خصائص نظام الحكم المصري من منظور علم السياسة   
الثلاثاء 8/4/1426 هـ - الموافق 17/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:03 (مكة المكرمة)، 10:03 (غرينتش)
على مبنى قديم متهالك وسط القاهرة وضع أحد المواطنين صورة للرئيس مبارك تهنئه بالسلامة بعد محاولة اغتياله في أديس أبابا عام 1995
 

صعوبة توصيف النظام 

"
تبدو المصطلحات الأقرب دقة في توصيف نظام حكم مبارك بأنه "شبه شمولي" و "شبه تسلطي" وغير ديمقراطي في جوهره

"
توصيف نظام الحكم الحالي في مصر ليس بالأمر السهل أو الميسور. أما أسباب هذه الصعوبة فتعود, في تقديري, إلى أمرين رئيسيين:
الأول: وجود مفارقة واضحة بين ظاهر النظام وباطنه. فالنصوص تقول شيئا بينما الواقع يقول شيئا آخر مختلفا, والدستور يقول شيئا بينما القوانين واللوائح تقول شيئا آخر مختلفا, والخطاب السياسي والأيديولوجي يقول شيئا بينما الأجهزة والمؤسسات تمارس سلوكا آخر مختلفا.

والثاني: فيعود إلى عدم تطابق الخصائص الظاهرة أو الباطنة لهذا النظام بالكامل مع أي من التصنيفات الأكاديمية المتعارف عليها.
 
ولذلك يصعب اعتبار نظام الحكم المصري نظاما "شموليا" بالمعنى الأكاديمي للكلمة, على الرغم من أنه ينطوي على العديد من سمات الأنظمة الشمولية, أو نظاما تسلطيا أو ديكتاتوريا, على الرغم من أنه يحتوي على العديد من سمات الأنظمة التسلطية أو الدكتاتورية, كما لا يمكن اعتباره في الوقت نفسه نظاما ديمقراطيا, رئاسيا أو برلمانيا أو مختلطا, بالمعنى الأكاديمي للكلمة, على الرغم من أنه يحتوي على بعض سمات التعددية التي تعتبر إحدى ركائز النظم الديمقراطية.
 
أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي, فلا يعتبر النظام المصري نظاما رأسماليا أو اشتراكيا أو حتى مختلطا, بالمعنى الأكاديمي لهذه المصطلحات, على الرغم من أنه يحتوي على بعض سماتها وخصائصها.
 
وفي سياق كهذا تبدو المصطلحات الأقرب دقة في توصيف النظام المصري أنه "شبه شمولي" و "شبه تسلطي" وغير ديمقراطي في جوهره.
 
وربما كان أهم ما يلفت النظر في خصائص النظام المصري الحالي والذي أفرزته ثورة الجيش عام 1952 ليحل محل النظام "شبه الليبرالي" أو "شبه الديمقراطي" الذي ولد مع ثورة الشعب في 1919, أن ركائزه ومقوماته السياسية الأساسية ظلت كما هي دون تغيير, على الرغم من التحولات الهائلة التي طرأت على بنية المجتمع المصري وعلى مجمل السياسات والتوجهات الفكرية والأيديولوجية التي تبنتها ثورة يوليو/تموز على كافة الأصعدة, الداخلية والخارجية, وفي جميع المجالات, السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

والواقع أننا إذا أردنا أن نعثر على قاسم مشترك يشكل محور التوصيف الدقيق لنظام بقيت مقوماته الأساسية كما هي رغم تغير السياسات, فلا بد وأن يدور هذا القاسم المشترك حول سمته أو خاصيته "الشخصية" أو "الفردية". فالنظام كله يتمحور حول شخص واحد, هو رئيس الجمهورية, يجمع في يده كل الخيوط ويملك وحده جميع الصلاحيات والسلطات والاختصاصات الأساسية.
 
فقد كان بوسع هذا الحاكم الفرد أن يقرر على الدوام متى يشاء وكيفما يشاء, وبإرادته المنفردة, كل شئ وأي شئ, بما في ذلك تغيير بنية النظام نفسه. وفيما عدا ذلك اختلفت توجهات النظام وأداؤه وإنجازاته باختلاف شخصية الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم مصر منذ ثورة 1952: جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك, اختلافا جوهريا. ومع ذلك فبوسع الباحث المدقق أن يرصد اختلافا أساسيا بين شكل وطبيعة النظام السياسي الذي أرسته ثورة يوليو قبل وبعد السادات.


 
 
"
النظام الحالي في مصر هو امتداد لنظام ثورة يوليو 1952 الذي يتمحور حول شخص واحد هو الرئيس الذي بيده جميع الصلاحيات والاختصاصات الأساسية
"
ففي المرحلة الناصرية صدرت دساتير مؤقتة متعددة عبر كل منها عن مرحلة مختلفة من مراحل تطور الثورة المصرية نفسها.
 
فالإعلان الدستوري المؤقت الصادر عام 1953, والذي استمر العمل به حتى عام 1956, عبر عن مرحلة التحول من نظام الحكم الملكي -البرلماني إلى نظام الحكم الجمهوري- الرئاسي. وكان يفترض أن يقنن دستور 1956 هذا التحول بشكل نهائي ويصبح دستورا دائما. غير أن دخول مصر في وحدة فيدرالية مع سوريا استدعى إدخال تغييرات جوهرية على هذا الدستور, مما تطلب إصدار دستور جديد عام 1958 يمكن أن نطلق عليه دستور الوحدة.
 
وبعد تفسخ الوحدة بانفصال "الإقليم السوري" من ناحية, وصدور القوانين الاشتراكية من ناحية أخرى, فرض إدخال تعديلات دستورية جديدة, وهو ما برر إصدار دستور جديد مؤقت عام 1964.
 
ثم جاءت هزيمة 67 من ناحية وحركة الطلاب والمثقفين المطالبة بالديمقراطية ودولة المؤسسات من ناحية أخرى, لتضغط من أجل إحداث تغيير جوهري في نظام الحكم اضطر عبد الناصر لتأجيله, رغم اقتناعه الكامل بضرورته, إلى ما بعد معركة "إزالة آثار العدوان" التي كان منهمكا بالكامل في الإعداد لها، ثم وافته المنية قبل أن ينجز أيا من الهدفين: التحرير والديمقراطية.
 
وفي سياق الصراع المحتدم على السلطة بين السادات وخصومه, والذي حسمه الأول لصالحه, صدر دستور 1971 الحالي. وتكفي نظرة عابرة على هذا الدستور للدلالة على أنه قام في الواقع على افتراض أساسي، وهو أن ثورة 52 وصلت إلى أوج نضجها وبات بوسعها أن تؤسس لنظام سياسي اقتصادي اجتماعي دائم ومستقر.
 
ووصفت المادة الأولى من الدستور هذا النظام بأنه "نظام اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة, واعتبرت الشعب المصري الذي يتحدث هذا النظام باسمه "جزءا من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها".
 
وربما عبر هذا التوصيف بدقة عن مرحلة ما قبل حرب أكتوبر 73, حيث كانت سلطة السادات ما تزال هشة وغير راسخة الجذور. أما بعد هذه الحرب فقد أصبح السادات شخصا مختلفا كل الاختلاف, وبات مقتنعا أنه أنجز ما لم يتمكن عبد الناصر نفسه من تحقيقه ومن ثم فمن حقه, وبوسعه الآن, أن يؤسس لمرحلة جديدة يصنعها هو بنفسه وعلى عينه.
 
وهكذا راح السادات ينتهج سياسة خارجية وداخلية مختلفة كلية, ترفع شعارات "مصر أولا" و "الانفتاح الاقتصادي" وتقوم في بعدها الخارجي على التقارب مع الغرب والعمل على إيجاد تسوية سلمية للصراع مع إسرائيل, وتحاول في بعدها الداخلي إرساء دعائم لفلسفة وسياسة تنموية مختلفة تعتمد آليات السوق بديلا عن التخطيط المركزي.
 
المثير للتأمل هنا أن السادات اعتقد أن بوسعه أن يمضي قدما في سياساته الجديدة دون ما حاجة إلى أي تغيير في بنية النظام السياسي أو حتى في نصوص دستور 1971
 
وحتى عندما وجد نفسه مضطرا إلى إدخال تعديلات على هذا الدستور عام 1980, لم يكن الهدف من هذه التعديلات تغيير البنية السياسية لنظام الحكم لتتواكب مع التحولات التي طرأت على البنية الاجتماعية بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي, ولكن لإحكام قبضته وسيطرته الشخصية على نظام بدا غير قادر على الضبط التلقائي للإيقاع السريع لحركة التغير الاجتماعي التي أطلقها من عقالها.
 
غير أن أسلوب "الصدمات الكهربائية" الذي انتهجه السادات في إحداث مثل هذا التغيير سرعان ما ارتد إلى نحره وصعقه في أكتوبر/تشرين الأول 1981.


 

"
من مفارقات نظام الحكم في مصر أن الدستور يتحدث عن "نظام اشتراكي ديمقراطي" بينما واقع الحال يقول إنه نظام أقرب إلى الرأسمالية منه إلى الاشتراكية وإلى الاستبداد منه إلى الديمقراطية
"

وهكذا تسلم مبارك نظام حكم شديد الفردية, ومجتمع في حالة فوران وغليان واحتقان. واختار مبارك أن يبقي على بنية النظام السياسي وعلى التوجه العام للسياسات المتبعة على الصعيدين الداخلي والخارجي كما هي دون تعديل.
 
غير أن تغييرا عميقا طرأ على الأسلوب والوسائل المعتمدة لتحقيق الأهداف الموضوعة. فقد تم اعتماد طريقة العلاج بالجرعات الدوائية المنضبطة بديلا للعلاج بالصدمات الكهربائية.
 
ونجحت هذه الطريقة بالفعل في تهدئة وتثبيت الأوضاع لبعض الوقت, قبل أن تبدأ الغيوم في التلبد من جديد.
 
نظام يعيش أزمة
ويواجه الرئيس في هذه المرحلة أزمة سياسية حادة فرضت عليه أن يطلب من مجلس الشعب تعديل المادة 76 من الدستور, وهي المادة الخاصة بطريقة اختيار رئيس الجمهورية. غير أن هذه المبادرة تعكس, في تقديرنا, عمق الأزمة وحالة الارتباك التي يواجهها النظام بأكثر مما تساعده على الخروج من مأزقه.
 
فتغيير طريقة اختيار رئيس الدولة في نظام مركزي شديد الفردية ليست بالأمر الهين أو السهل. ولا شك أن هذه المبادرة تعيدنا إلى المربع رقم واحد وتذكرنا بأن الأزمة التي يواجهها النظام هي أزمة بنيوية, تعلق باختلاف ظاهر النظام عن باطنه والهيمنة المطلقة لفرد واحد عليه, بأكثر مما هي أزمة أشخاص أو حتى أزمة سياسات.

اختلاف ظاهر النظام عن باطنه يتجلى في المفارقة بين نصوص العديد من مواد الدستور الحالي وبين واقع الحال. فالدستور يتحدث عن "نظأم اشتراكي ديمقراطي" بينما واقع الحال يقول إنه نظام أقرب إلى الرأسمالية منه إلى الاشتراكية وإلى الاستبداد منه إلى الديمقراطية.
 
والدستور يتحدث عن "تحالف قوى الشعب العاملة" وعن "التضامن الاجتماعي" وعن "تكافؤ الفرص لجميع المواطنين" وعن كفالة الدولة "مجانية التعليم, وخدمات التأمين الاجتماعي والصحي, ومعاشات العجز عن العمل والبطالة والشيخوخة للمواطنين جميعا, ووضع حد أعلى للأجور يكفل تقريب الفروق بين الدخول" بينما واقع الحال يقول عكس ذلك تماما.
 
فالنظام يعكس هيمنة رأس المال على الحكم بأكثر مما يعكس تحالف قوى الشعب العاملة, والدروس الخصوصية تفرغ مجانية التعليم من أي مضمون, ولا توجد مظلة للتأمين الصحي أو حد أعلى للأجور. وبوسعنا أن نستطرد هنا كثيرا (راجع المواد من 1-27 من الدستور).


 
 
"
تحول النظام شكلا من نظام يقوده حزب واحد إلى نظام متعدد الأحزاب, وبالتالي فهو قابل نظريا للتطور في الاتجاه الديمقراطي الصحيح, إلا أنه من الناحية الفعلية نظام مغلق على نفسه بالكامل وغير قابل للتطوير إلا بتعديل جوهري في بنيته ومقوماته
"
أما تركيز السلطة في يد شخص واحد فتجسده صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يعد في الوقت نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المجلس الأعلى للهيئات القضائية والشرطية, وله حق تعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء والموظفين المدنيين والعسكريين وإقالتهم, وإصدار قرارات لها قوة القانون, وإصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين ولوائج الضبط, وإعلان حالة الطوارئ, وحق العفو عن العقوبة أو تخفيفها, وحل مجلس الشعب والاعتراض على ما يصدره من قوانين, بل وله حق طلب تعديل الدستور نفسه.
 
وإذا كانت بعض الصلاحيات التي يخولها الدستور لرئيس الدولة, خصوصا ما يتعلق منها بحل مجلس الشعب وطلب تعديل الدستور على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر, مشروطة بإقرار شعبي لا حق, فإن هذا الإقرار يتم من خلال استفتاء غالبا ما تكون نتائجه معروفة سلفا ولا توجد اي وسيلة للرقابة على مجرياته والتحقق من صحة نتائجه المعلنة, مما يؤدي إلى قدرة رئيس الدولة على الهيمنة الفعلية على جميع السلطات, بما في ذلك السلطتان التشريعية والقضائية, والتي لا يستقيم أي نظام ديمقراطي بدون تحقيق الفصل والتوازن والرقابة المتبادلة بينها.
 
فإذا أضفنا إلى ذلك أن رئيس الدولة في النظام المصري ليس قابلا في الواقع لأي مساءلة او محاسبة سياسية أو قضائية, لأدركنا درجة الفردية والشخصنة التي تعد من أهم سمات هذا النظام . الأخطر من ذلك أن هذا الكم الهائل وغير المحدود من السلطات والصلاحيات يتركز في يد شخص لا يختاره الشعب بالاقتراع المباشر, وإنما يختاره مجلس الشعب بأغلبية الثلثين ثم يطرحه لاستفتاء عام معروفة نتيجته سلفا.

وكانت المادة 77 من الدستور الحالي تحظر ترشيح نفس الشخص لأكثر من ولايتين متتاليتين مدة كل منهما ست سنوات. ولو أن هذه المادة كانت قد ظلت سارية المفعول لتمتع النظام ببعض القدرة على تجديد قياداته ولو من داخله. غير أن السادات سارع, وفي أول أزمة حادة يواجهها نظام حكمه, بتعديل هذه المادة لتطلق فترات الولاية المتتالية دون سقف أو تحديد.
 
"
بمرور الوقت, ومع استمرار بقاء نفس القيادات الرئيسية في مواقعها لفترات طويلة بدأت تظهر أعراض لمظاهر فساد سياسي واقتصادي كبير ومتجذر في النظام المصري, وبدأ شعور قطاعات عريضة من المواطنين يتزايد بأن النظام مسخر لخدمة الطبقات الغنية وعلى حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة
"
ومن المفارقات أن الرجل الذي عدل هذا النص ليخلد في الحكم لم يكن هو الذي استفاد من هذا التعديل, وشاءت الأقدار أن يكون خلفه هو المستقيد الرئيسي منه. فالرئيس مبارك يستعد الآن للترشيح لولاية خامسة, رغم أن عمره يقترب من الثمانين.
 
على صعيد آخر يلاحظ أن دستور 1971 والذي اعتمد في صيغته الأصلية نظام الحزب الواحد, وليس نظام تعدد الأحزاب, لم يشكل أي قيد على حرية الرئيس السادات في إدخال ما يراه من تعديلات على بنية النظام السياسي نفسه. فهو الذي قرر بعد حرب 73 الانتقال من صيغة الحزب الواحد إلى صيغة المنابر المتعددة داخل نفس الحزب, وهو أيضا قرر الانتقال من تجربة المنابر المتعددة داخل الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية.
 
والغريب أن هذا التغير الجوهري في طبيعة النظام تم دون ما حاجة لتعديل مسبق في الدستور!
 
وقد حرص السادات, في بداية التجربة الحزبية, أن ينأى بنفسه بعيدا عن الأحزاب ويبقى حكما فوق الجميع, مفضلا أن يعهد لرئيس الوزراء برئاسة الحزب الحاكم. غير أن تجربة التعددية الحزبية ما لبثت أن واجهت اختبارين قاسيين, الأول: بمناسبة اندلاع انتفاضة الخبز يومي 17 و18 يناير/كانون الثاني 1977 بسبب التقلصات الاجتماعية التي أحدثها "الانفتاح الاقتصادي" والذي لم يتردد كاتب في حجم أحمد بهاء الدين من وصفه بأنه "انفتاح السداح مداح" والثاني: بمناسبة المعارضة الشعبية الواسعة لمعاهدة السلام المنفردة مع إسرائيل والتي أدت إلى عزلة مصر عن عالمها العربي، وتقلص دورها ووزنها الإقليمي والعالمي.
 
وفي زخم النشاط الحزبي الواسع المعارض لهذه السياسات، أصدر السادات مجموعة القوانين التي عرفت باسم القوانين سيئة السمعة, والتي قطعت الطريق أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي, وقام بتشكيل حزب جديد تولى رئاسته بنفسه.
 
ومنذ ذلك التاريخ اختلطت الأمور وتاهت الحدود بين رئاسة الدولة ورئاسة الحزب, وتحول الحزب الحاكم في واقع الأمر إلى اتحاد اشتراكي جديد اسمه "الحزب الوطني الديمقراطي".
 
وهكذا تحول النظام السياسي المصري شكلا, من نظام يقوده حزب واحد إلى نظام متعدد الأحزاب, وبالتالي قابل نظريا للتطور في الاتجاه الديمقراطي الصحيح, إلا أنه أصبح من الناحية الفعلية نظاما مغلقا على نفسه بالكامل, بل وغير قابل للتطوير في الاتجاه الديمقراطي الصحيح إلا بتعديل جوهري في بنيته وفي مقوماته. وهذه هي خصائص النظام الذي ورثه مبارك.

وللإنصاف فقد تراجع مطلب تعديل بنية النظام السياسي في بداية حكم مبارك بسبب الظروف المأساوية التي جرى فيها اغتيال رئيس الدولة, والإحساس المتزايد بخطورة التنظيمات المتطرفة في وقت لم تكن عملية تحرير سيناء قد اكتملت بعد.
 
"
في رأي البعض أصبح نظام الحكم بمصر في طريقه إلى الانتقال من نظام "الزعيم الملهم" أو "رب العائلة" إلى نظام الأسرة الطامحة في التحول من أسرة حاكمة إلى أسرة مالكة
"
ولذلك تجاوبت قطاعات عريضة مع أولويات النظام في استكمال تحرير سيناء, والجهود الرامية لإصلاح الاقتصاد والبنية الأساسية, واستعادة دور مصر العربي وعودة الجامعة العربية, وغيرها من الأولويات, خصوصا وأن الرئيس مبارك سعى للتهدئة ولم يقم بأي إجراءات استثنائية أو استفزازية أو متشنجة تؤدي لاحتقان الساحة السياسية, مما ساعد على تحقيق إنجازات واضحة في البداية خصوصا بمجال تحسين البنية الأساسية.
 
غير أنه بمرور الوقت, ومع استمرار بقاء نفس القيادات الرئيسية في مواقعها لفترات طويلة بدأت تظهر أعراض لمظاهر فساد سياسي واقتصادي كبير ومتجذر, وبدأ شعور قطاعات عريضة من المواطنين يتزايد بأن النظام مسخر لخدمة الطبقات الغنية وعلى حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة, وراحت البطالة تتزايد وأصبحت الحياة أكثر قسوة بالنسبة للطبقات محدودة الموارد والدخول، في وقت تزداد فيه تكاليف المعيشة وتتدهور الخدمات خصوصا التعليم والصحة.
 
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية بدأ يتضح تدريجيا أن عودة مصر للصف العربي لم تساعد على تحصين المنطقة ضد الأخطار التي تتهددها, وأن أوضاع الأمن في المنطقة ككل بما فيها الأمن القومي المصري تتدهور لصالح إسرائيل.

وعندما بات واضحا أن الحزب الوطني عاجز عن تجديد نفسه من داخله، وراحت البلادة تشيع في أوصال الحياة السياسية كلها، بدأ الناس يصابون بالإحباط واليأس. فلا النظام قادر على أن يجدد دماءه من داخله، ولا أحزاب المعارضة التي أصابها حصار الحكومة من ناحية وأمراضها الداخلية من ناحية أخرى بشيخوخة مبكرة, قادرة على إفراز بديل.
 
وعلى خلفية من هذا التدهور العام والإحساس الشامل بالإحباط والخوف من المجهول, راح الرأي العام ينشغل بقضيتين جديدتين لهما صلة ببنية النظام السياسي وبمستقبل مصر.
 
الأولى: عدم إقدام مبارك على تعيين نائب له, والثانية: الدور المتزايد لجمال (نجل الرئيس) في الحياة العامة, خاصة بعد تعيينه أمينا للجنة السياسات التي همشت لجان الحزب الوطني وأنشطته الأخرى.
 
وكان من الصعب عدم الربط بين القضيتين في أذهان الناس. وهكذا راحت الشائعات تتزايد حول توريث السلطة، وراجت التكهنات بانشغال النخبة الحاكمة كلها, وخاصة تحالف المال والسياسة فيها, بالبحث عن طريقة كي يخلف جمال مبارك والده في السلطة.
 
ورغم النفي المتكرر لهذه "الشائعات" على أعلى المستويات, فإن فقدان النظام لمصداقيته في مجالات أخرى ساعد على تثبيت الشائعة أكثر مما ساعد على نفيها.
 
وفي سياق كهذا لم يعد نظام الحكم الذي أرست دعائمه ثورة يوليو بأذهان الكثيرين, مجرد نظام حكم شخصي أو فردي أو متسلط أو غير ديمقراطي, أو نظام حكم يتسم بوجود فجوة واسعة بين ظاهره وباطنه وبين ما يقوله وما يفعله, ولكنه أصبح أيضا نظاما جمهوريا في طريقه إلى الانتقال من نظام "الزعيم الملهم" أو "رب العائلة" إلى نظام الأسرة الطامحة في التحول من أسرة حاكمة إلى أسرة مالكة.
 
وبصرف النظر عما إذا كانت هذه الصورة تتطابق مع واقع الحال وحقيقة الأوضاع أم أنها مجرد وهم أو خيال, إلا أنها راحت تثبت في أذهان قطاعات تتسع على الدوام. وهكذا أضيف للنظام صفة جديدة تسهم في دعم المطالب الخاصة بتغييره.    


____________
رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة