الانتخابات النيابية اليمنية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:51 (مكة المكرمة)، 16:51 (غرينتش)

بعض مظاهر التنافس الإعلامي في الانتخابات اليمنية

إعداد: قسم البحوث والدراسات

اكتسبت الانتخابات النيابية اليمنية التي جرت في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2003 أهمية كبيرة رغم أنها لا تختلف عن انتخابات عامي 1993و1997، ولكن الظروف الإقليمية والدولية التي رافقت الانتخابات ربما كانت السبب في الاهتمام الاستثنائي الذي حظيت به هذه الانتخابات.

بيئة الانتخابات
أ- محليا
قبل الحديث عن أهمية ودلالة الدورة الأخيرة للانتخابات البرلمانية اليمنية تجدر الإشارة إلى البيئة التي جرت فيها هذه الانتخابات.

المناخ السياسي المتأزم كان أبرز ما في البيئة المحلية، فقد وصل التوتر بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك، وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح إلى مداه الأقصى، بعد أن تركزت حملات المؤتمر على اتهام الإصلاح بالإرهاب والتطرف وربطه بحركة طالبان الأفغانية وتنظيم القاعدة في محاولة للتأثير على صورته أمام الرأي العام الداخلي واستعداء القوى الخارجية وبالذات أميركا ضده.

من ناحيته ركز الإصلاح في حملاته على اتهام المؤتمر وقياداته بالفساد المالي واستغلال الوظيفة العامة لخدمة الأغراض الحزبية.

وقد جاءت الحملات الإعلامية في الصحف الحزبية مليئة بعبارات التجريح. ولم تقتصر تلك الدعاية الإعلامية المشحونة على الصحف بل تعدتها إلى استحداث وسائل جديدة كالشريط الغنائي، وهو وسيلة لها فعاليتها في مجتمع يعاني من الأمية فضلاً عن صعوبة وصول الصحف إلى العديد من المناطق اليمنية، عكس الشريط الذي يكفي وصول نسخة واحدة منه إلى أية منطقة ليتم استنساخ آلاف النسخ.

وأثار العنف الإعلامي قلقا بين المراقبين من انفلات الأوضاع وانحراف الانتخابات باتجاه العنف والعنف المضاد.

يمنيون بانتظار الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية الثالثة

وزاد من سخونة الأجواء الانتخابية اتحاد أحزاب المعارضة في جبهة أطلق عليها اسم "اللقاء المشترك"، إذ وجد المؤتمر نفسه في مواجهة كتلة من المعارضة تشكّل ثقلا جماهيرياً كبيرا. وبدلا من أنه كان يتعامل مع كل حزب على حدة، أصبح مضطرا لمواجهة تكتل للمعارضة مما يستدعي معه تغيير أساليب المواجهة.

جاءت الانتخابات البرلمانية اليمنية في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وانخفاض مستوى المعيشة وتدهور سعر صرف العملة الوطنية وزيادة نسبة البطالة، لذلك استأثرت الحالة الاقتصادية باهتمام كبير في الدعاية الانتخابية والدعاية المضادة. فالمؤتمر الشعبي ركّز في دعايته على تحسين الأوضاع ونشر المظلة التأمينية وافتتاح أو إعادة افتتاح المشاريع الخدمية في الأيام الأخيرة للدعاية الانتخابية.

وفي نفس الوقت حاول حزب الإصلاح الطعن في أهلية برنامج المؤتمر الشعبي العام في إصلاح الأوضاع، وتعهد بتحسين الأوضاع وزيادة رواتب موظفي الحكومة بنسبة50% دون الإضرار بالأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وقد جرت الانتخابات في وقت تصاعدت فيه ظاهرة العنف في اليمن واتخذت طابعا سياسيا ودينيا بعدما كانت في الأغلب الأعم ذات طابع قبلي، فقد شهد اليمن حادث المدمرة "كول" في عدن عام 2000 ووقوع بعض التفجيرات التي استهدفت منشآت يمنية وأجنبية. كما شهدت البلاد حادثة مقتل قائد ثنيان الحارثي (أحد المشتبه بهم الرئيسيين بحادثة كول) في هجوم جوي نفذته المخابرات الأميركية في محافظة مأرب، وأخيرا حادث مقتل الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، ومقتل الراهبات في محافظة الحديدة، والأطباء الأميركان في محافظة إب، وكلها جرائم عنف اتسمت بالطابع السياسي الديني.


أهمية هذه الانتخابات تكمن في رغبة اليمن توجيه عدة رسائل من خلال هذه الانتخابات يأتي في مقدمتها التأكيد على أن البلاد تشهد استقرارا أمنيا رغم حالة الاضطراب العام في المنطقة وأن هذا الاستقرار مكّن من إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري

والمعروف أن كل الدول العربية باتت تخشى من ورقة الإرهاب. وهذا ما دفع هذه الدول -ومن بينها اليمن- إلى محاولة إثبات براءتها واتخاذ إجراءات أحيانا تكون غير مبررة، والتعامل بقسوة مع الإسلاميين وبشكل جعل التفريق بين فصيل إسلامي معتدل وآخر متطرف أمرا من الصعوبة بمكان. فالتهم تكاد تشمل الجميع، وهذا زاد من الاحتقان وأثّر على علاقة الأنظمة بالحركات الإسلامية وكان لليمن نصيب من ذلك.

ب- عربيا
وإذا انتقلنا من البيئة المحلية إلى البيئة العربية والدولية نجد أن هذه الانتخابات تأتي بعد ثلاثة أحداث مهمة هي ضرب برجي مركز التجارة العالمي بأميركا في 11 سبتمبر/أيلول 2001، وما تلا ذلك من حرب في أفغانستان، ودعوات بضرورة توسيع هامش الديمقراطية، ثم الحرب على العراق وإزالة حكومة الرئيس صدام حسين، وما أعقب ذلك من دعوات بضرورة التعامل مع وضع إستراتيجي جديد في الشرق الأوسط.

وهذه البيئة المحلية والعربية والدولية التي تجرى في ظلها الانتخابات تطرح تساؤلا مهما حول ما حققته هذه التجربة، وفي هذا الإطار يمكن القول إن اليمن بدأ يتجه إلى تكريس الخيار الديمقراطي رغم الكثير من المآخذ والملاحظات. وهذا يدل على جدية النهج الديمقراطي الذي يمكن أن يصل في النهاية لو أتيحت له الفرصة إلى مستوى متقدم من الممارسة التي قد تصل إلى حد التداول السلمي للسلطة، وإن كان هذا أمرا مستبعدا في المدى المنظور على الأقل.

كما فإن هذا الإنجاز سيظل منقوصا إذا استمر السقف التمثيلي للأحزاب عند هذا الحد وكأن النتائج محسومة سلفا.

وقد أصاب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح لبّ الحقيقة عندما تحدث عن الديمقراطيات العربية ذات الأرقام التسعة طالبا أن تتواضع هذه النتائج إلى حد الـ 55 أو 65% فقط، وهي نسبة ستسمح للأحزاب الصغيرة أن تجد لنفسها عددا من المقاعد تحت قبة البرلمان.

وبالتالي فإن التجربة الديمقراطية اليمنية تحتاج إلى عناية أكثر من خلال الضمانات الدستورية، وترجمتها إلى واقع عملي حي يجعل من التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة مظهرين حقيقيين للديمقراطية وبدونهما لا تكون هناك ديمقراطية.

أهمية الانتخابات الحالية


هذه الانتخابات تمثل إضافة جديدة لرصيد الديمقراطية اليمنية رغم محدوديتها وتطورها، وهذه الإضافات التراكمية ستساعد على نضج الديمقراطية من خلال استمرار عملية التحديث وبناء مؤسسات المجتمع المدني والإصلاح المالي والإداري والقانوني

نصل في هذا المقام إلى الحديث عن أهمية هذه الانتخابات ودلالاتها التي لا يمكن الفصل بينها وبين البيئة التي جرت فيها، ويمكن بداية القول إن إجراء هذه الانتخابات النيابية الثالثة بعد انتخابات 1993و1997 يعد التزاما دستوريا يؤكد صدق التوجه اليمني الديمقراطي.

لذلك فإن أهمية هذه الانتخابات تكمن في رغبة اليمن توجيه عدة رسائل من خلال هذه الانتخابات، يأتي في مقدمتها التأكيد على أن البلاد تشهد استقرارا أمنيا رغم حالة الاضطراب العام في المنطقة وأن هذا الاستقرار مكّن من إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري.

كذلك يريد اليمن أن يؤكد أن التزامه الدستوري بإجراء الانتخابات يعني أن الخيار الديمقراطي لا رجعة عنه، وأن التزامه بالتداول السلمي للسلطة ليس التزاما شكليا بل هو التزام حقيقي وأنه يقبل نتائج صناديق الاقتراع مهما كانت بدليل قبوله هذا التحدي.

يضاف إلى ذلك أن هذه الانتخابات ستفرز مجلسا جديدا تكون مدته ست سنوات، وفق التعديلات الدستورية التي تم إقراراها في فبراير/شباط 2001. صحيح أن المجلس السابق استمر لنفس المدة إلا أنه لم يكن ذلك معروفا منذ بداية تشكيله، إذ كان سيستمر لأربع سنوات فقط لكن تم تمديده قبل نهاية مدته بقليل.

ولا شك أن منح المجلس الجديد ست سنوات سيجعله أكثر استقرارا وسيتمكن من أداء دوره بشكل أكثر فاعلية خاصة وأنه قد تم منحه صلاحيات تشريعية ورقابية موسعة طبقا للتعديلات الدستورية.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة