التجنس وحق العودة   
الثلاثاء 3/10/1425 هـ - الموافق 16/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:12 (مكة المكرمة)، 10:12 (غرينتش)
حاجز الجيش اللبناني في مخيم البرج الشمالي

موفد الجزيرة نت-بيروت
 
حق العودة قلما تخلو منه أدبيات أو ممارسات أي تنظيم فلسطيني في لبنان، ويمثل لفلسطينيي الشتات عموما أملا للتخلص من وصمة "لاجئ" سواء بالعودة إلى أرضهم أو بحقهم في الانتماء والتعويض.
 
هذا الحق لهج به الفلسطينيون خلال الحرب اللبنانية وكان جزءا من طموحاتهم ونضالهم. أما بعد الحرب فقد اتخذ طابعا كرنفاليا عجيبا، فالفلسطيني عند كل مناسبة وكل حادثة عليه أن يعلن براءته من التوطين وأنه متمسك بحق العودة، حتى لو أن فلسطينيا اعتقل على باب مخيم وهو يحاول تهريب كيس إسمنت لترميم مسكنه فيجب على فلسطينيي لبنان وبصوت واحد الترديد بأنهم ضد التوطين وأنهم متمسكون بحق العودة، وذلك -بحسب رأي البعض- لطمأنة الجانب اللبناني المتخوف من التوطين.
 
حق العودة ورفض التوطين
واحتفاء الفلسطينيين بهذا الحق وبمبالغة أحيانا، لم يمنع الدولة اللبنانية أن تشدد من القيود القانونية والأمنية المفروضة على الإنسان الفلسطيني بحجة "رفض التوطين" ومنعه. ورفض التوطين هو أحد الترجمات اللبنانية لحق العودة الفلسطيني، فقد كتب الصحفي في جريدة السفير اللبنانية جوزيف سماحة في الفرق بين "حق العودة" و"رفض التوطين"، وقال إن "الأول شعار وطني لبناني وفلسطيني وقومي عربي وموجه ضد إسرائيل، أما الثاني فشعار شوفيني لبناني عنصري ضد الفلسطينيين ولا يمكنه أن يزعج الإسرائيليين".
 
أبو محمد يوسف حمدان
ومن الأمثلة التي يضربها من يتهم لبنان بالفهم الشوفيني لحق العودة، أن السلطات اللبنانية تتعقب كل فلسطيني حائز على جنسية أخرى ثم تشطبه من سجلاتها وتسحب منه بطاقة اللجوء ووثيقة السفر اللبنانية. فلو كان لبنان حريصاً على حق العودة لسمح للفلسطيني بازدواجية الجنسية كي يحافظ على هويته الأصلية كما هو الشأن مع اللبناني، فضلا عن التخفيف من وطأة القوانين التي أثقلت كاهله مثل حرمانه من تملك شقة ومنعه من العمل وتقييد حركته بسبب وبغير سبب.
 
ويقول يوسف حمدان أمين سر لجنة حق العودة -وهي لجنة مستقلة تعمل في المخيمات الفلسطينية- "ليست الدولة اللبنانية هي التي تقول هذا يحق له التوطين وهذا لا يحق له.. الشعب الفلسطيني هو الرافض للتوطين على قاعدة حق العودة ومشروعه النضالي". ويرى حمدان أن التجنيس يستكمل معنى التوطين، وأن الشعب الفلسطيني متمسك بحق العودة وليست عنده أي مطامع في التوطن بلبنان.
 
علي أبو الشوق
أما علي أبو الشوق (أحد مؤسسي لجنة حق العودة) فيبدي تعجبه من تصرفات الدولة اللبنانية التي تظهر حرصا على الشعب الفلسطيني وحقه في العودة لوطنه فيما تفرض عليه قوانين صارمة، وتعتمد في ذلك على حجج واهية كالمحافظة على الهوية الوطنية الفلسطينية، ويقول إن من يريد المحافظة على القضية الفلسطينية يجب أن يؤمن الحد الأدنى من المقومات الاجتماعية والسياسية والحياتية للشعب الفلسطيني، وفضلا عن ذلك لا يوجد قانون علماني أو سماوي يجيز ما فرضته الدولة اللبنانية من قوانين ولا سيما قانون العمل وقانون التملك.
 
"
هناك من يعيش في الغرب منذ عشرات السنين ولا يحمل جنسية البلد الذي هاجر إليه وإذا أراد زيارة أهله في لبنان توضع أمامه عشرات العراقيل وتطبق عليه كافة الإجراءات والقيود الأمنية في المطار

"
وذهب أبو الشوق إلى حد القول بأن ما تفعله الدولة اللبنانية وسيلة ضغط على الفلسطيني لإنهاء هويته وليس لحمايتها، فما دمت فلسطينيا أنت ممنوع من كل شيء في حين أنك إذا حملت هوية أخرى تستطيع أن تمتلك كل شيء وتصبح رجلا محترما وتستقبل في لبنان باحترام. وضرب مثلا لذلك بحاله وحال أخيه، فأخوه يحق له التملك والشراء والبيع في لبنان ويعامل باحترام لأنه يحمل الجنسية الدانماركية، في حين أنه هو لا يحق له شيء لأنه فلسطيني.
 
ويضيف أن هناك من يعيش في الغرب منذ أكثر من عشر سنوات ولا يحمل جنسية البلد الذي هاجر إليه، وعندما يريد زيارة أهله في لبنان يضعون أمامه عشرات العراقيل وتطبق عليه كافة الإجراءات والقيود الأمنية في المطار، في حين أن الفلسطيني الذي يحمل جنسية أخرى تؤدى له التحية ويدخل مكرما. ثم يتساءل أبو الشوق: أبهذا الأسلوب يحافظ على حق العودة وهوية اللاجئ الفلسطيني؟ هذا "مسخرة وكلام فاضي".
 
الجنسية والتوطين
منحت الدولة اللبنانية عددا من الفلسطينيين الجنسية اللبنانية، مما اعتبره بعض المتخوفين من التوطين أنه يلقي ظلالا من الشكوك حول قدرة الفلسطينيين على رفض التوطين.
 
الحاج أبو ياسين حسين شتلة
غير أن الحاج أبو ياسين حسين شتلة وهو عضو في اللجنة الشعبية لأحد المخيمات ينظر إلى الموضوع من منظار آخر، وهو من قرية البوزية في أصبع الجليل. ويقول إن "القرى التي في سهل الحولا أو ما يطلق عليها الغور، كانت قسمين: قسم مع الانتداب البريطاني وقسم مع الانتداب الفرنسي، والأخيرة تتبع للبنان ومركزها مرجعيون، والذين جنسوا هم من هذه القرى، في حين أن الأخرى تتبع لبريطانيا ومركزها صفد، وهؤلاء لا يحق لهم الجنسية اللبنانية، وهو ما يسمى تقسيم 1920".
 
ويضيف الحاج أبو ياسين أن هؤلاء قبلوا بالجنسية لأنهم يريدون الخلاص من المشاكل، ولكنهم غشوا بالجنسية لأنهم فلسطينيو الأصل. ويؤكد أبو ياسين تمسكه بأرضه وبفلسطين ويقول "مازلت أملك صك ملكية بألفي دونم في فلسطين، ولو كنت في لبنان أو سوريا سأبقى فلسطينيا".
 
وهذا التأكيد الذي نسمعه يوميا من فلسطينيي الشتات لم يتعرض لاختبار حقيقي، فلم تعرض الجنسية على الفلسطينيين بشكل واسع ورفضوها، ولكن من جهة أخرى هناك الكثير من الدول العربية هجرها أهلها وأخذوا جنسيات أخرى أملا بظروف معيشية أفضل، فضلا عن المهاجرين لأسباب سياسية، وليس الفلسطينيون استثناء في هذا الشأن.
 
أبو محمد حسيب سويد
ومن هذا المنطلق يرى أبو محمد حسيب سويد أن الإنسان الفلسطيني إذا كان يحمل أي جنسية فحق العودة بالنسبة له حق مقدس، "وقد يقول أنا لي حق ولكن لا أريد العودة إلى فلسطين، فأنا لي الحرية بذلك وأستطيع في أي وقت أن أعود، كما هو شأن المغربي اليهودي الإسرائيلي الذي يعود في أي وقت إلى بيته في المغرب، فأنا الفلسطيني يجب أن يكون شأني كذلك، فمهما كانت الجنسية التي أحملها يحق لي العودة إلى فلسطين".
 
حق العودة والمطالب الإنسانية
يتجاوز الموقف اللبناني السياسي في تأييده للمقاومة الفلسطينية معظم دول العالم العربي، حيث أعطى لرموز المقاومة والناطقين باسمها منابر إعلامية قل أو امتنع نظيرها في غيره من الدول.
 
ولكنه بالوقت نفسه متهم على الصعيد الإنساني بحرمانه الفلسطينيين من أبسط الحقوق التي تقررها القوانين الدولية والأعراف الإنسانية بذريعة منع التوطين.
 
إبراهيم الشايب
وفي هذا السياق يقول المسؤول الإعلامي في حركة فتح إبراهيم الشايب إن لبنان مع القضية الفلسطينية ولكنه ألغى ومن طرف واحد اتفاقية القاهرة التي تنظم العلاقة اللبنانية مع منظمة التحرير ومع الوجود الفلسطيني، ويضيف "كنا دائما ندعو ومازلنا إلى اتفاق بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير لإعطاء الفلسطينيين اللاجئين حقوقهم المدنية والاجتماعية، ولكن للأسف لم يوقع هذا الحين أي اتفاق بهذا الصدد".
 
وعزا الشايب ذلك إلى أسباب طائفية أو خارجة عن الإرادة اللبنانية، مؤكدا أنه حتى يتسنى للاجئ الفلسطيني في المخيم أن يفكر في العودة إلى فلسطين وأن يناضل من أجل ذلك فإنه يتعين على الدولة اللبنانية أن تعطيه حقه المدني والإنساني "ومعاملته كإنسان".
 
أما فيما يخص توطين الفلسطينيين في لبنان فيقول بغضب "نحن لا نطلب التوطين، وكل الفلسطينيين في لبنان بلا استثناء يرفضون التوطين جملة وتفصيلا.. هذه المعزوفة أو الفزاعة التي يخرج بها كل يوم نائب من هنا ووزير من هناك".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة