العراق في الرؤية الإستراتيجية الأميركية   
الخميس 1426/2/28 هـ - الموافق 7/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:20 (مكة المكرمة)، 9:20 (غرينتش)

قسم البحوث والدراسات

منذر سليمان
قال الخبير الإستراتيجي الدكتور منذر سليمان إن العراق مثل هدفا إستراتيجيا أميركيا للإبقاء على حالة عدم التوازن في النظام الدولي وتكريس تفوق أاميركي حاسم أمام بقية القوى العالمية. وأضاف في حوار مع الجزيرة نت لمناسبة الذكرى الثانية لغزو العراق أن إدارة بوش تواجه اليوم حقائق مرة في هذا البلد وكذلك داخل الولايات المتحدة وتوقع أن تكون الشهور الثلاثة الأولى من العام القادم حاسمة لمصير الوجود العسكري الأميركي في العراق إذا ما استمرت المصاعب الأميركية هناك، وفيما يأتي نص الحوار:

عند الحديث عن أهمية العراق الإستراتيجية، هل يمكن وضع ذلك في دائرة الأسباب التي دفعت إلى غزو هذا البلد قبل عامين؟

الحرب على العراق كانت وكأنها مؤجلة تنتظر التوقيت الملائم لتنفيذها، والأمر وليد قرار أميركي إستراتيجي بعد انتهاء الحرب الباردة بإعادة صياغة النظام الدولي بالشكل الذي يكرس التفوق الأميركي الحاسم، وعزز من ذلك صعود طبقة حاكمة تؤمن بضرورة استخدام القوة ولاسيما في الشرق الأوسط وتحديدا في العراق لتحقيق الهدف الأميركي الإستراتيجي، وقد سرعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها في وتيرة التنفيذ، حيث اعتبرتها إدارة الرئيس بوش فرصة سانحة لتنفيذ خطة كانت موجودة في الأدراج.


وهل كان احتلال العراق بكل هذه الأهمية أميركيا؟

نعم، لاسيما وأن الولايات المتحدة كانت بحاجة إلى تمديد حالة عدم التوازن في النظام الدولي باستخدام القوة العسكرية التي تتفوق فيها فيما هي ليست كذلك سياسيا وثقافيا وحتى اقتصاديا، وكان العراق بموقعه ومخزونه النفطي وكذلك بكونه دولة محاصرة ومستنزفة، كان لهذه الأسباب هدفا نموذجيا للغزو يحقق الهدف الأميركي الأساسي ويحقق إلى جانبه أيضا هدفين آخرين: التحكم بالموقع الجغرافي وثروات العراق والمنطقة بما يؤمن سيطرة أميركية على الاقتصاد العالمي، وضمان أمن إسرائيل الشريك الحقيقي لواشنطن في تنفيذ إستراتيجيتها.

ما دمنا نتحدث عن الأسباب والبدايات، ما أهمية الذرائع التي قدمتها أميركا لغزو العراق؟

"
قرار الغزو كان مؤجلا نفذته إدارة بوش لابقاء حالة اللاتوازن في النظام الدولي

"
قبل الحرب قدمت أميركا تبريرات جرى توظيفها إعلاميا، بالاستفادة طبعا من الهيمنة الراهنة للصورة والقوالب النمطية وطغيان الإعلام الأميركي الذي استخدم أداة في التضليل الإستراتيجي، وقد كانت موضوعة أسلحة الدمار الشامل مجرد كذبة دعائية كل أهميتها أنها جمعت بين أركان إدارة بوش لاسيما بين جناحي الدفاع والخارجية.

وهذه الذريعة لم تعد قائمة، وبات الحديث الآن عن إقامة نموذج ديمقراطي في العراق.

الولايات المتحدة لديها مرونة في تنفيذ إستراتيجيتها، وهي تتحدث اليوم فعلا عن نشر رياح ما يسمى بالإصلاح في المنطقة انطلاقا من العراق، للدلالة على أهمية قرار الغزو وصوابه، لكن ما تردده أميركا غير صحيح، فهي تتحدث عما يجري في لبنان بنفس الصيغة، ونفس الشيء تصف به بعض الانتخابات الفرعية في عدد من دول المنطقة، الحقيقة أن واشنطن تصطدم بحقائق مرة في العراق تحاول معالجتها بالادعاءات والحملات الإعلامية، لكن ما نسمعه من هذه الحملات شيء وإعادة صياغة المنطقة شيء آخر، واعتقد أن أميركا غير جادة أصلا بتأسيس ديمقراطية حقيقية في المنطقة لان ذلك قد يرفع للسلطة أنظمة تعاديها.




تحدثت عن حقائق مرة أمام الأميركيين في العراق، هل ترى أن الأمر يمكن أن يؤثر على الأهداف الإستراتيجية الأميركية في العراق?

بالتأكيد وإلى الدرجة التي بدأ فيها الحديث في الولايات المتحدة عن إستراتيجية الخروج من العراق، لكن الأميركيين يحاولون تجنب ذلك بنشر عدم الاستقرار في العراق وتكريس التقسيم الطائفي والعرقي، وتعزيز التواجد العسكري وبناء وضع إقليمي مطواع يخفف من حالة الاشتباك والعداء لها في العراق، ولعلنا نلحظ اليوم اهتمام واشنطن بالقضية الفلسطينية وحل قضايا إشكالية في كل بلد عربي على حدة فيما لا تبدي اهتماما ظاهرا بتفاقم الأوضاع في العراق.

لكن ألا ترى أن إهمال القضية العراقية لصالح قضايا عربية أخرى يمكن أن يزيد في تعقيد الوضع الأميركي في العراق؟

"
واشنطن تصطدم بحقائق مرة في العراق. والادعاءات الاميركية حول النموذج العراقي للديمقراطية والإصلاح مجرد ادعاءات

"
هو طبعا ليس إهمالا بالمعنى المفهوم، لكنه محاولة تطويع البيئة الإقليمية حول العراق أولا وكما أشرت من قبل فالإستراتيجية الأميركية مرنة والإدارة في واشنطن تدرك أن فشلها سيكون محتوما في العراق إذا استمر استنزافها اقتصاديا ومعنويا وبشريا في هذا البلد، ولذلك هي تجرب أساليب عدة لتجنب الهرب من العراق، ومن بين ذلك محاولة خلق نظام سياسي تابع لها في بغداد، فإن لم يقدر لها ذلك فإنها ستصنع نظاما مشتبكا داخليا ليضطر إلى أن يكون تابعا لواشنطن كي تحميه لذلك نرى أن الولايات المتحدة تعمل على إعادة توليد الأزمة العراقية باستمرار.


وهل من بين السيناريوهات إمكانية تقسيم العراق؟

ربما يكون ذلك جزءا من التخطيط الأميركي المرحلي لمحاولة إيجاد مخاض صعب في العراق وقد رأينا كيف جرت عملية تشكيل حكومة من انتخابات أعتقد أنها لم تكن أكثر من إحصاء سكاني ناقص، ومع ذلك فحتى هذه الحالة المكرسة طائفيا لم تحقق لأميركا ما تريد، الأمر الذي يؤكد وجود عناصر قوة كامنة في المجتمع العراقي عصية على الأساليب الأميركية حتى لو اعتمدت إستراتيجية مرنة، وفي النهاية إن لم تتمكن أميركا من صنع عراق موحد تابع لها فهي ستعمل على تأسيس وضع هش داخليا قابل للاشتعال فتمركز قوتها في مناطق معينة وتبقى في الانتظار أو أن تدخل العراق في أتون أزمة داخلية يكون فيها الصراع بين قوى محلية فيما تبقى القوات الأميركية بعيدة عن الأنظار.



وماذا عن رؤية الداخل الأميركي لما يجري في العراق؟

أستطيع أن أقول إنه يتحرك الآن تحت سطح الإعلام الرسمي المتجاهل للنشاط المعادي للحرب، هناك وضع جماهيري واسع جدا يتراوح بين استخدام وسائل قانونية إلى تجمعات لأهالي الجنود إلى مطالبات بسحب القوات، وهؤلاء هم غير القوى التقليدية المعادية للحرب والتي هي بالأصل كبيرة ومهمة، مشكلة الإدارة اليوم إن الاعتماد المفرط على قوات الاحتياط زاد عن حده، وهناك نحو ستة آلاف هارب من الجيش ولم يعد هناك مجندون جدد وليس هناك بالطبع تجنيد إجباري، وإذا ما استمر نشاط المقاومة العراقية فأرى أنها ستؤثر تصاعديا في الداخل الأميركي وإذا ما استمر استنزاف القوات الأميركية في العراق، فإن وضع الإدارة سيكون صعبا جدا مع نهاية هذا العام، وأعتقد ان الشهور الثلاثة المقبلة من العام القادم ستكون حاسمة ودالة على مستقبل التواجد العسكري الأميركي في العراق.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة