حضور السلطة في الانتخابات الأردنية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

إعداد: منار محمد الرشواني

تعاني معظم دول العالم من تدخل السلطة في سير العملية الانتخابية وإن بتفاوت، إلا أنها تشكل ظاهرة واضحة في دول العالم الثالث ولا سيما العالم العربي، والأردن ليس استثناء من القاعدة.


منذ انتخابات عام 1993 برزت مظاهر تدخل السلطة السلبي في الانتخابات حيث عمد مجلس الوزراء إلى إقرار قانون انتخاب مؤقت -بعد حل مجلس النواب- يعتمد صوت ناخب واحد لمرشح واحد
السلطة والانتخابات السابقة

نص الدستور الأردني لعام 1952 والمعمول به إلى الآن في مادته (73) على أنه يحق "... للملك أن يؤجل إجراء الانتخاب العام إذا كانت هناك ظروف قاهرة يرى معها مجلس الوزراء أن إجراء الانتخابات أمر متعذر".

ومن ثم يبدو من الممكن القول إن أحد المظاهر "الاستباقية" لحضور السلطة في الانتخابات يتمثل في تأجيل هذه الانتخابات وفقاً للنص السابق، نظراً لكون سلطة تقدير مجلس الوزراء للظروف القاهرة هي سلطة تقديرية. وهو الوضع الذي عانى منه الأردن منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية إثر حرب يونيو/ حزيران 1967، إذ اعتبر النظام السياسي الأردني أن إجراء انتخابات نيابية في جزء من الأردن دون الجزء المحتل قد يفسر باعتباره إقراراً بالاحتلال، وبكون الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين. وكذلك تأجيل الانتخابات الحالية التي كان من المفترض إجراؤها في العام 2001.

أما على صعيد الممارسة الحقيقية للانتخابات النيابية، وإزاء كون قانون الانتخاب بمثابة العمود لهذه العملية بنواحيها كافة (إعداد جداول الناخبين، وتنظيم عملية الترشح، والإشراف على عملية الاقتراع وفرز الأصوات)، فتبرز هنا المادة (67) من الدستور والتي تنص على أنه "يتألف مجلس النواب من أعضاء منتخبين انتخاباً عاماً سرياً ومباشراً وفقاً لقانون الانتخاب..".

ومن هنا تبدو أول مظاهر حضور السلطة في الانتخابات النيابية من خلال دورها في إعداد قانون الانتخاب. وإذا كان هذا المظهر قد بدا جلياً منذ أول انتخابات نيابية شهدها الأردن في عهد الإمارة عام 1929، إذ فرضت بريطانيا -الدولة المنتدبة على الأردن- قانون انتخاب يهدف إلى تحقيق مصالحها بدلاً من القانون الذي كانت قد أقرته اللجنة الأهلية ووافق عليه الأمير (الملك فيما بعد) عبد الله الأول، مما أدى إلى بروز الدعوات من قبل القوى الوطنية لمقاطعة هذه الانتخابات.

غير أن المفارقة الحقيقية تبرز خلال تجربة الأردن الحديثة في العودة إلى الديمقراطية والحياة النيابية (الانتخابات) والتي بدأت منذ عام 1989، إذ شهدت هذه الفترة إجراء ثلاثة انتخابات نيابية في الأعوام 1989 و1993 و1997، في حين ستجرى الانتخابات الرابعة يوم 17 يونيو/ حزيران 2003.

وقد أجريت أول انتخابات نيابية في الأردن بعد العودة إلى الحياة الديمقراطية عام 1989 وفقاً لقانون رقم (22) لسنة 1986 ذي القائمة المفتوحة، واتسمت هذه الانتخابات وفق شهادة العديد من المراقبين بقدر كبير من الحرية والنزاهة، إلا أنه ومنذ انتخابات عام 1993 برزت مظاهر تدخل السلطة السلبي في الانتخابات من خلال دورها على صعيد قانون الانتخاب خصوصاً، حيث عمدت السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) إلى إقرار قانون انتخاب مؤقت عام 1993 بعد حل مجلس النواب.

كما أجريت انتخابات عام 1997 في ظل مقاطعة عدد كبير من الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات الوطنية، كان من أهم أسبابها الاستمرار في العمل بالقانون الذي تم وضعه من خلال القانون المؤقت لعام 1993، والذي عرف بقانون الصوت الواحد (صوت واحد لكل مواطن بغض النظر عن عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية)، في حين تجرى الانتخابات الحالية (2003) في ظل قانون مؤقت أيضاً مازال يعتمد آلية الصوت الواحد.

وفيما تبدو المفارقة في أن دورتين انتخابيتين من أصل أربع دورات (بما فيها الدورة الحالية) تمت أو تتم في ظل قانون مؤقت صادر عن السلطة التنفيذية بعد حل مجلس النواب، فإن آلية الصوت الواحد ينظر إليها باعتبارها الأداة الأهم لتحقيق تدخل فاعل للسلطة في نتائج الانتخابات من خلال تحجيم الأحزاب والقوى السياسية المعارضة، وتعزيز دور العشائر الأكثر انسجاماً مع السلطة -بشكل عام- في مجلس النواب، بما يضمن للسلطة الوصول إلى نتائج مرضية على صعيد التمثيل النيابي، وتمرير مشاريعها وسياساتها -بالتالي- دون عقبات، وهو ما بدا جلياً واضحاً في أداء مجلسي النواب المنتخبين عامي 1993 و1997.


قانون الانتخاب الحالي لم يعتمد عدد السكان معيارا لعدد المقاعد، ولم يأخذ بمبدأ الإشراف على الانتخابات، ومازال المرشحون يتعرضون للضغوط
الانتخابات الحالية 2003

وجه الملك عبد الله الثاني يوم 17 يونيو/ حزيران 2001 رسالة إلى رئيس الوزراء المهندس علي أبو الراغب، طلب فيها وضع "قانون عصري للانتخابات البرلمانية يسهم في تنمية الحياة السياسية والديمقراطية، ويعزز إمكانات التفاعل مع المستجدات والمتغيرات في حركة سير المجتمع الأردني وتطوره، بما فيها تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني... ويضمن إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية وحصة كل دائرة من النواب... ويعتمد على آلية متطورة في أسلوب التصويت وفرز الأصوات ومراجعة وإقرار جداول الناخبين".

ورغم التعديلات الإيجابية نسبياً التي تضمنها قانون الانتخاب الجديد المؤقت رقم (34) لعام 2001 من خلال زيادة عدد المقاعد النيابية من 80 إلى 104 والتي أصبحت فيما بعد 110 بعد إضافة ستة مقاعد مخصصة للنساء، كما تم زيادة عدد الدوائر الانتخابية من 21 إلى 45، واعتماد البطاقة الشخصية الصادرة عن دائرة الأحوال المدنية بدلاً من البطاقة الانتخابية، وكذلك خفض سن الاقتراع من 19 إلى 18 سنة، وإدخال القضاء في عملية الإشراف على عملية الاقتراع والفرز التي تم توحيدها، إضافة إلى السماح للناخب بالإدلاء بصوته في أي مركز اقتراع ضمن دائرته الانتخابية..

رغم ذلك فقد تضمن قانون الانتخاب الحالي مجموعة من الثغرات التي يمكن اعتبارها مدخلاً لتدخل السلطة لضمان الحصول على نتائج ترتضيها. وتتمثل أهم هذه الثغرات في:

  1. عدم اعتماد معيار عدد السكان في تحديد مقاعد الدوائر الانتخابية، وهو ما يؤدي إلى خلل في معدل تمثيل المقاعد بين دائرة وأخرى.
  2. عدم الأخذ بمبدأ الإشراف القضائي التام على الانتخابات، أو تشكيل لجنة وطنية مستقلة لهذا الغرض. بل إن اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات والبت في جميع الأمور التي تعرضها عليها اللجان المركزية تتشكل برئاسة وزير الداخلية وتضم في عضويتها الأمين العام لوزارة الداخلية، والمدير العام لدائرة الأحوال المدنية، وقاضياً من الدرجة العليا يسميه رئيس المجلس القضائي، ومدير الدائرة المختصة في وزارة الداخلية. ويعين وزير الداخلية سكرتيراً للجنة.

إضافة إلى ذلك تشير بعض الصحف المحلية المعارضة في الأردن إلى عدد من التجاوزات الحكومية في سير الانتخابات الحالية -إن بشكل رسمي أو غير رسمي- من خلال استغلال بعض المتنفذين في الحكومة لمناصبهم وما تتيحه من إمكانات لدعم أوضاع بعض المرشحين أو إضعاف أوضاع مرشحين آخرين، وهو ما دفع رئيس الوزراء إلى إصدار بلاغ يحظر على الوزراء زيارة مقار المرشحين.

وعلى سبيل المثال ذكرت النائبة السابقة توجان فيصل أن رئيس الوزراء اتصل بها قبل أسبوع من موعد الترشيح الرسمي للانتخابات "وطلب مني عدم ترشيح نفسي"، وأن "الرئيس هددني بتكسير رجلي ومنعي بالقوة من الترشح إن قمت بترشيح نفسي" (السبيل 27/5-2/6/2003).

كما يؤكد حزب جبهة العمل الإسلامي على لسان نائب أمينه العام جميل أبو بكر أن لدى الجبهة معلومات مؤكدة حول وجود قوائم استبعاد لأعضائها والمقربين منها وأعضاء مرشحيها ومرشحي المعارضة من لجان الانتخابات، وأن السبب وراء رفض وزارة الداخلية منح المرشحين سجلات الناخبين هو وجود عسكريين بين هؤلاء للتصويت لصالح عدد من المرشحين (رغم أنه يحظر على العسكريين الانتخاب بموجب القانون)، وأن الحكام الإداريين مارسوا ضغوطاً على بعض الشخصيات والمسؤولين عن مضافات وجمعيات لمنع استضافة مرشحين لجبهة العمل الإسلامي والمعارضة (السبيل 27/5-2/6/2003).

وكانت الجبهة قد أصدرت يوم 12 مايو/ أيار الماضي تصريحاً صحفياً استنكرت فيه "قيام بعض الدوائر الرسمية باتخاذ أساليب لإعاقة سير عملية ترشيح بعض مرشحي الحزب والتأثير على فرص نجاح مرشحي الحزب الآخرين في عدة مناطق... وأن الحكام الإداريين يمارسون ضغوطاً على بعض العشائر والتجمعات السكانية لإنزال مرشحين بهدف التأثير سلباً على فرص مرشحي الحزب.. أو إعاقة حصولهم على حقوقهم في الأوراق الثبوتية كما حدث مع المهندس علي أبو السكر (عضو لجنة مقاومة التطبيع المنبثقة عن النقابات المهنية الأردنية) في الزرقاء" (السبيل 13-19/5/2003).

وتبقى الإشارة إلى أن السلطة -وعلى أعلى المستويات- أكدت حرصها على إجراء انتخابات حرة ونزيهة!
________________
باحث أردن
ي

المصادر:
1- هاني الحوراني، قانون الانتخاب المؤقت رقم (34) لسنة 2001 من منظور منظومة حقوق الإنسان، قضايا المجتمع المدني، العدد (9)، آذار/ نيسان 2002
2- صحيفة السبيل

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة