولة ومؤسساتها، رغم حرصه على تأكيد خصوصية أدائه، واعتماده على رئيس الجمهورية في الحد من احتمالات الانشقاق في الداخل وتوفير الدعم اللازم له.  

- إن الانفتاح السياسي الجزئي الذي شهدته الحياة السياسية المصرية، ارتبط بميل النظام الحاكم إلى إطالة المرحلة الانتقالية التي أعقبت عملية التحول من نظام أحادي مغلق إلى نظام تعددي مقيد.

- ضعف تكوين النخبة السياسية والثقافية، وهو ما يمكن تلمسه بوضوح في الافتقاد للمبادرة والفعل المؤثر والاستناد إلى سياسة رد الفعل، فلم تستطع هذه النخب بناء أحزاب قادرة على تقديم برامج وسياسات محددة، كما أنها افتقدت القدرة على توفير عمليات تحديث لمهام حزبها سواء على المستوى التنظيمي أو الوظيفي.



- تغليب الاعتبارات الاجتماعية التقليدية الممثلة في الروابط العائلية والقبلية والدينية على حساب الاعتبارات والممارسات السياسية، وهو أمر سعى الحزب الحاكم إلى توظيفه والاستفادة منه، حيث ساهمت الولاءات التقليدية التي يضمنها له الجهاز الإداري للدولة بمختلف المناطق أو معظمها في الحفاظ على الأغلبية البرلمانية.
 
مؤشرات المشاركة
وقد ترافق بطبيعة الحال مع حالة الضعف والوهن المخيمة على الحياة الحزبية المصرية، ضعف قدرة أحزاب المعارضة على الاستجابة مع المتغيرات والتحديات المحيطة على أداء وظيفتين أساسيتين هما: إفراز الكوادر السياسية وتمثيل المصالح الاجتماعية والسياسية للمواطنين، وهو ما تجلى بوضوح في المقتضيات الجديدة التي يتطلبها الاتجاه الجديد نحو انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الحر المباشر.

"
السلطات شبه المطلقة لرئيس الدولة الذي هو في الوقت نفسه رئيس الحزب الحاكم يولد تداخلا بين الحزب والدولة يصب في خانة استبعاد المنافسين السياسيين وتحجيم أدائهم

"
فحالة الارتباك التي أصابت غالبية هذه الأحزاب وعدم قدرتها على حسم العديد من الخيارات المرتبطة بما فرضه هذا التطور من مستجدات جديدة أخذت سبيلها نحو الساحة الحزبية، تطرح العديد من علامات الاستفهام والتساؤل حول حدود فاعلية تلك الأحزاب بما فيها الحزب الوطني في العمل كمؤسسة سياسية توفر الإطار الملائم لزيادة المشاركة الشعبية والتي من شأنها أن تساهم بدورها في محاصرة ما يعترض المجتمع من أخطار.

وإذا ما أضفنا غياب العديد من المهام التنظيمية السياسية لاتضح لنا عمق الصورة التي خلفتها عملية الركود السياسي على الأحزاب المصرية، ويأتى في مقدمة هذه المهام تلك المرتبطة بالقدرة على توفير تقاليد حزبية مرتبطة بالمهارة السياسية، والقدرة على الاستمرار في منهاج التجديد الذاتي وامتلاك القدرة على التطوير الدائم، والقدرة على حشد الجماهير واجتذاب القطاعات العازفة عن المشاركة السياسية.

وهو ما تؤكده العديد من الدراسات الاستطلاعية، فيشير التقرير الإستراتيجي العربي لعام 2002، إلى حالة اللامبالاة والضعف الشديد المرتبطة بالمواطنين والمشاركة السياسية في الأحزاب السياسية، حيث تشير عينة دراسة في يونيو/حزيران 2002 عن امتلاك 68.50% من أفراد العينة بطاقة انتخابية، مقابل 31.50% ليس لديهم بطاقة انتخابية.

أما على مستوى العضوية، فتشير عينة الدراسة عام 1998 إلى أن نسبة أعضاء الأحزاب السياسية لا تزيد على (8.6%)، في حين أن نسبة غير الأعضاء (91.4%)، وهو الاتجاه نفسه الذي تكرر في عينة دراسة عام 2000 مع تناقص عدد الأعضاء، حيث كانت نسبة الأعضاء (4.8%)، ونسبة غير الأعضاء (95.2%). وهو الاتجاه الذي تكرر أيضاً في دراسة عام  2002، حيث كانت نسب الأعضاء (5.2%)، ونسبة غير الأعضاء (94.8%).

وأما على مستوى الوعى بأهمية الأحزاب فتشير عينة الدراسة عام 1998 إلى أن 29.7% ممن شملتهم العينة بأنها هامة، فيما أشار 70.3% منهم إلى أنها غير هامة.
 
وفي دراسة 2000، تؤكد أن هناك نوعا من التحول في الاعتقاد بأهمية الأحزاب، حيث أفاد 56.6% من مفردات العينة إلى أهمية الأحزاب، فيما حدث تراجع لدى القائلين بعدم أهميتها، حيث بلغت نسبتهم 43.8%. أما دراسة 2002، فقد أكدت على التوجه السابق وعلى ترسخه في أذهان المواطنين، وهو التوجه نحو الاعتقاد بأهمية الأحزاب، حيث أفاد (76.7%) من مفردات العينة باعتقادهم بأهمية الأحزاب، فيما استمر التراجع في نسبة القائلين بعدم أهميتها والتي بلغت 23.3%.

ولعل هذا التزايد الواضح في نسبة القائلين بأهمية الأحزاب يكمن في تزايد الجدل والحوار داخل المجتمع المصري حول هذه القضية، وهو الجدل الذي بدأ ينتشر على نطاق جماهيري واسع وليس على مستوى النخبة في أعقاب انتخابات مجلس الشعب 2000.

ولكن تظل المفارقة قائمة بين تزايد الوعي بأهمية دور الأحزاب وعدم المشاركة والانضمام في عضويتها، وهو ما يمكن إرجاعه إلى حالة عدم الرضا عن أداء الأحزاب القائمة رغم الاعتراف بحيوية دورها في حالة نشاطها في الحياة السياسية بشكل عام.

واتساقا مع الصورة السابقة، وقياسا بالمعايير التي تصنف الأحزاب كمؤسسات سياسية، فإنه يمكن القول إنه باستثناء الحزب الوطني الديمقراطى (مع وجود فارق كبير) وبعض الأحزاب الرئيسية مثل التجمع والناصرى والوفد، لم تستطع أي من الأحزاب الأخرى أن تقطع شوطا مماثلا باتجاه التطور المؤسسي، خاصة فيما يتعلق بدرجة التشعب والوصول إلى الوحدات القاعدية والتعدد التنظيمي والوظيفي.

وهو ما يقتضى بالتبعية حتمية إتاحة الفرص لتأسيس أحزاب جديدة، إلى جانب الحد من القيود على ممارسة النشاط الحزبي، بالإضافة إلى تحمل النخبة الحزبية مسؤولية تطوير آلياتها لنشر الثقافة السياسية الديمقراطية في المجتمع، فهذا النوع من التغيير أو الإصلاح لا يتعلق بتدعيم التطور الديمقراطي فحسب، ولكنه يتعلق كذلك بدرجة حيوية النظام السياسي وبدرجة تعظيم فرص المشاركة الشعبية.  



______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة