السجون السرية الأميركية ثقوب في ثوب حقوق الإنسان   
الجمعة 1427/8/14 هـ - الموافق 8/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:41 (مكة المكرمة)، 10:41 (غرينتش)
 
في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي فاجأت صحيفة واشنطن بوست الجميع بما وصفته بـ "فضيحة السجون السرية" قائلة إن هناك خمسة عشر سجنا أقامتها واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001  بثماني دول تابعة لما كان يُطلق عليه في الماضي أوروبا الشرقية.
 
هذه السجون ودوما -بحسب الصحيفة– خصصتها الولايات المتحدة لاحتجاز من تشتبه في علاقاته بتنظيم القاعدة سواء أكان المشتبه فيه عضوا منتظما أو ممولا.
 

"
رغم افتضاح أمر السجون السرية الأميركية في بعض دول أوروبا الشرقية فإن خطوات عملية للتحقيق بهذه القضية ومحاسبة المسؤولين عنها لم تتخذ
"

هؤلاء المعتقلون تصفهم إدارة الرئيس جورج بوش بـ "مقاتلين أعداء" يجب ألا يستفيدوا مما يكفله الدستور والقانون الأميركي للسجناء والمعتقلين وأسرى الحرب.
 
ومنذ أن فجرت الصحيفة هذه القضية والتفصيلات والتعليقات عليها لا تزال تتوالى، فقد ذكرت أن السجون السرية الأميركية هذه هي بالأصل منشآت سيئة السمعة تعود إلى العهد السوفياتي، وأن كبار المعتقلين من القاعدة هم غالبا نزلاؤها من أمثال خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة وأبو الفرج الليبي وأبو زبيدة.
 
ردود الأفعال
فور كشف النقاب عن هذه السجون ساد التوقع بأن البيت الأبيض سيبادر إلى النفي جملة وتفصيلا، وترديد العبارة المعتاد سماعها بمثل هذه الحالات والقائلة إن ما ذكرته الصحيفة "لا أساس له من الصحة" لكن أيا من ذلك لم يحدث، وإنما وقف المتحدث باسم البيت الأبيض ليقول "إن إدارة الرئيس جورج بوش ترفض الخوض في أي تفاصيل عن أنشطة استخباراتية" وإن الرئيس يعتبر "حماية الشعب الأميركي من ناشطين إسلاميين مسؤوليته الأهم وهو يأخذها على محمل الجد التام".
 
وظل الحال على ما هو عليه إلى أن جاء السابع من سبتمبر/ أيلول الجاري ليقر الرئيس الأميركي للمرة الأولى بما ذكرته الصحيفة، ويقول بأنها مهمة لأنها أحبطت محاولات إرهابية ضد الولايات المتحدة، حيث تم نقلهم "نقلهم إلى مناخ يمكن الاحتفاظ بهم محتجزين بشكل سري ليستجوبوا على أيدي الخبراء".
 
جاء ذلك التصريح متزامنا مع إعلان وزارة الدفاع الأميركية إصدار دليل استنطاق ميداني، يحظر تقنيات كثيرة تقول مجموعات حقوق الإنسان إن المحققين الأميركيين يستخدمونها ومنها التعرية وتغطية الرأس والضرب والإهانة الجنسية والتهديد بالكلاب والحرمان من الطعام والماء والإعدامات الوهمية والصعق الكهربائي والحرق والإيهام بالغرق (بتغطيس المعتقل في الماء).
 
وقالت وزارة الدفاع إن الدليل –الذي يعدل نسخة تعود إلى 1992- يعني كل القوات وليس فقط القوات البرية, لكنه "لا يشمل وكالة الاستخبارات المركزية".
 
وعلى منوال واشنطن بوست نسجت منظمات حقوق الإنسان العالمية مواقفها، فأوردت منظمة هيومن رايتس ووتش واللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيانات لهما أن مثل هذه السجون تعد انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان ولا يمكن تمريره أو السكوت عليه بدعوى محاربة الإرهاب الذي تسبب في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وطالبتا الإدارة الأميركية بالسماح لهما بزيارة هذه السجون والاطلاع على حقيقة ما يحدث داخلها وإجلاء حقيقة الأمر للرأي العام العالمي.
 
ولم يكن الاتحاد الأوروبي بعيدا عما يجري خاصة وقد ترددت أسماء بلدان بعينها مثل رومانيا وبولونيا، فأعلن أن أمر السجون السرية هذه مخالف لمعايير الاتحاد الأوروبي في مناهضة التعذيب والحفاظ على حقوق الإنسان، وأنه بصدد تقصي الحقيقة. 
 
أسلوب قديم
"
السجون السرية الأميركية أمر غير جديد فهو أسلوب قديم لدى أجهزة وكالة الاستخبارات الأميركية CIA لكن الجديد فقط هو كشف النقاب عنه
"
ويبدو أن نظام الاحتجاز السري أسلوب معتاد لدى وكالة الاستخبارات الأميركية منذ مدة، لكنه ظل طي الكتمان إلى أن كشفت واشنطن بوست النقاب عنه ثم أقر به الرئيس الأميركي نفسه، فقد تحدث عدد غير قليل من الدبلوماسيين وعملاء الاستخبارات القدامى ممن يرفضون أسلوب الـ CIA ويرغبون في أن تنأى هذه الوكالة عن مثل هذه الأساليب، وممن علقوا على ما نشرته الصحيفة الأميركية فقالوا إن تلك المعتقلات السرية جزء من نظام سري للاحتجاز أعدته CIA منذ نحو أربع سنوات وشمل مواقع بثماني دول تشمل تايلند وأفغانستان وعددا من الدول بأوروبا الشرقية فضلا عن غوانتانامو بكوبا.
 
وتعتبر واشنطن بوست هذه الشبكة الدولية الخفية لمواقع الاحتجاز عاملا مركزيا في حرب CIA غير التقليدية ضد الإرهاب, مشيرة إلى أن ترتيب أمر إقامة هذه السجون يتم بمعرفة عدد محدود من المسؤولين الأميركيين بعد الاتفاق مع رئيس كل دولة مضيفة لها ومجموعة قليلة العدد للغاية من ضباطه الأمنيين.
 
وذكر كذلك بهذا الصدد عدد من نواب الكونغرس الأميركي أن CIA والبيت الأبيض أقنعا الكونغرس تحت ذريعة "الأمن القومي" بعدم مطالبة الوكالة بالإجابة علنا عما يتعلق بظروف احتجاز هؤلاء الأشخاص أو هويتهم أو الطرق المستخدمة في استجوابهم أو قرار الإبقاء عليهم محتجزين ومدة ذلك.
 
السجون السرية بأوروبا الشرقية والعلنية في أبو غريب وغوانتانامو كلها أقيمت بدعوى الحرب على الإرهاب، وهي حرب لا يعرف أحد حتى الآن متى يمكن أن تنتهي، ولا كيف يمكن لطرف أن يتوقف ليقول إنه "انتصر".


______________
المصادر:
1- صحيفة واشنطن بوست، نوفمبر/ تشرين الثاني 2005
2- وين ماديسون، مسؤول سابق بوكالة الأمن القومي الأميركي، السجون السرية الأميركية بالخارج، برنامج ما وراء الخبر، قناة الجزيرة 5/11/2005
3- مطالبة الصليب الأحمر بزيارة السجون السرية الأميركية، الجزيرة نت 4/11/2005
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة