أحزاب الدول النامية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:40 (مكة المكرمة)، 16:40 (غرينتش)

د. ثناء فؤاد عبد الله



أحزاب الدول النامية:-
تثير أحزاب الدول النامية جدلاً واسعاً، حيث لا يعتبرها البعض أحزاباً بالمدلول السياسى العلمى لهذا المصطلح. ذلك أن مجرد تشكيل مجموعة من الأفراد الموجودين فى السلطة لتنظيم مسيطر لا يجعل منه حزباً سياسياً. أما بالنسبة لما يطلق عليه "الأحزاب الأيديولوجية" فإنها فى الغالب تكون تنظيمات تردد شعارات سياسية فى سياق منظومة شمولية لا علاقة لها بالديمقراطية من قريب أو بعيد.


ومن هنا تأتى بعض الأوصاف التى تطلق على أحزاب الدول النامية والتى تتراوح بين وصفها بالضعف والهشاشة، وبين اعتبارها تنظيمات مؤقتة، قصيرة العمر، ولا تنطوى على أيديولوجيات قوية. ( )


من ناحية أخرى، تذهب بعض التوجهات المتشددة نوعاً ما فى وصف أحزاب الدول العربية والإسلامية إلى اعتبارها "تعبيرات شكلية عن حقائق اجتماعية ساكنة جامدة لا تتبدل ولا تتغير، والواقع الاجتماعى الذى تمثله هذه الأحزاب قد يكون عشيرة أو طائفة أو غيرها".( )


وفى حقيقة الأمر، فإنه حتى فى حالة اعتبار هذه التوجهات تنطوى على نظرة متشائمة ومتشددة فى تحليلها لواقع الأحزاب السياسية فى الدول النامية، فإننا نرى أنها تنطوى على قدر لا بأس به من الصحة وكثير من المصداقية.


ويعود ذلك فى الأساس إلى اختلاف السياق الاجتماعى الذى وجدت فيه أحزاب الدول النامية فى ظل واقع سياسى واقتصادى وثقافى مختلف عما هو فى الدول المتقدمة. فأحزاب الدول النامية تعيش فى ظل مناخ ينوء بالولاءات التقليدية، ويعانى من أزمات اقتصادية تجعل نسبة كبيرة من السكان تعانى وربما تعيش على حد الكفاف، هذا فضلاً عن تفشى الأمية وشيوع قيم ثقافية ضد الديمقراطية فى ظل أنظمة حاكمة تسلطية أو عسكرية، وكل ذلك يعنى ضمن ما يعنيه أن الحياة الحزبية، بمدلولها المعروف فى الدول المتقدمة، ليست ممكنة فى ظل هذه الظروف المعاكسة.


وبالتالى فإن قضية الديمقراطية داخل أحزاب الدول النامية هى انعكاس مباشر لظروف الدول التى تعيش فيها. وبالنظر إلى واقع وظروف النظم السياسية فى الدول العربية، فإنه سيكون من السهل علينا معرفة السياق السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى لأحزاب هذه الدول. فالدول العربية ملكية أو جمهورية ترفض التعددية السياسية الحقيقية، وتنظر إليها على أنها تهديد لسيطرتها، وبالمنظور العام فإن الأحزاب العربية تعيش فى ظل دولة سلطانية لا ترحب بوجود "سياسة شعبية" وتستبعد العديد من القوى السياسية فى "اللعبة العامة".( )


والنتيجة المنطقية لما سبق بالنسبة لمدى الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب العربية، أنها تكون فى أسوأ حالاتها، فلا تمثيل انتخابى حقيقى بين القاعدة والقيادة، والقيادة فردية، يسعى الجميع للاجماع حولها على الدوام، وتقوم القيادات العليا "بتعيين" قيادات المستويات الوسطى، والمستويات التالية دون إعمال لآلية الانتخاب. وفى بعض الأحيان قد تلزم الأحزاب أعضاءها التزامات شخصية واجتماعية بما يتجاوز الحدود المطلوبة بين حياة الفرد وواجباته الحزبية. ( )


أما عن سلطة القيادة، فإن النموذج الشائع فى علاقاتها داخل الأحزاب هو "نموذج السلطة الزعامية المستمدة من القيم الأخوية ومونة الأخ الأكبر"( ) والذى ينشأ نتيجة ظروف اجتماعية وتاريخية محددة.


وبالطبع فإنه فى ظل دولة تقوم على قاعدة مزدوجة من الاستحواذ والاقصاء ونمو علاقات التطرف والعنف، فإن العلاقة بين الأحزاب ونظرة الأحزاب إلى بعضها البعض لا يمكن أن تكون من طبيعة ديمقراطية. فالحزب وهو "المالك الأوحد للحقيقة ومعايير الصحة" فإنه ينظر للآخرين باعتبارهم جماعات معادية، أو مضللة، أو خادعة. وفى هذه الحالة فليس ثمة منافسة ولا سياسة وإنما مهاترات ومؤامرات واتهامات متبادلة على الدوام.


وفى المجمل العام، فإننا يمكن أن نشير إلى ملاحظتين أساسيتين:
أولاً: أنه فى حالة وجود الحزب فى سياق دولة تطلق العنان لأساليب غير ديمقراطية، فإنه ليس من المتوقع أن تكون درجة الديمقراطية داخل الحزب، على مستوى يعتد به، والعكس صحيح.
ثانياً: أن غياب الديمقراطية داخل أى حزب لا ينفصل عن مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى يعيش الحزب وأعضاؤه فى ظلها.
والحقيقة أن نقاشاً واسع النطاق يدور حالياً فى الدول المتقدمة حول مستقبل الأحزاب، فى ظل مستجدات عصر الاتصالات والمعلومات وتطور أجهزة الاعلام وتعاظم تأثير التليفزيون الذى أدى فى نظر البعض إلى ما اطلق عليه "التراجع التدريجى لدور الآلة الحزبية".


وإذا كان صحيحاً أن دور ومركز وآليات عمل الأحزاب السياسية يمكن أن تشهد تغيرات مستقبلية واسعة النطاق، إلا أنه حتى الآن على الأقل، فإنه بالنسبة لمجتمعات الدول النامية - ومنها الدول العربية، فإن الأحزاب السياسية يمكن فى حالة وجودها، وتفعيل نشاطها - وإصلاحها - وتحسين البيئة السياسية التى تعمل فى ظلها، يمكن أن تساهم فى دعم عملية التحول الديمقراطى فيها خاصة وأن هذه المجتمعات لا تزال تعيش مراحل انتقالية، وتشهد خبرات سياسية جديدة، ولم تترسخ فيها بعد تقاليد العمل السياسى.


ومن هنا نقول إن وجود الأحزاب السياسية بمدلولها العلمى المعروف حالياً، ما يزال يمثل ضرورة لدفع خبرة العمل السياسى فى هذه المجتمعات فى المراحل الراهنة.
إلا أن ذلك لا يعنى استبعاد أن تشهد المجتمعات النامية تطورات مماثلة أو قريبة الشبه بما تشهده الدول المتقدمة فيما يتعلق بنشوء ظاهرة الجمعيات الجديدة ذات الأهداف والمضامين المختلفة، حيث إنه من المعروف أن العديد من الظواهر تبدأ فى الدول المتقدمة ثم تنتشر إلى غيرها، وهو ما حدث بالنسبة لظاهرة الأحزاب نفسها والتى بدأت فى الغرب ثم توالى انعكاسها فى بقية أنحاء العالم.


هذا، على الرغم من أن النقاش الدائر حالياً فى الدول المتقدمة يجرى على قاعدة ما يطلق عليه مجتمع ما بعد الأحزاب، بينما يجرى فى الدول النامية ومنها الدول العربية يجرى فى ظل ما يطلق عليه مجتمعات ما قبل الأحزاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة