العراق المحتل 2003-2004 (الدوري 1/مقدمة)   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

محمد الدوري

الحديث عن عراق 2003 وعراق 2004 أمر في غاية الأهمية إذا ما قورن بالعام السابق والأعوام السالفة عندما كان هناك دولة مستقلة ذات سيادة اسمها العراق.

والفرق واضح بين عراق مستقل ذي سيادة، وعراق يخضع لاحتلال عسكري مباشر من قبل دول أجنبية.. بين عراق موحد مركزي تعمل مؤسساته ووزاراته بصورة طبيعية، وعراق من دون مؤسسات أو حكومة أو جيش أو حتى قوات أمن، إضافة إلى غياب تام للأمن والخدمات الأساسية الصحية كالماء والكهرباء. هذا دون الحديث عن توقف تام في حركة المجتمع عموماً من بطالة شبه كاملة خاصة بعد أن تم حل الجيش بتعداد ما يزيد على 400 ألف عسكري وحل قوات الشرطة وقوى الأمن الداخلي، مع إبعاد عدد كبير من موظفي الدولة بسبب انتمائهم إلى حزب البعث الذي يضم مئات الآلاف من المواطنين مع توقف شبه كامل للحياة الاقتصادية.

التغيرات السياسية التي تحدث على أثر انتخابات أو حتى انقلابات أو ثورات عادة ما يتوقع منها أن تكون إيجابية ولا يتأثر بها مباشرة في بداياتها إلا قطاعات معينة وبما لا يمس حركة المجتمع إلا في بعض حلقاته السياسية العليا. لقد ألغى الاحتلال العسكري الأميركي البريطاني للعراق الدولة كلها وجوداً ومؤسسات. وعملية إلغاء الدولة ليست بالأمر الهين لأن آثارها السلبية قطعا ستنعكس على حقوق وممتلكات المواطنين ويمكن أن تتجاوز ذلك لتطال الدائرة الأوسع من محيط إقليمي وواقع دولي. كما أن مثل هذا الإجراء الخطير بحاجة إلى تبريرات سياسية وأخلاقية.

ولكن الغريب في الأمر أن لا أحد حتى اليوم استطاع أن يحدد أسبابا مقنعة لمثل هذه الإجراءات، فأسباب الإلغاء التام للدولة بمؤسساتها مازالت مجهولة والمعروف منها بدأ يتغير مع تقدم الأيام والشهور مثلما تغيرت أسباب الحرب على العراق من امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل واحتمال استخدام هذا السلاح ووصوله إلى الجماعات الإرهابية، إلى موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان وتغيير النظام الذي يهدد جيرانه والمصالح الحيوية الأميركية وأمنها القومي، إلى جعل العراق "بؤرة إشعاع للديمقراطية تكون منارة للمنطقة كلها"، إلى اعتبار العراق ساحة مواجهة رئيسية مع الإرهاب. في حين أن عدداً كبيراً من المحللين السياسيين والإستراتيجيين يربطون هذه الأسباب بالأهداف الإستراتيجية الكونية "للإمبراطورية" الأميركية الجديدة التي تريد العراق بأي ثمن، ليس فقط باعتباره يمتلك ثاني احتياطي عالمي من النفط، بل لموقعه الإستراتيجي المهم والذي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في عملية التغيير المطلوبة في خريطة منطقة الشرق الأوسط لمصلحة الكيان الصهيوني.

وعليه فالفرق شاسع بين عراق 2003 وعراق ما قبل عام 2003، فلم يكن هذا التغيير الدراماتيكي متوقعاً له أن يحصل بهذه السرعة، الأمر الذي رتب نتائج خطيرة لم يكن محسوباً حسابها لا من قبل النظام العراقي السابق الذي كان يصر على أن الحرب لن تقع، ولا من قبل الولايات المتحدة التي لم تتوقع نصرا بهذه السهولة.
_________________________
مندوب العراق السابق لدى الأمم المتحدة. والمقال منشور باتفاق خاص مع التقرير الإستراتيجي الخليجي 2003-2004 الصادر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية - دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة