آلية الصراع داخل الأحزاب السياسية في البلدان العربية (ملفات)   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:40 (مكة المكرمة)، 16:40 (غرينتش)


بقلم: شاهر أحمد نصر

تمهيد
شيء من التاريخ
من أسباب الأزمة

أزمة الستينيات
أزمة السبعينيات
أزمة الثمانينيات
نقاش الطرشان
رسائل لا طائل منها
الجهل والتجهيل من وسائل الصراع
سبل النجاة


تمهيد

عرفت الأحزاب السياسية في البلدان العربية صراعات حادة حول الأيديولوجيا والسياسة، تركت أثرها العميق على مستقبل هذه الأحزاب ودورها في المجتمع.

وأخذت هذه الصراعات أشكالا مختلفة، في ظروف وأجواء تميز فيها الطابع العام للآلية التي سلكتها هذه الأحزاب ببعدها الكبير عن الأشكال الديمقراطية في الممارسة ومعالجة الخلاف، وطغيان العصبية، وتضخم العوامل الذاتية، وتغليب أغلب قادتها المصالح الشخصية على مصالح التنظيم والوطن. ولو اتبعت أساليب حضارية ديمقراطية في معالجة تلك الأزمات لجنبتها ولجنبت الوطن كثيرا من الخسائر وهدر الوقت والطاقات.

ونظرا للتشابه في بنية تلك الأحزاب وآلية تعاملها مع أزماتها، نرى أن البحث في أسباب الأزمة وطرق معالجتها في أحدها يساعد في تكوين تصور عن الأحزاب الأخرى.

مما لا شك فيه أن الأزمة التي تعيشها هذه الأحزاب أزمة فكرية وسياسية وتنظيمية شاملة، كما أنها أزمة فهم لمتطلبات الواقع ومتطلبات التطور والانسجام معها، إذ إنها أخذت في أشكالها الحالية ونهجها وأساليب عملها تلعب دورا معرقلا لمتطلبات التطور، وتزيد من تفاقم الأزمة التي تعيشها مجتمعاتها، فهذه الأحزاب بحاجة ليس فقط لمعالجة أزماتها، بل ولتجديد نفسها باستمرار في جميع نواحي بنيانها.

سنتطرق في هذا البحث لآلية الصراع التنظيمية في الحزب الشيوعي السوري. مؤكدين أن مثل هذه الأبحاث تحتاج لتضافر جهود كثيرة، والتطرق إليها ينبع من رغبة في رصد تطور العمل السياسي ومعوقاته، وننوه إلى أن اضطرارنا لذكر بعض الأسماء ناجم عن ضرورة البحث والتوثيق، فنذكرها كما جاءت في الوثائق مع كل التقدير للجميع. ونتمنى على جميع الأحزاب أن تنظر نظرة علمية نقدية إلى نشاطها بشكل عام.

شيء من التاريخ

يتفق الشيوعيون السوريون بتنظيماتهم المختلفة على الأسس والمرتكزات الأساسية لسياسة الحزب الشيوعي السوري، وهي "وجه الحزب المستقل، والتعاون مع الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية، والنضال في سبيل مطالب الجماهير".

وهم متفقون على برنامج سياسي واحد، ويعتنقون فكرا واحدا، ويتبنون أسسا تنظيميةً واحدة لا داعي لتكرارها.

ويشهد للحزب الشيوعي السوري بمواقفه الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي وضد الديكتاتوريات والأحلاف المشبوهة، وضد الاحتلال الصهيوني في سبيل تحرير الأراضي العربية المحتلة ومساندة الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه كاملة.

وللشيوعيين السوريين باع طويل في نشر الفكر الاشتراكي والتحلي بالأخلاق الوطنية وحب العمل والنزاهة ونكران الذات..، وتربى العديد من المفكرين والأدباء والمثقفين السوريين والعرب في مدرسة الحزب الشيوعي، أو تأثروا بها وبالمثل العليا التي يدعو إليها ويضحي العديد من أعضائه في سبيلها. وإن لم تخل مسيرة هذا الحزب كأي حزب سياسي من النواقص والأخطاء.


يشهد للحزب الشيوعي السوري بمواقفه الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، وضد الديكتاتوريات والأحلاف المشبوهة، وضد الاحتلال الصهيوني في سبيل تحرير الأراضي العربية المحتلة ومساندة الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه كاملة

ومع تزايد دور الحزب الشيوعي السوري في البلاد أخذ يعاني من أزمات، ويتخبط في صراعات داخلية تنهكه، وتلهيه عن القيام بمهامه، وتبعد الجماهير عنه منذ عقود من الزمن.

سأحاول في هذا البحث إلقاء الضوء على تطور الصراع التنظيمي في الحزب الشيوعي السوري، وبعض الأشكال التي أخذها هذا الصراع، والأساليب التي اتبعت لمعالجة الأزمة التي يعيشها الحزب، بحثا عن الاستنتاجات والاقتراحات التي تساعد في الخروج من هذه الأزمة، علماً بأن هذا العمل يستدعي فتح نقاش عام وتضافر جهود جميع الذين يريدون إنقاذ هذا الحزب الذي يحتاج إلى الخروج من أزمته وبالوقت نفسه تجديد نفسه بجرأة وموضوعية، إن أريد له الاضطلاع بدور بناء سليم. مع إعادة التأكيد على أن الأزمة لا تقتصر على هذا الحزب دون سواه، بل إن دراستها والبحث عن الحلول لها تفيد جميع الأحزاب السياسية في البلاد التي تعاني من أزمات ليست أقل حدة.

من أسباب الأزمة

مما لا شك فيه أن أسباب الأزمة في الحزب الشيوعي السوري كثيرة، وهي فضلا عن كونها تعكس بهذا الشكل أو ذاك الأزمة التي عانتها الحركة الشيوعية العالمية، فإنها تعود لأسباب داخلية في الحزب نفسه وفي الوسط الاجتماعي والوطني الذي نما فيه.


مع تزايد دور الحزب الشيوعي السوري في البلاد أخذ يعاني من أزمات ويتخبط في صراعات داخلية تنهكه وتلهيه عن القيام بمهامه وتبعد الجماهير عنه منذ عقود من الزمن
وكان للصراع على السلطة وسياسة تهميش الأحزاب السياسية في سوريا وتفتيتها دور في أزمة وانقسام هذا الحزب، وضعفه كسائر الأحزاب والقوى السياسية في سوريا.

كما كان للبنية التنظيمية التي نظمت عمل هذا الحزب وللميزات النفسية والأيديولوجية لقيادته التي تربت في مدرسة عبادة الفرد، دور أساسي لما حصل.

أي لا بد من التنويه إلى ضرورة تحميل قيادة الحزب مسؤولية ما جرى ومسؤولية التقصير في معالجة الأزمة، هذا ما سنركز عليه في هذا البحث، وهذا ما تؤكده جميع الوثائق الصادرة عن قيادات جميع الأطراف مع التأكيد على أن النظرة الموضوعية تؤكد عدم نكران جهد أي عضو في الحزب بما في ذلك قادته في بنائه، بل لا بد من التأكيد على دور كل من وضع لبنة في بنائه، أي من الضروري أن ننظر إلى الماضي نظرة نقدية موضوعية لأنه لا يمكن أن ينضج الجديد المقبل إلا في الماضي.

فالإشارة إلى الأخطاء ومرتكبيها إنما تهدف إلى معالجة هذه الأخطاء وليس الاصطياد، وسيقول التاريخ كلمته عاجلا أم آجلا، وكم هو موضوعي ومفيد أن يتمعن كل واحد خاصة القيادي في ما سيقوله التاريخ عنه، والمستقبل هو تاريخ سنعيشه.

فمن دواعي الأسف أنه بدلا من تكثيف الجهود والعمل على تطبيق برنامج الحزب والالتفات إلى المهام الحزبية والجماهيرية والوطنية، انشغلت قيادة الحزب بالعمل التكتلي والصراعات.

وتبين الوثائق المقرة من قبل جميع الأطراف اعتراف وإقرار القيادات جميعها بمسؤوليتها عن هذه الصراعات العبثية التي لا مصلحة لا للحزب ولا للوطن أو الجماهير فيها، والتي أخذت تتمحور ليس حول كيفية النهوض بالحزب، بل حول كيفية الوصول إلى القيادة (الأمانة العامة) والمحافظة على المناصب والتشبث بها.

أزمة الستينيات

غداة المؤتمر الثالث للحزب الذي عقد عام 1969 أخذت ترتفع أصوات تنادي بالتجديد في الحزب، وجعله يرتبط جذريا بالواقع العربي والمحلي، وأخذت هذه الأصوات تشكل خطرا على القيادة القديمة التي استخدمت جميع الوسائل للمحافظة على مراكزها، بما في ذلك الاستنجاد بالدعم الخارجي من الحركة الشيوعية العالمية وطليعتها الحزب الشيوعي السوفياتي، الذي قدم الدعم لتلك القيادة بتقديمه وثيقة أطلق عليها اسم "ملاحظات الرفاق السوفيات"، كما صدرت وثيقة ثانية تدعى "ملاحظات الرفاق البلغار"، جميعها تصب في الاتجاه الذي تدعو إليه تلك القيادة، التي أصدرت بيانا لاحقا اعتبره بعض من وقع عليه بأنه بيان غير شرعي، وانظر في هذا وثيقة "بعض جوانب الأزمة في الحزب الشيوعي السوري" التي صدرت عن المؤتمر السادس للحزب "فيصل "، سمي ذلك البيان "بيان 3 نيسان" 1972 وقع عليه 12 من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب (1) فضلا عن ممثلي منظمات حزبية في المحافظات السورية.

أكد هذا البيان أن الهدف الرئيسي " للكتلة التحريفية " الانتهازية المغامرة هو "تبديل سياسة الحزب عن طريق تبديل قيادته ".(2)

ونظراً للتربية القائمة على التقدير والتأثر (بل الالتزام) بكل ما يبدر عن "الرفاق الكبار- السوفيات"، كان لموقف الحركة الشيوعية الذي أخذ أشكالا مختلفة بما فيها منح الأوسمة دور في اصطفاف العديد من أعضاء الحزب إلى جانب القيادة القديمة، كما أسهم ذلك في حصول اصطفاف في معسكر ما سمي بـ "الكتلة" -أطلق لقب الكتلة على المطالبين بالتغيير-، فخرج منها ثلاثة من أعضاء المكتب السياسي (3)، ليشكلوا مع من وقع بيان (3 نيسان) أغلبية القيادة، وأصبح باستطاعة الحركة الشيوعية وطليعتها السوفيات أن تعلن أنها مع القيادة القديمة، كونها تمثل "الشرعية"، حسب مبادئ المركزية الديمقراطية الناظمة لعمل الحزب.

رياض الترك

في حين رأى العديد من كوادر الحزب وحزبيون عاديون مع بقية أعضاء المكتب السياسي وعلى رأسهم رياض الترك، أن الجمود في فكر الحزب وابتعاده عن ملامسة المهام القومية بشكل سليم، وتمترس القيادة وتمسكها بمراكزها يعتبر عقبة أمام استمرارهم في التنظيم نفسه.

كما أن التعامل مع أعضاء هذا الفصيل -على الرغم من بعض الملاحظات على بعض الشعارات التي طرحها- لم ينطلق من موقع المسؤولية والغيرة عليهم وعلى بقائهم في الحزب، بل استخدمت أساليب التشهير والإبعاد، ويتذكر معاصرو تلك المرحلة كيف أن القيادة بحثت آنذاك عن اقتراحات تقدم للطرف الآخر بحيث يخرج خاسرا إن قبل بها أو رفضها على السواء.

أي البحث عن طرق التخلص منهم، ولو نجم عن ذلك خسارة العديد من أعضاء الحزب -وهذا ما حصل- في سبيل المحافظة على المراكز القيادية.

وللخروج من أزمة القيادة هذه جرى الاتفاق على أن يصبح الأمين العام رئيسا للحزب خلال سنتين، لكنه لم ينفذ هذا التعهد، كما تؤكد وثيقة "بعض جوانب الأزمة" أن عدم تطبيقه للتعهد ترك باب الأزمة مفتوحا، مع ما يرافق ذلك من أعمال ونشاطات تكتلية.(4)

هذا ما يؤكد أن أحد جوانب الصراع والخلاف في الحزب الشيوعي السوري كان يدور حول القيادة والأمانة العامة، وهذا ما كاد يفجر المؤتمر الرابع، وتم تجاوز تلك الحالة الصعبة بأسلوب فريد، وأدخل منصب الأمين العام المساعد (5) إلى النظام الداخلي. لماذا هذا المنصب؟ ولماذا جرى لاحقا في المؤتمر السابع التخلي عنه؟

أزمة السبعينيات

استمر الصراع في المؤتمر الرابع وبعده، وأخذ أحد أعضاء المكتب السياسي (6) الجديد يتصل بمختلف المنظمات الحزبية ويشرح لها "خيوط المؤامرة" التي يحيكها الأمين العام المساعد مع الثلاثة (الذين انفصلوا عما سمي بالكتلة) ضد الأمين العام.


من دواعي الأسف أنه بدلاً من تكثيف الجهود، والعمل على تطبيق برنامج الحزب، والالتفات إلى المهام الحزبية، والجماهيرية والوطنية، انشغلت قيادة الحزب بالعمل التكتلي والصراعات

وأخذ البعض يطرح شعارات مفادها أن الأقليات هي ضمانة أممية التنظيم، وأن على الرفاق أن يدوسوا على قناعتهم أمام آراء الأمين العام.

واستخدم الأمين العام المساعد خبرة السنوات السابقة لمواجهة الحلف الجديد بين عضو المكتب السياسي مراد والأمين العام، لدق إسفين بينهما ليرتفع سؤال جديد حول كيفية انتهاء هذه المرحلة التي بدأها عضو مكتب سياسي بالدفاع عن الأمين العام ليخرجه الأمين العام مع أنصاره خارج الحزب.

خرج عضو المكتب السياسي وسبعة من أعضاء اللجنة المركزية من الحزب ومعهم مجموعة من الرفاق.

وفي هذه الفترة تم تأليب السلطات ضد من خرج من التنظيم، وزج برياض الترك ورفاقه في السجن.

ويعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري ببساطة أنه يتحمل مسؤولية في قضية الانقسامات إضافة إلى الموقف المتعنت (حسب الوثيقة أعلاه)"7" الذي اتخذه الأمين العام. ولكن كيف تحمل أعضاء المكتب السياسي المسؤولية؟


أزمة الثمانينيات

لقد أعيد انتخاب من قسموا التنظيم ليتابعوا نفس الطريق الذي تمرسوا فيه، طريق التكتلات والصراعات. فلم تتوقف الأزمة ولا النزيف، حتى بعد خروج عضو المكتب السياسي المنافح عن الأمين العام وجماعته، بل استعرت أكثر وتحولت بين الأمين العام ومساعده إلى معركة انتخابية حول كسب المندوبين إلى المؤتمر السادس. لماذا كسب المندوبين؟ لانتخاب قيادة جديدة، وأمين عام على وجه الخصوص.


اتخذ الأعضاء من القيادة المتصارعة مثالاً، فأخذت تتغذى روح الوصولية والانتهازية تعززها معركة القيادة في سبيل حصول كل طرف على أكبر عدد من المندوبين الموثوق في ولائهم للقائد

فالصراع في الحزب لم يكن يستهدف تحسين أدائه بين الجماهير، ولا كيفية تطبيق برنامجه بل احتفاظ القيادة بمواقعها، وإيصال المقربين إليها. وهكذا، وبدلاً من تربية أعضاء الحزب على أن يكونوا قدوة ومثالاً في العمل والحياة، وأن يتصفوا بنكران الذات والاستقامة والصدق والشجاعة والمروءة، داخل الحزب وخارجه، وأن يقدموا دائماً مصالح الوطن على كل مصلحة خاصة -كما ورد في النظام الداخلي للحزب- اتخذ هؤلاء الأعضاء من القيادة المتصارعة مثالاً، فأخذت تتغذى روح الوصولية والانتهازية تعززها معركة القيادة في سبيل حصول كل طرف على أكبر عدد من المندوبين إلى المؤتمر، مقدمة الكادر لا حسب المواصفات الصحيحة، بل حسب الولاءات، بحيث يصل إلى المؤتمر أولئك الموثوقون الذين إن قال لهم القائد عن القمر هذه الشمس، يرددون بل شمس وهاجة حارقة.

وهكذا وعلى الرغم من جميع المحاولات التي جرت، وساهم فيها الحزب الشيوعي السوفياتي، حيث جرى لقاء في موسكو في 7 نيسان 1986 بين إيغور ليغاتشوف عضو المكتب السياسي سكرتير اللجنة المركزية لحزب الشيوعي السوفياتي (الشخصية الثانية في الحزب بعد غاربتشوف في ذلك الوقت)، وألكسندر ياكوفليف، وكارين بروتنس مع وفد من الحزب الشيوعي السوري مؤلف من الأمين العام والأمين العام المساعد، وستة أعضاء من قيادة الحزب، وجاء في البيان الصادر عن هذا الاجتماع "تحدث الرفاق السوريون في اللقاء عن الاستعداد للحزب الشيوعي السوري المدعو إلى العمل على تعزيز تلاحم الحزب... "

وعلى هامش هذه اللقاءات الرسمية، والبيانات، والاتفاقات المعلنة كانت تجري لقاءات وراء الكواليس، ويعد ويطبخ ما يشتهى وما لا يشتهى، ويتذكر أحد قدماء منظمة ركن الدين الشيوعية أنه أثناء هذه اللقاءات والمباحثات تم تطمين الأمين العام أنّه، بعد أن يصبح رئيساً للحزب، كما هو متفق عليه، يمكنه العيش مطمئناً هادئاً في ربوع الاتحاد السوفياتي كغيره من القادة المكرمين.

ومن يعرف الأمين العام، كما يعرفه من أصدر وثيقة "بعض جوانب الأزمة" ، يعلم سلفاً ردة الفعل التي سيتركها هذا الاقتراح؛ بل قل يريدها.

على الرغم من هذه الجهود، وجهود الحلفاء الآخرين، وعلى الرغم من الاتفاقات التي عقدت بين الأطراف ومنها اتفاقية دمشق، فقد قام الأمين العام بعقد مؤتمر انفرادي في أواسط تموز 1986، لم يشارك فيه أغلبية أعضاء اللجنة المركزية، وأقرب عضوين في المكتب السياسي إلى الأمين العام، اللذان كانا موضع حملة تشهير من قبل الآخرين، لم يشاركا في هذا المؤتمر، بل وقفا مع الآخرين ليشكلوا الأغلبية التي تشكل الشرعية، حسب مبادئ المركزية الديمقراطية، مما سيحقق لهم الاعتراف المرتقب من الحركة الشيوعية العالمية وطليعتها، كما حدث في الأزمة الأولى.

واحتفل بهم وقيل لهم: إنكم لستم رفاقاً عاديين في هذا الحزب، بل كنتم وستبقون قواداً له. وكما سيبقى مجهولاً للكثيرين، ممن لا يتقنون فن اللعبة، كيف رفع عضو مكتب سياسي الأمين العام، كقميص عثمان، ليخرج بسببه، ومن ثم يعود إلى الجهة التي طالما دعاها بالخائنة، كذلك سيبقى مجهولاً أيضاً كيف تجرأ، عضوا المكتب السياسي أن يخالفا الأمين العام وينضويا تحت لواء من لا يثقون به.


لماذا كل هذا؟ هل لخدمة الحزب والشعب والوطن؟!
لا شك في وجود أسباب موضوعية وأخرى ذاتية لما جرى ويجري في الحزب -كما نوهنا- وجدت في الحياة التي عاشتها الحركة الشيوعية العالمية مناخاً ملائماً لاستمرارها واستفحالها، وعدم معالجتها بالشكل السليم، لتغيير أسلوب العمل وشكل العمل الحزبي ليتلاءما مع الظروف والمستجدات الجديدة، وأثبتت الأحداث اللاحقة للمؤتمر السادس أن المدرسة القديمة لا تقتصر على شخص بمفرده، بل تشمل الحزب ككل والقيادات الجديدة لا زالت متأثرة بها، والتخلص منها، لا يتم بالتخلص من الأفراد، بل يتطلب نضالاً مع الذات وتضحية وعملاً وممارسة، وأسلوباً تنظيمياً جديداً في العمل.


نقاش الطرشان

إن من يدقق في تطور الصراع ، والوثائق التي صدرت عن جميع الأطراف لا يجد مبرراً مقبولاً لما جرى، كما لا يلمس الجدية وروح المسؤولية في التعامل معها، ففي نفس الوقت الذي يقر فيه الجميع، خصوصاً بعد المؤتمر السادس، أن القضايا التي تجمع الشيوعيين هي الأكبر والأكثر، وهي الأساس، فإن أية مبادرة من طرف لم تخل من أفكار تطرح ليرفضها الطرف الآخر، فهذا يقول هناك لونيات يمينية ولونيات يسارية. والآخر يقول إن هناك جوانب هامة تشكل خلافاً فكرياً من أبرزها عبادة الفرد. فكل رأس يريد أن يبرر ضرورة الانقسام، وعدم وجود ما يستدعيه وما يبرره في نفس الوقت.

فهذا المؤتمر السادس في تموز الذي عقده الأمين العام يصدر نداءً يدعو إلى وحدة الشيوعيين السوريين، لكنها دعوة مرفوضة سلفاً من الطرف الآخر، إذ إنه يعتبر نفسه هو الحزب والآخرين خارج الحزب فيقول "إن أبواب الحزب مفتوحة لجميع الرفاق الذين غادروا الحزب لهذا السبب أو ذاك ... " ويزين هذه الدعوة في كلمة الافتتاح التي ألقاها في المؤتمر والتي لم ينس فيها أن يستشهد بمقاطع طويلة من مؤلفات لينين المجلد – 19 ليوضح أن النزعة التحريفية أمر محتم وظاهرة عالمية. ويستطرد "وإن ذلك كان دملاًَ لابد له أن ينفقئ فانفقأ".(8)


تساءل الطرف الآخر إن كانت هذه دعوة حارة من أجل تحقيق الوحدة لأنه "لا شيء جدي يحول دون تحقيق وحدتنا في حزب لينيني واحد "كما ورد في الكلمة.

وأضاف إلى تساؤله السابق تساؤلاً آخر مفاده إذا كان الأمر كذلك، فلماذا بادر إلى عقد مؤتمر انفرادي؟ يتساءل الطرف الثاني.

وقوبل هذا المؤتمر باجتماع استثنائي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري في 15 تموز 1986 بقيادة الأمين العام المساعد، حضره أغلب أعضائها، وأغلب أعضاء المكتب السياسي، اعتبر قرار الأمين العام بعقد مؤتمر منفرد متعارضاً كلياً مع "الماركسية-اللينينية" فكراً وتنظيماً. ويعتبر هذا الموقف استخفافاً واضحاً لآراء الحركة الشيوعية والعمالية العربية والعمالية عموماً. وهو طعنة مؤلمة للحزب، ويتنافى مع طبيعة الأممية وتربيته بروح الصداقة والأخوة مع طليعة الحركة الشيوعية العالمية والالتفاف حول هذه الطليعة" (9).

ويظهر هذا البيان محاولة استخدام موقف الحركة الشيوعية كسلاح، أسوة بما حصل في المرحلة الأولى من الأزمة، لكن التطورات في الحركة الشيوعية العالمية خيبت الآمال.

وهكذا أخذ كل طرف يستخدم شعار العمل من أجل وحدة الشيوعيين للحفاظ على أنصاره دون أن يتقدم خطوة جدية واحدة، أو تنازلاً في الاتجاه، بل إن توقيت المبادرات في سبيل الوحدة يبين أنها أصبحت وسيلة وليست غاية.

ففي الوقت الذي كان فيه الأمين العام المساعد يستعد لعقد مؤتمره السادس أصدر الأمين العام نداء في الثامن عشر من كانون الثاني 1987 في سبيل وحدة جميع الشيوعيين السوريين جاء فيه : " .. إن أموراً كثيرة تجمعنا بصفتنا شيوعيين .. فما الذي يمنعنا من تحقيق وحدتنا ؟ " ويضيف قائلاً " .. وإذا كان هناك تباين في الآراء حول هذه القضية أو تلك فإن ذلك يمكن حله بالحوار الرفاقي في الحزب الواحد". (10)

لم يصدر هذا البيان عن الهيئات التي انتخبها مؤتمره في تموز ليبين أن الأمين العام لازال يعتبر نفسه مسؤولاً عن الجميع للإيماء بإمكانية معالجة الأمور دون عقد مؤتمر. إلا أن الجميع يعلمون كيف أنه نفسه نقص هذا البيان بعقده مؤتمره الانفرادي دون حل التباين في الآراء بالحوار الرفاقي في الحزب الواحد كما يدعو حالياً.

ولم يجد هذا البيان رداً مباشراً لدى الطرف الآخر، لأنه يعتبره ديماغوجياً. بل أصدر المؤتمر السادس المنعقد في 31 / 1 / 1987 برئاسة الأمين العام المساعد نداءً آخر لوحدة جميع الشيوعيين السوريين جاء فيه "لقد تأكد لمؤتمرنا أن القضايا التي تجمع الشيوعيين هي الأكبر والأكثر وهي الأساس .. ويتثبت كل ذلك أن الانقسام الأخير الذي جرى في حزبنا لم يكن له إطلاقاً أي مبرر موضوعي". (11)

أي لقد كرر ما ورد في نداء الأمين العام من حيث التبويب والمواقف الإيديولوجية والسياسية.


رسائل لا طائل منها

وعلى الرغم من كل تلك البيانات بقي حديث الطرشان هو السائد، كما دل على ذلك عمل لجنة الحوار الثلاثية التي ساهمت فيها وفود من فصائل (الأمين العام، والأمين العام المساعد، وعضو المكتب السياسي) الثلاثة.

وفي 23 / 1 / 1989 وجهت رسالة إلى الأمين العام وتضمنت الاقتراحات التالية:
"1 – صياغة خلاصة الناقشات التي تمت في لجنة الحوار وإعلان ذلك للشيوعيين وللجماهير.
2 – البدء في مناقشة التعديلات على النظام الداخلي.
3 – توسيع صلاحيات لجنة الحوار.
4 – الاتفاق على توجيهات موحدة في المناسبات الكبرى.
5 – توجيه اللجان المنطقية في المحافظات لرفع مستوى التنسيق فيما بينها ... تنظيم العمل المشترك في مجلس الشعب وفي الإدارة المحلية ..".


كيف جرى التعامل مع هذه الرسالة من قبل الطرف الآخر؟


كان للصراع على السلطة، وسياسة تهميش الأحزاب السياسية، وتفتيتها، وتربية الأفراد على سياسة عبادة الفرد دور في أزمة وانقسام الحزب الشيوعي، وضعفه كسائر الأحزاب والقوى السياسية في سورية
،،

لم يأت الرد عليها بشكل مباشر، بل صدر بيان عن فصيل الأمين العام، في أوائل شباط 1989 تجاهل تلك الرسالة، وقدم اقتراحات جديدة بخصوص وحدة الشيوعيين السوريين تؤكد على:

  1. ضرورة بدء الوحدة من القواعد: أي من الفرق الحزبية.
  2. ضرورة الإقرار من قبل الجميع بشكل صريح بمبدأ سيادة المؤتمرات، بالإضافة إلى عدد من المقترحات الأخرى.

وبالمقابل، وبدلاً من الرد المباشر على هذه الاقتراحات، وبحث إمكانية تطبيقها، أصدرت اللجنة المركزية الجديدة -فيصل- برنامجاً لوحدة الحزب نشر في عدد حزيران 1989 من نضال الشعب. أكدت فيه الاقتراحات السابقة وأكدت على احترام المؤتمرات الحزبية والالتزام بنتائجها وأيدت الاقتراح الداعي إلى تشكيل لجنة صياغة نظام داخلي جديد وحددت الإجراءات التنظيمية اللازمة للتوحيد التنظيمي.

إلا أنه لم تؤكد على اقتراح الوحدة ابتداءً من الفرق الحزبية كما يصر فريق الأمين العام، وأكدت على بحث تركيب الهيئات القيادية وتحضير الاقتراحات بذلك هذا ما يعارضه أيضاً الفصيل الآخر، إذن لقد ترك هذا البرنامج باب الخلاف مفتوحاً، وتجاهل فصيل الأمين العام هذا البرنامج أيضاً.

ونتيجة للضغط المتزايد من القواعد والأصدقاء والصعوبات الجدية التي يعاني منها الحزب واستعداداً للمؤتمر السابع أرسل المكتب السياسي رسالة جديدة إلى الأمين العام بتاريخ 8/10/1990 نشرت في العدد 444 في أواسط تشرين الثاني 1990 من جريدة "نضال الشعب" مع الرد الإيجابي لمراد يوسف عليها.
هذا ما يدفع إلى الاستنتاج بأن الرد كان معروفاً سلفاً، وتدخل هذه الرسالة في إطار اللعبة نفسها لإخراج المؤتمر السابع كما يراد له ، لتبقى نفس القيادة تحت شعار الوحدة الجذاب والمخدر لأعضاء التنظيم -الذين برهنوا على أنهم مستعدون لتنفيذ كل ما يطلب منهم- بما في ذلك المحافظة على من مزق وقسّم الحزب تحت شعار جديد قديم، هو وحدة الحزب.

ولم يأت رد اللجنة المركزية بقيادة الأمين العام في 21/11 /1990 بأي جديد، بل أكد على الاقتراحات السابقة، حيث قدمت مقترحات واقعية وملموسة وخطوات إجرائية في حال الأخذ بها إلى السير باتجاه الوحدة دون إبطاء ولا مماطلة، وعتب على عدم الرد بشكل واضح على تلك المقترحات كي يأخذ الحوار طابعه العملي في السير نحو عملية التوجيه.

في ظل هذه الأجواء من الأخذ والرد البطيئين والمضيعة للوقت في نقاشات سوفسطائية ديماغوجيه غايتها تضليل أعضاء التنظيم والرأي العام، والإيحاء بأن كل رأس يريد الوحدة ويقذف الكرة من مرماه، كما يقذفها رئيس فريق كرة القدم المتمرس عالياً بعيداًً ليريح فريقه قليلاً، كلما شعر بضعف فريقه. في ظل هذه الأجواء استمرت التحضيرات المنفردة، في كل فصيل، لعقد مؤتمراتها المنفصلة في ظل تهديد بعض الكوادر بأنهم لن يحضروا إلاّ مؤتمراًً موحداًً.

وفي خطوة تكتيكية أخيرة أرسلت اللجنة المركزية في 27/3/ 1991 رسالة إلى الأمين العام، تدعو فيها لعقد مؤتمر موحد وأخيراً، تؤكد اللجنة المركزية في هذه الرسالة بشكل لا لبس فيه على الإقرار بسيادة المؤتمرات، وأن تبدأ المؤتمرات اعتباراً من الفرقة، لكنها تترك باب الخلاف مفتوحاً بتنويهها على أن التوحيد من الفرقة يبدأ بعد الاتفاق على الأسس التي يجب أن تقوم عليها الوحدة. فاسحة المجال للفصيل الآخر أن يتشبث بمواقفه، ويرفض عقد المؤتمر الموحد وهذا ما حصل.

وبالفعل جاء رد الأمين العام، كما توقعه، وأراده، مرسلو الرسالة الأخيرة سلبياً، مستغربا، كيف يمكن أن تتحقق سيادة المؤتمرات، وأن يكون هناك اتفاق مسبق على نتائجها، وأن تحل اللجنة التحضيرية محلها.

وعقد الأمين العام مؤتمره السابع بشكل منفرد أيضاً، وقاطعه عدد من أنصاره، كما عقد الفصيل الثاني ومراد يوسف مؤتمراً أسمياه بالموحد، وغطياه إعلامياً وكأنّ الحزب الشيوعي السوري أصبح موحداً بعد أن عقدا مؤتمراً صحفياً في بيروت.

وهكذا ومن جديد أعيد انتخاب الأمين العام من قبل فصيله أمينًا عاماً إلى الأبد، وأعيد انتخاب من وقع على بيان 3 نيسان وعلى جميع البيانات الانقسامية أعيد انتخابهم في هيئات الحزب القيادية.

الجهل والتجهيل من وسائل الصراع


استمرار انتخاب نفس القيادة التي قسمت التنظيم، لعقود، ومعركة السيطرة على مكتب الحزب في دمشق. ألا يدل على سياسة التجهيل؟

ألا يذكرنا مسلسل الصراع في الحزب الشيوعي السوري، وإعادة انتخاب -تعيين- نفس الأشخاص الذين فتتوا الحزب في مفاصله القيادية، بالرواية التي ساقها عباس محمود العقاد لتعبر عن سياسة معاوية التي تستند إلى التجهيل فقال: "بلغ من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذاب قلوب خواصه وعوامله أن رجلاً من أهالي الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق بعيد معركة صفين، فتعلق به رجل من دمشق فقال "هذه ناقتي، أخذت مني بصفين" فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله، إنه جمل وليس بناقة" فقال معاوية "هذا حكم قد مضى" ودس في الكوفي بعد تفرقهم، فأحضره وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه، وبره وأحسن إليه، وقال له "أبلغ علياً أني أقابله بمائة ألف، ما فيهم من يفرق الناقة والجمل".

ألا يدل استمرار انتخاب نفس القيادة التي قسمت التنظيم، لعقود، على ذلك؟ ألا تقدم المعركة التي شنها الطرفان في سبيل الحصول على مكتب الحزب في دمشق، والتي عتم عليها، والتي تتحمل مسؤوليتها نفس القيادة، ألا تقدم مثالاً ودليلاً على سياسة التجهيل هذه؟

أليس ما يجري في الحزب الشيوعي السوري تكراراً بشكل آخر لهذا الأسلوب، فيجري تقسيم وتمزيق التنظيم، ليبقى البعض متربعين على جسده، كما يجري جمع ما فرق لنفس الغاية مع إعجاب وتهليل فارغي الأفواه.

ولكن وعلى الرغم عن سياسة التجهيل داخل الحزب، هناك مؤثرات خارجية وذاتية تجعل الأعمى يبصر والأصم يسمع، وهذا ما أخذ يعبر عن الكثيرين من كوادر الحزب، فبلغ الاستياء بالكثير منهم حداً جعلهم يقاطعون المؤتمرات المنفردة والمسبقة الصنع. بل إن أحد أعضاء المؤتمر السابع أعلن قبيل اختتام أعماله بصوت عال مخاطباً القيادة "أنتم مجرمون بحق الحزب والشعب والوطن".

فقاطعه الرئيس سائلاً المؤتمر: أهذه ديمقراطية؟ فردت القاعة: نعم، لكن الرئيس، الذي لم يصدق ما سمعته أذناه، أعاد طرح السؤال محاولاً تصحيح رأي أعضاء المؤتمر بالأسلوب التلقيني المعهود قائلاً: نعم ، أم لعن؟ فأتى الجواب بليغاً من القاعة: نعم.


مقاطعة العديد من المندوبين المنتخبين للمؤتمرات، وللهيئات الحزبية، يعكس رفضها للأساليب المتبعة في العمل الحزبي والجماهيري وفي معالجة أزمة الحزب، والمساومة على المراكز القيادية، والمناصب وتقريب الأنساب وأبناء العشيرة

تعكس هذه الصورة الكثير الكثير مما يخالج أعضاء الحزب الشيوعي السوري، ولعل مقاطعة العديد من المندوبين المنتخبين للمؤتمرات، وللهيئات الحزبية، يعكس رفضها للأساليب المتبعة في العمل الحزبي والجماهيري وفي معالجة أزمة الحزب، والمساومة على المراكز القيادية، والمناصب وتقريب الأنساب وأبناء العشيرة ... إلخ.

ولو استعرضنا أسماء بعض ممن قاطعوا الحزب وتاريخهم الحزبي والجماهيري، لتوصلنا إلى استنتاج له دلالة خطيرة بالنسبة للحزب الشيوعي السوري.

فهذا شيوعي ذو خبرة وثقافة وجرأة لا يجد له مكاناً في هذا الحزب، وهذا أصغر سجين شيوعي في سجن المزة، وهو من أكثر الرفاق تضحية في سبيل الحزب، والذي كان باستطاعته منذ نعومة أظفاره أن يعيش حياة رغيدة هادئة ويأكل بملاعق من ذهب -كما يقال- لكنه آثر طرق التضحية ونكران الذات، ليجد نفسه جندياً مجهولاً ينكره من استفاد من شخصيته في أحلك الظروف، إلى ذاك الذي نذر حياته في سبيل الحزب، وغادر أسرته متطوعاً في العمل الفدائي بناءً على قناعاته وتنفيذاً للمهام الحزبية، والذي رفض أن يطلب من الآخرين الذهاب إلى العمل الفدائي، والتضحية، قبل أن يذهب هو بنفسه أولاً مضحياً بحياته، في سبيل الحزب والوطن وقضية العرب العادلة قضية فلسطين، وهو أول عضو في مجلس الشعب يتبرع بثمن السيارة التي عينت له من المجلس إلى الحزب الشيوعي، على الرغم من وضعه المادي الصعب، في الوقت الذي لم يقدم على مثل هذا الموقف أولئك الذين يعيشون ببحبوحة. وهذا المثقف الطبقي الشاب المرهف لماذا لا يستطيع الحزب الشيوعي ليس فقط أن يتوسع تنظيماً؟ بل لماذا أيضاً لا يستطيع استيعاب أعضاءه ومن ضحى في سبيله، بما في ذلك من يعد بصدق مثالاً للنزاهة والتضحية والتواضع والغيرة على مصالح الحزب والشعب والوطن؟

  • لماذا آثر الكثيرون الاعتكاف على العمل داخل التنظيم؟
  • لماذا يستمر النزيف في الحزب؟
  • لماذا لم تثمر المحاولات التي جرت لمعالجة الأزمة في الحزب الشيوعي السوري، لماذا لم تثمر الجهود التي بذلت من قبل قوى وأحزاب وتنظيمات محلية وحليفة وعربية وعالمية على الرغم من الإرادة الصادقة للأغلبية الساحقة من أعضاء الحزب؟
  • كيف استطاعت هذه القيادات التي تعلن بأعلى صوتها وللملأ أنها عملت على تمزيق الحزب وإضعافه وأنها تتحمل مسؤولية ذلك، كيف استطاعت البقاء في مواقعها وتعزز هذا الموقع؟

إنها أسئلة مشروعة، وتقديم الأجوبة الصحيحة عليها فائدة للذي يبحث عن المخرج من الوضع المأزوم الذي يعيشه الحزب ولا يستطيع الخروج منه منذ عقود.

وتتجاهل قيادة الهرم الحزبي هذا النزف ودوافعه معتبرةً الوضع في الحزب على ما يرام لا ينقصه إلا بعض الصفقات والمساومات لتوحيده.

فجميع بيانات اللجان المركزية المنبثقة عن المؤتمرات تتجاهل النزيف ومن قاطع المؤتمرات والهيئات رافضاً الانجرار وراء المهاترات، معتمداً على حسن إدراك الرفاق وموقفهم بالتطورات، كما يحلو للبعض ربط كل ذلك بأسباب خارجية لا يمكن تجاهلها لكن الأجدى البحث عن الأسباب في الداخل.

ويزعم الهرم الحزبي أنه أتى ويستمر عن طريق الانتخابات وباتباع الأساليب الصحيحة في التنظيم وعلى الجميع احترام هذه الشرعية والانصياع لها.

لكن ذا الحس السليم والمنطق القويم يتساءل عن صحة الأساليب التي تكرس الخطأ، ويرى أنه لابد من وجود خلل يجب معالجته كي لا يكرس جهده وعمله لمصلحة من قسم الحزب وأنهكه وعمل جاهداً للتمترس فوق جسد الحزب بحجم مصلحة الحزب في الوقت الذي يعبر عن مصالح الذاتية ومصالح الأنساب والمقربين.


في أسباب التشرذم

يتفق الكثيرون على أن أهم مفاصل الخلل تكمن في أسباب موضوعية وذاتية منها:
1- الظروف السياسية التي سادت في البلاد والتي أفرغت العمل السياسي من محتواه، وضعف المناخ الديمقراطي في الوسط، وفي أغلب المراحل التاريخية التي عايشها الحزب الشيوعي السوري، مما يترك بصماته على التكوين النفسي لأبناء المجتمع ومنهم أعضاء الحزب، لدرجة أنه يوجد من يفكر بمخاطر تعبيره عن آرائه داخل التنظيم على مستقبله ليس فقط الحزبي، خاصة وأن قيادات التنظيم تحاول استخدام مختلف الوسائل المتاحة ليس فقط تلك المتوفرة لدى الحزب، بل والحركة الشيوعية، والسلطة، وغيرها للتمثيل بمن تختلف معهم في الرأي.

2– المدرسة التي تربى بها قادة الحزب الشيوعي السوري والتي أعلنت إفلاسها، مدرسة الأساليب الفردية في القيادة وتسخير كل القوى والإمكانيات لحماية المركز والدفاع عنه وتنفيذ أوامره باعتباره معصوماً عن الخطأ.

3 – ضعف الروح الديمقراطية في التنظيم والأسلوب التنظيمي الذي تستطيع بواسطته أية قيادة البقاء إلى ما تشاء في الهرم وتستطيع إيصال من تشاء إلى هذا الهرم واستخدامها سلاح المركزية الديمقراطية.

هذا السلاح الماضي الذي يستخدم للوصول إلى غايات مختلفة، وأصبح يستخدم في مختلف المؤسسات الاجتماعية والأحزاب التي تعتمده لتكريس هيمنة قيادات محددة وتوحي هذه القيادات لنفسها وللآخرين بأنها شرعية.

4 – النظرة غير الموضوعية للكادر الحزبي وتقديم المقربين المضمونين والأقارب والأنساب.

5 – هيمنة القيادات على مالية الحزب، ومكاتبه ومطابعه ومصادر التمويل والمعلومات مما يبقيها في موقع القوة.(12)

6 – الجمود الفكري، وضعف التثقيف بشكل عام وسياسة التجهيل، والاعتماد على ضعيفي الثقافة والموالين، وما ينجم عن ذلك، فضلاً عن عدم توفر النهج الصحيح للوسط الذي يعمل الحزب فيه.


سبل النجاة

لمعالجة الأسباب التي ساهمت في وصول الحزب وغيره من القوى السياسية في البلاد إلى هذه الحالة وتخليصها من كل ما يسبب تقسيمها وإضعافها نرى ضرورة:

لن تتحول الأفكار مهما كانت صحيحة إلى قوة واقعية، إن لم يمتلكها الناس، بالتالي جميع الاقتراحات والمبادرات المقدمة لخروج الأحزاب السياسية من أزماتها، تحتاج إلى اقتناع أعضاء الأحزاب، وقياداتها بها وإلى إرادة صادقة لتطبيقها

1 ـ إلغاء الحالة غير السليمة للتطور السياسي في البلاد، والتي يكمن في أساسها قانون الطوارئ، وغياب قوانين النشاط والعمل السياسي. والعمل على إيجاد حالة التعددية السياسية في سوريا، تسمح بوجود قانون لعمل الأحزاب يضمن للحزب الشيوعي، ولباقي الأحزاب، حق النشاط في إطار دستور ديمقراطي متحضر، يعطي أعضاء الحزب دفعاً معنوياً كبيراً لتحسين أدائهم ليس على نطاق المجتمع فحسب ولكن في إطار الحزب ذاته، وسيزيد ذلك من شعور الجميع بواجبهم تجاه بناء مؤسسات اجتماعية معافاة، ويقود ذلك خروج الحزب من قوقعته إلى نور الشمس، عندها سيقضى على الكثير من الأمراض الداخلية، حيث يضطر الحزب إلى التعامل مع الوسط الاجتماعي ليس بالاعتماد على قوة مستمدة من الآخرين، من حلفاء، أو أشقاء، بل بالاعتماد على القوى الذاتية، وبتقديم الأكفأ والجدير بالمسؤولية، والحائز على ثقة الأصدقاء، والحلفاء والجماهير وليس ثقة المقربين فقط.

2- إقرار الجميع بالآثار السلبية للمدرسة القديمة، والإعلان بأن ما حصل لها عالمياً نجم عن أسباب موضوعية تعبر عن إفلاسها، ومهما كانت النتائج، وما ستؤول إليه فالعودة إلى الوراء غير مبررة، مع التأكيد على أن العدالة الاجتماعية والاشتراكية هي الخيار الصحيح بعيد المدى لمجتمعنا، وهي السبيل لمعالجة الأمراض الاجتماعية ولتقدم المجتمع والاشتراكية نظام يخدم جميع أبناء المجتمع أغنياءه وفقراءه، مع الإقرار بأنّ التطور الموضوعي الحالي للبلاد هو تطور رأسمالي، ولحماية الشغيلة والمواطن من الآثار السلبية لهذا التطور تبقى الديمقراطية وسيلة ضرورية ومجربة وحاجة موضوعية للمجتمع وللتطور الاجتماعي السليم.

3- التجديد المستمر في الفكر، وتنوع مصادره وإغنائه، واتباع سياسة تثقيفية صحيحة في الحزب، تربي أعضاءه على المثل الصحيحة ومحاربة الوصولية والانتهازية، لينسجم مع ذاته ومع الوسط الاجتماعي الذي يعيش به.

4- إيجاد أفضل السبل لوضع مالية الحزب ومصادر تمويله، لتكون معيناً للحزب وأعضائه في تحسين أدائهم.

5- استبعاد الأسس التنظيمية التي تساهم في خلق أجواء غير طبيعية في الحزب وجعله مطية بيد فئة قليلة في المركز، واعتماد أساليب تنظيمية ديمقراطية تجعل حياة الحزب غنية جذابة.

لقد برهنت التجربة أن المركزية الديمقراطية سلاح يتم بواسطته اتخاذ أخطر القرارات ويسبب استخدامه بقاء الأجواء الحزبية فقيرة ضحلة بعيدة عن الحياة وتهيئ التربة الملائمة لبقاء القيادات الهرمة والجمود. وبالتالي لا بدّ من إعادة النظر بالأسس التنظيمية التي تساعد على الانقسام وجمود التنظيم.

6- اعتماد مبدأ التجديد المستمر دون وجل، هذه المسيرة التي لا تعترف بالجمود والتقوقع بل تأخذ بالمنهج الديالكتيكي، وهي مرتبطة بالحياة لا بالقياس والقوالب الجامدة. ولا يوجد شيء سرمدي أمام الجدل والتجديد.

هذه بعض الاقتراحات التي نراها ضرورية لخروج الحزب الشيوعي السوري من أزمته، وقد تفيد جميع الأحزاب السياسية في البلاد، وهي تغتني باقتراحات من يهمهم خروج الأحزاب من أزماتها، ويبين تطور الحزب في العقود الأخيرة أنه إذا استمر يعاني من الأمراض فسيبقى يذوب ويذوب ليفقد المجتمع مؤسسة اجتماعية طالما علق الكثيرون عليها الآمال. إنّ أعضاء التنظيم أنفسهم لن يجدوا فيه ما يجذبهم ويرضيهم.

إن تقديم الاقتراحات لا يكفي، كما أن الوصفة الطبية وحدها لا تكفي، وإن كان لابد منها بل الأهم هو العمل. وهذا لن يأتي من الفراغ ولن تحققه قوى أو أشباح خرافية، بل هي مسؤولية تقع على كل من يعزّ عليه مصير حزبه، عملاً وتضحية من قبل أعضائه بما فيهم القياديون، فكما أن تصرفات هؤلاء القياديين أثارت تساؤلات وشكوكا كثيرة لدى قواعد الحزب وكوادره، عليهم التكفير عن ذنوبهم تجاه الحزب والشعب والوطن.

وكما الأعمال العظيمة تحتاج إلى تضحية ومآثر، فإنّ القادة يكفرون عن آثامهم بإعلانهم الصادق عن تحمل المسؤولية العملية عن كل ما جرى، وما يستتبع ذلك من تضحيات، بما فيها التخلي الطوعي، إن اقتضى الأمر، عن المراكز القيادية.

وكما أن أي عمل مسؤول يحتاج إلى قدوة ومثال، يفترض أن تكون القيادة مؤهلة للقيام بهذه المآثر، لتكون مثالاً للآخرين، وستخلق بسلوكها هذا أجواء نقية وصحية لبناء تنظيم معافى.

وتصبح قدوة ومثالاً للقادة السياسيين في الوطن بشكل عام وتقدم درساً بليغاً للجميع في ضرورة التنحي عند الفشل في أداء البرامج والمهام التي تضعها أمامها.

كم كان هيغل مصيباً في فهمه لدور الشخصيات العظيمة في التاريخ، عندما بين أنّ المسألة تكمن في حقيقة أنها بعدما تؤدي رسالتها، "تسقط كما تسقط قشرة حبة القمح".

وثانياً: لأن هذه الشخصيات تتحول إلى لا شيء عاجز، إذا ما رفضت جموع الشعب دعمها.

وثالثاً: لأنه لا وجود لشخصيات تاريخية لا تعوض ولا تستبدل. ومن غير الممكن أبداً أن يحوز فرد بذاته على قيمة لا متناهية.

قد تبدو بعض الاقتراحات أعلاه نظرية ومثالية طوباوية من وجهة نظر البعض، إلاّ أن عدم تطبيق هذه الاقتراحات، والبحث عن السبل الصحيحة لخروج الأحزاب السياسية من أزماتها وتطبيق ذلك على أرض الواقع سيفرغها من محتواها، وبذلك يخسر المجتمع والوطن تنظيمات قوية معافاة ذات بنى طبيعية صحيحة، لتقوم بالمهام التي أقرتها في برامجها في سبيل تحرير الجولان والأراضي العربية المحتلة، وإحقاق حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وتعزيز استقلال بلادنا وصمودها ضد المخططات المعادية، وتعزيز استقلالها وتطورها الاقتصادي، وتحقيق مطالب الجماهير في رفع مستواها وتحقيق الديمقراطية.

إن دراسة التجارب التاريخية والاستفادة منها يساعد كثيراً في تجنب الكوارث.

لن تتحول الأفكار مهما كانت صحيحة إلى قوة واقعية، إن لم يمتلكها الناس، بالتالي جميع الاقتراحات والمبادرات المقدمة لخروج الأحزاب السياسية من أزماتها، تحتاج إلى اقتناع أعضاء الأحزاب، وقياداتها بها وإلى إرادة صادقة لتطبيقها.

_______________
كاتب سوري
الهوامش
* ـ كتب أصل هذا المقال في 10 / 2 / 1992 تحت عنوان "هل يمكن إنقاذ الحزب الشيوعي السوري؟"
"1" وقع على بيان 3 نيسان 1972 كلٌ من : خالد بكداش، يوسف فيصل، عمر السباعي، موريس صليبي، خالد حمامي، أحمد فاضل ، ملكي عيسى، عبد الوهاب رشواني، وصفي البني، مراد قوتلي.
"2" بيان 3 نيسان ـ بيان صادر عن الأمين العام وأعضاء في اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوري عام 1972 .
"3" انضم كل من: دانيال نعمة، إبراهيم بكري، ظهير عبد الصمد إلى موقعي بيان 3 نيسان أعلاه.
"4" بعض جوانب الأزمة في الحزب الشيوعي السوري ـ وثيقة صادر عن المؤتمر السادس للحزب "فيصل" عام 1992.
"5" انتخب يوسف فيصل أميناً عاماً مساعداً في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوري.
"6" عضو المكتب السياسي مراد يوسف.
"7" بعض جوانب الأزمة في الحزب الشيوعي السوري ـ وثيقة صادر عن المؤتمر السادس للحزب "فيصل" عام 1992.
"8" كلمة خالد بكداش في افتتاح المؤتمر السادس للحزب عام 1986.
"9" وثائق المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري 1987 ـ "فيصل".
"10" بيان خالد بكداش حول وحدة الشيوعيين السوريين ـ 1987.
"11" وثائق المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري ـ فيصل 1987.
"12" ظهير عبد الصمد ـ " دود الخل .." ـ دراسات اشتراكية العدد 119
طرطوس 10 / 2 / 1992

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة