ما بعد انتخابات 27 سبتمبر   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:33 (مكة المكرمة)، 16:33 (غرينتش)

* بقلم/ عبد المنعم دلمي

يعيش المجتمع المغربي هذه الأيام في خضم تسارع أحداث ومحددات حركية سياسية غير مسبوقة، وفي هذا السياق يتساءل البعض إن كانت الانتخابات الحالية تشكل استمرارية لما شهده المغرب منذ خمسين سنة أم أن الأمر يتعلق بقطيعة في الصيرورة السياسية السابقة؟

في الواقع لا يمكننا الجزم بحدوث قطيعة على هذا المستوى، في تصوري يمكن الحديث عن تطور في مسلسل التغيير السياسي. وما وقع بالتحديد هو أن المغرب شهد تطورا مهما متعدد الأبعاد اشتد إيقاعه في السنوات الخمس الأخيرة.

إن إيقاع التطور السياسي بدأت وتيرة سرعته ترتفع عندما حصل نوع من التوافق السياسي الذي يمكن اعتباره من أهم إفرازات تشكيل حكومة التناوب في مارس 1998. لكن يحق لنا أن نتساءل: ما هي القراءة الممكنة لمفهوم التناوب؟

- التناوب.. الحدود والشروط
- من الإقصاء إلى التشارك
- المرحلة الجديدة.. تدبير الشأن العام

التناوب.. الحدود والشروط


المشكلة في البلدان النامية تكمن في القدرة على تنظيم انتخابات يرضى عنها الجميع ولا تترك مجالا للمنازعة على نتائجها من الأطراف

مصطلح التناوب في حد ذاته يكتسي عدة دلالات لكننا سنختار من بينها ما يتعلق بتلاقي مجموعة متجانسة من الشركاء السياسيين لخلق الأجواء الضرورية والكافية للوصول إلى تنظيم انتخابات تشريعية يرضى عن نتائجها الجميع.

والمشكلة الحقيقية التي تعوق بلورة الديمقراطية في البلدان النامية لا تنحصر في القدرة على تنظيم الانتخابات على المستوى التقني فقط، وإنما تكمن في القدرة على تنظيم انتخابات يرضى عنها الجميع ولا تترك أي مجال للمنازعة على نتائجها من هذا الطرف أو ذاك. لذا فالمشكلة الحقيقية التي تعترض تثبيت الديمقراطية في مثل هذه البلدان تكمن في إيجاد السبل الواجب اتباعها من أجل فرز توافق واقعي ملموس في أفق إرساء نظام ديمقراطي حقيقي.

ولهذا فالتساؤل لا يطرح بتاتا على المستوى التقني بل يهم شروط تنفيذ الاتفاق المسبق الذي يجب أن لا يشكك فيه أحد الأطراف. ولقد مكنت تجربة حكومة التناوب بالمغرب من تحقيق هذا التوافق الذي أسهم في تسريع وتيرة التغيير الذي نقف اليوم عند نتائجه الملموسة، خصوصا من خلال ما يجري في الانتخابات الحالية.

إن التغيير كصيرورة سياسية واجتماعية ينبني على أساس انخراط العديد من الفاعلين فيه في ظل شروط موضوعية تنصهر في إطار حركية شاملة. وفي هذا السياق هناك العديد من العناصر التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

أولا يجب تمثل مستوى تطور البلاد، فكل المراقبين يستطيعون أن يقفوا اليوم على ما يشهده المغرب من تطور وتحول في ميادين عدة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي،
والوصول إلى هذا المستوى من التطور لم يعد يسمح باستمرار سيادة نظام حكم سلطوي أو استبدادي لا يترك أي هامش لممارسة الحريات الديمقراطية وإلا أصبح نظام الحكم نفسه أكبر عائق أمام حركية التطور الاقتصادي.

ربما يوجد وضع يتطور فيه الفعل الاقتصادي إلى حد معين في إطار نظام سلطوي لا ديمقراطي، لكنه لن يتعدى حدودا معينة، وبعدها يسقط في فخ التناقض وحتما يصبح غير منتج. إنه الوضع نفسه الذي كاد المغرب أن يقع فيه.

لكن الوضع الصحيح هو الذي يحصل فيه نوع من التجانس والتلاقح بين الديمقراطية والليبرالية الاقتصادية. ولقد أظهرت التجربة عبر العالم أنه من شبه المستحيل أن تجد دعائم الليبرالية الاقتصادية رواسي لها دون أن نفعّل ثوابت العمل السياسي الديمقراطي وندعم الحريات العامة في اتجاه توسيعها وإكسابها أكبر هامش ممكن من الممارسة في أمد زمني منظور أو متوسط.

إن الحاجة الملحة إلى تحرير المجال السياسي في المغرب برزت كضرورة موضوعية دفعت بصانعي القرار السياسي إلى القبول بالدخول في مرحلة انتقالية تهيأ فيها كل الشروط الإيجابية لولوج مرحلة جديدة.

السياسة المغربية.. من الإقصاء إلى التشارك


الصراع السياسي في المغرب انتقل من منطق الإقصاء إلى منطق تدبير المصالح المشتركة والتعايش

والسؤال المركزي الآن هو هل نستطيع فعلا تحقيق هذا الانتقال؟ إذ يكفي أن نعي ضرورة التغيير، لكن ما يلزمنا هو الإرادة والقدرة على إنجازه.

إن التحولات التي شهدتها اللعبة السياسية بالمغرب يمكن مقاربتها عبر التحول الذي طرأ على صيغة الصراع السياسي الذي انتقل من منطق الإقصاء إلى منطق تدبير المصالح المشتركة والتعايش. فالتناقضات التي تنشأ في ظل منطق الإقصاء تتفاعل في إطار مواجهات ذاتية وأحيانا نرجسية، مواجهات لم تكن تسمح بالتعايش، بل تنبني على أساس "أنا أو لا أحد". أما تدبير التناقضات الحالية فيتم عبر القبول بالآخر.

إن المغرب بصدد وضع اللبنات الأولى لهذا الواقع الجديد، وضع تصبح فيه الديمقراطية واقعا ملموسا، أي يحصل الاتفاق على الأشياء الجوهرية ويتم وضع قواعد اللعبة والقبول بالتناوب على السلطة. إن تجربة التناوب جاءت بإيعاز من القصر نفسه، والأحزاب السياسية أبدت استعدادا للمشاركة علما بأن عددا منها كان في الماضي رافضا لأي فكرة إصلاح للنظام من الداخل.
وما نشهده اليوم هو حدوث نوع من النضج السياسي الذي بدأ يطفو على الساحة السياسية المغربية، كما أن الأحزاب أضحت تعي ذلك ولم تتأخر في المشاركة من أجل إنجاح هذا المسلسل.

المرحلة الجديدة.. تدبير الشأن العام

إننا اليوم نشهد المراحل النهائية لرص لبنات هذا المسلسل، ولكن هذا ليس إلا البداية، لأننا إذا توفقنا في إنجاح هذا المسلسل فذلك بالطبع يكون بغرض الدخول في مرحلة جديدة، مرحلة تتسم بالجديد على المستوى السياسي وعلى المستوى الاقتصادي وعلى مستوى تدبير الشأن العام.

وهذا لا يعني بالضرورة أن كل التناقضات داخل المجتمع بدأت في الاندثار، أنا لا أعتقد أنها ستندثر، بل أظن أننا سنلج مرحلة يتم التعبير فيها عن التناقضات بصيغ جديدة.

إن أمر إعداد الانتخابات بإسهام الجميع على أساس اتفاق مسبق لإنجاحها يعتبر إشارة إلى أن هذه التناقضات بدأ التعبير عنها بشكل جديد، وأنها أصبحت تناقضات عادية إلى حد أن المجتمع يمكن أن يستوعبها تماما.

هذا التطور يعني أننا دخلنا في مرحلة يمكن وصفها بـ"المتحضرة". ولقد كلفنا الوصول إلى هذه المرحلة 50 سنة من تاريخ المغرب الحديث، ولا شك في أن تجسيد فكرة الانتقال ينحصر الآن في الطريقة والظروف التي سيعيش عن طريقها المغرب هذه الاستحقاقات.

المرحلة السياسية التي عاشها المغرب عرفت بالطبع تألق فاعلين سياسيين عملوا على تنشيط الحياة السياسية بما كان متاحا لديهم من إمكانات. أما تدبير المرحلة المقبلة التي سيكون الرهان الكبير فيها يدور حول من له القدرة على إسعاف الآخرين وتوفير كل شروط الاعتناء المادي بهم عبر ضمان خلق الثروة، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة سوف تسفر عن ظهور فاعلين جدد أكثر تكيفا مع واقع المرحلة الجديدة.

حققت حكومة التناوب دورا سياسيا مهما في تدعيم التوافق السياسي، لكن على المستوى الاقتصادي تعرضت للعديد من الانتقادات اللاذعة

من ضمن هؤلاء الفاعلين سنجد المجتمع المدني وكذلك الأحزاب السياسية التي عليها أن تتطور تحت ضغط متطلبات المرحلة وعليها أن تعمل على تشبيب زعاماتها وإعطاء مركز الريادة لمن يتوفرون على كفاءات في التسيير والتدبير.

نحن اليوم على المستوى الحزبي دخلنا مرحلة الانتقال من واقع المواجهة إلى واقع التسيير والتدبير. ففي النظام السابق لكي تكون مسؤولا عن هيئة سياسية يجب أن تتقن فن المواجهة وأن تتوفر على قدرة عالية للمقاومة، لكن الأمر تغير والهدف الحقيقي لأي تنظيم سياسي هو الوصول إلى السلطة.

ولا بد من الاعتراف بأن حكومة التناوب قامت بدور مهم في تحقيق توافق سياسي، لكن على المستوى الاقتصادي تعرضت للعديد من الانتقادات اللاذعة، فعلى هذا المستوى لوحظ ضعف نسبي.

ولا شك في أن ما بعد استحقاقات 27 سبتمبر 2002 سيتميز بضرورة رفع أهم تحد لمغرب محمد السادس، إنه تحدي القدرة على تدبير الشأن العام، وهو في آخر المطاف رهان ستتبلور عن طريقه الصورة المستقبلية لمغرب الغد.
_______________
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط والمدير العام لجريدتي "الصباح" و"ليكونوميست" – المغرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة