الأحزاب المرتبطة بالولي الفقيه   
الأربعاء 1427/3/28 هـ - الموافق 26/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:21 (مكة المكرمة)، 11:21 (غرينتش)

توفيق السيف

ولاية الفقيه هي الأبرز بين أجوبة ثلاثة للفقه الشيعي التقليدي على السؤال المزمن: "من هو الحاكم الامثل وما هي السلطة المشروعة؟".

ولاية الفقيه والعمل الحزبي
أحزاب ولاية الفقيه والنظام العربي
تأثر أحزاب الشيعة بتغيرات المنطقة

ولاية الفقيه والعمل الحزبي

وقد مال أكثر الفقهاء إلى حصر سلطة الفقيه في الشؤون الروحية، بينما مددها بعضهم إلى الجانب السياسي واختارها آية الله الخميني محورا لمشروعه السياسي الرامي إلى إقامة حكومة دينية في إيران.

طبقا للرأي الثاني يتوجب على الحزب السياسي الرجوع إلى الفقيه، لأنه يمارس عددا من الوظائف المصنفة ضمن "الولاية العامة". وإذا كان عمل الحزب سريا، فإن إشراف الفقيه ضروري لمنع استثمار قواه المادية والبشرية فيما يتجاوز حدود الشريعة.

تعززت مصداقية ولاية الفقيه مع انتصار الثورة الإسلامية في 1979. ووجدت الأحزاب الدينية الشيعية نفسها مطالبة بتبني قيادة الإمام الخميني، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لضمان مشروعية العمل الحزبي، رغم ما ستؤدي إليه من تراجع دور الهيئات الحزبية في تقرير المصالح والأولويات الخاصة بمناطق عملها.

دور رجال الدين التنظيمي

"
استمر الضغط على الأحزاب الشيعية لاتخاذ موقف محدد إزاء دور الفقيه حتى بداية التسعينيات حين تغيرت أولويات الحكومة الإيرانية، وتراجع النقاش حول ولاية الفقيه وعلاقة الدين بالسياسة

"

على المستوى السياسي والتنظيمي فإن تبني ولاية الفقيه يعني فعليا اختصاص كبار رجال الدين بالمرتبة العليا في الهرم القيادي للمنظمة. ولكي تكون المنظمة السياسية مشروعة، فيجب ان تتصل بالإمام المعصوم، وأن تلتزم في أعمالها بالتعاليم الدينية، وهذا يتطلب بالضرورة أن يكون على رأسها فقيه أو ممثل للفقيه يضمن اتساق عملها مع تلك التعاليم.

فقد أسست معظم الأحزاب الشيعية العربية على يد فقهاء. فأسس حزب الدعوة الإسلامية العراقي مثلا على يد محمد باقر الصدر في 1959. وأسست منظمة العمل الإسلامي على يد محمد تقي المدرسي (حوالي 1970) ، كما أسس حركة المحرومين "حركة أمل لاحقا" الإمام موسى الصدر في 1974.

وتواصل هذا المنحى بعد قيام الثورة الإسلامية، من حزب الله/لبنان، إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية/العراق، إلى جمعية الوفاق/البحرين، والحركة الإصلاحية/السعودية، وكان رجال الدين مؤسسين او مشاركين رئيسيين في التأسيس.

 يفسر هذا بطبيعة الحال الدور المحوري لرجال الدين في العمل السياسي الشيعي.

الجدل حول ولاية الفقيه
تبنت منظمة العمل الإسلامي منذ تأسيسها قيادة الفقيه كجزء من ايديولوجيتها.

أما حزب الدعوة فقد شهد أول النقاشات حول المسألة في 1983 حين دعا أحد قادته الشيخ علي الكوراني إلى تغيير شامل في منظومة العمل الحزبي وفي مفاهيمه. ودعا إلى التخلي عن التنظيم الحزبي واستبداله بعلاقة مباشرة بين القيادة الدينية والجمهور لتعبئة الشارع وراء هدف محدد هو إقامة الحكومة الإسلامية. ومع انشقاق الكوراني انضم معظم أعضاء حزب الدعوة في لبنان إلى جهود كانت قد بدأت فعلا لتشكيل "حزب الله".

استمر الضغط على الأحزاب الشيعية الرئيسية لاتخاذ موقف محدد إزاء دور الفقيه حتى بداية التسعينات حين تغيرت أولويات الحكومة الإيرانية، كما تراجع النقاش حول ولاية الفقيه وعلاقة الدين بالسياسة بشكل عام.

ونتيجة لذلك فقد تحول اتجاه الجدل داخل الأحزاب الدينية إلى قضايا مثل الحريات العامة وحاكمية الشعب والعلاقة الممكنة مع الأنظمة السياسية العلمانية والقوى الدولية ذات التاثير.

وبصورة عامة فقد انتهت النقاشات السابقة حول ولاية الفقيه إلى تشكيل مشهد جديد للعمل الحزبي الشيعي، يتألف في الوقت الحاضر من ثلاثة ألوان:

  1. أحزاب تؤمن بولاية الفقيه وترجع دينيا إلى الفقيه الحاكم "آية الله خامنئي". وأبرزها مجموعة حزب الله في لبنان والخليج، إضافة إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية/العراق.
  2. احزاب تؤمن بدور إشرافي للفقيه، على أساس نظرية ولاية الفقيه العامة أو في إطار الالتزام التقليدي بالمرجعية الدينية، لكنها لا ترجع إلى آية الله خامنئي، ومن بينها منظمة العمل الإسلامي، وحزب الفضيلة، والتيار الصدري، وجمعية العمل الإسلامي/البحرين.
  3. أحزاب تلتزم بالإطار الديني لكن من دون دور خاص للفقهاء. ويدخل في هذا الصنف حزب الدعوة، وجمعية الوفاق الوطني/البحرين.

أحزاب ولاية الفقيه والنظام العربي

"
مع تفاقم الخلاف بين واشنطن وايران، من المحتمل أن تستخدم إيران كلا من حزب الله والمجلس الأعلى في صراعها مع واشنطن

"

 فيما يتعلق باللون الأول، أي حزب الله والمجلس الأعلى، فإنه يمكن الإشارة إلى أربعة عوامل تحدد علاقتها مع محيطها الوطني والقومي.
 
الأول: العامل الديني
لا يزال النظام السياسي العربي مترددا في التكيف مع حقيقة أن الحركة الدينية تمثل مركز الثقل في الحراك السياسي المحلي.

يضاف إلى ذلك أن الصورة السائدة عن التمايز الأيديولوجي تميل إلى اعتباره عامل تفكيك وتنازع، وليس دلالة تنوع وعامل إغناء للممارسة السياسية. وتتفق الدولة ومعظم الأحزاب العلمانية على النظر للحزب الديني باعتباره تهديدا وليس فرصة.

على الجانب الآخر فإن الحركة الدينية لم تنجح حتى الآن في تطوير خطاب سياسي "مطمئن" لبقية الشرائح، خطاب يؤكد على قبول نهائي بقاعدة مشتركة للتعامل السياسي تتيح فرصا متساوية للديني والعلماني، وتعترف بمشروعية تمثيلهم جميعا لجمهورهم، حاليا أو مستقبلا.

الثاني: العامل المذهبي
رغم أن جميع الأنظمة العربية –الحديثة والتقليدية- قامت على أرضية علمانية، إلا أن موقفها من التشيع السياسي بقي محكوما بخلفية طائفية لا تسمح للشيعة بمشاركة سياسية طبيعية إلا اضطرارا.

يبرر هذا الموقف غالبا بالخوف من التأثير الإيراني، إلا أني أميل إلى الاعتقاد بأن السبب يعود أولا وأخيرا إلى افتقار الثقافة العربية لمفهوم دولة الأمة، أي الدولة التي تمثل مصالح جميع المواطنين، ولهذا السبب فإن الأقليات في أي دولة عربية هي مشكلة.

وليس بالإمكان حل هذه المشكلة إلا بإزالة العامل الطائفي. ويتوجب أيضا على الأحزاب الشيعية التأكيد على هويتها الوطنية وتكرسها للشأن المحلي بغض النظر عن توافقها المذهبي مع إيران أو أي بلد آخر.
 
الثالث: القوة العسكرية
تمثل القوة العسكرية لحزب الله ومنظمة بدر التابعة للمجلس الأعلى، نقطة توتر في العلاقة بين الحزبين وشركائهما في الساحة السياسية، بغض النظر عن المبررات التي يقدمها الحزبان حول طبيعة هذه القوة ومهماتها.

ومن المفهوم أن جميع التنظيمات السياسية في كل من العراق ولبنان تملك قوى عسكرية صغيرة أو كبيرة، لكن استمرار هذا الوضع سوف يؤدي بالضرورة إلى تعطيل قيام نظام سياسي مدني.

من هذه الزاوية فإن من واجب كلا الحزبين البحث عن وسائل ضمان أخرى غير القوة العسكرية الخاصة. كما يحتاج الفرقاء السياسيون جميعا إلى مناقشة أسباب القلق التي تدعو الحزبين للاحتفاظ بقوة عسكرية، مناقشة علنية موضوعية، والمساعدة في إزالة تلك الأسباب بدل استثمارها كمبرر للتراشق الإعلامي والسياسي.

الرابع: التحالف مع إيران
من المفارقات المثيرة أن المنددين بتحالف الحزبين الشيعيين مع طهران، لا يترددون أبدا في التحالف مع واشنطن أو حلفائها.

ومع تفاقم الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران، فثمة قلق جدي من تحول لبنان والعراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بينهما. في هذا الصدد ينظر إلى حزب الله والمجلس الأعلى كأبرز القوى التي يحتمل أن تستخدمها إيران في صراعها مع واشنطن.

ويشعر الجميع بالقلق إزاء تحول أي من البلدين إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية. صحيح أن طهران مثل واشنطن تستطيع استعمال قوى كثيرة أخرى، لكن الأنظار تتركز على حزب الله والمجلس الأعلى خصوصا بالنظر لارتباطهما الأيديولوجي مع إيران.

تأثر أحزاب الشيعة بتغيرات المنطقة

"
تشير تجربة السنوات القليلة الماضية إلى تصاعد الميل للفصل بين الأهداف الأيديولوجية والسياسية، والواضح أن حزب الله والمجلس الأعلى يتعاملان مع فكرة الدولة الإسلامية كهدف مؤجل

"
منذ بداية التسعينيات شهدت ايران والمنطقة العربية تغييرات جوهرية، أثرت بشكل عميق على الأحزاب الدينية الشيعية، على سلوكها السياسي وعلى تكوينها الداخلي واستهدافاتها، وهي تغييرات ما كانت ستتم من دون تحولات موازية في قاعدتها الأيديولوجية.

بالنسبة للعراقيين كان اجتياح الكويت في 1991 هو العامل الحاسم في التغيير. فقد وجدت الأحزاب الشيعية نفسها في صف واحد مع تحالف تقوده واشنطن.

ودخلت تبعا لذلك في حوارات مع تنظيمات عراقية علمانية، ومع الولايات المتحدة وحلفائها الاوربيين، عززت –كما هو متوقع- مكانة القادة المدنيين على حساب رجال الدين.

استمر التحول الداخلي مع سقوط صدام حسين، فتبنت الأحزاب الدينية النظام الديمقراطي التعددي كخيار إستراتيجي، مبتعدة بذلك عن نموذج النظام الديني الذي يقوم على أساس ولاية الفقيه.

فقد ساهمت هيمنة آية الله السيستاني (الذي لا يؤمن بولاية الفقيه العامة) على الرأي العام في دفع المجلس الأعلى بعيدا عن الخيار الإيراني، السياسي والأيديولوجي. وتقدم هذه المفارقة دليلا إضافيا على أولوية التوازنات المحلية على الخيارات الأيديولوجية في عمل الأحزاب الدينية.

بدأت تحولات حزب الله مع اتفاق الطائف لعام 1989. فرغم استمرار ولائه المعلن لولاية الفقيه، تخلى عن شعار "الثورة الإسلامية في لبنان"، وشارك في النظام العلماني بعد أن كان ينكر مشروعيته.

وخاض جميع الانتخابات النيابية منذ 1992 وهو اليوم لاعب نشط في النظام اللبناني التقليدي. وفي نفس الاتجاه فقد شارك أعضاء في حزب الله الكويتي في جميع الانتخابات النيابية بعد التحرير، في إشارة إلى إقرارهم بمشروعية النظام القائم.

بنظرة عامة، نجد أن جميع الأحزاب الشيعية -سواء تلك التي قامت قبل الثورة الإسلامية أو التي قامت في ظلها- قد مالت خلال العقدين الماضيين إلى الدخول في الحياة السياسية ضمن الإطار الوطني وفي حدوده.

ومن المرجح أن تواصل الأحزاب المؤمنة بولاية آية الله خامنئي علاقتها المتينة بالقيادة الإيرانية، لكن تأثير هذه العلاقة على خياراتها الوطنية سوف يتأثر بعوامل الشد والجذب في الإطار المحلي، والتوازن الحرج بين التحديات الواقعية فيه وبين التطلعات الأيديولوجية البحتة.

وتشير تجربة السنوات القليلة الماضية إلى تصاعد الميل للفصل بين الأهداف الأيديولوجية والسياسية، والواضح أن كلا الحزبين، حزب الله والمجلس الأعلى يتعامل مع فكرة الدولة الإسلامية كهدف مؤجل.

أما هدفها الراهن فهو تمثيل جمهورها بصورة مناسبة في الدولة الوطنية. ويقترب هذا من خيارات الأحزاب السنية، الإخوان المسلمين مثلا، التي -رغم إيمانها بالإمامة العظمى– تركز على إصلاح تدريجي من خلال مؤسسات النظام القائم.

ويذكرنا هذا برأي ماكس فيبر، رائد علم الاجتماع السياسي المعاصر، الذي رأى أن الدولة هي أقوى أداة للعلمنة، فعندما يدخل الحزب في العمل السياسي الفعلي فإن همومه تتجه إلى الجانب الدنيوي والمفهومات العرفية للأشياء، بينما يتراجع بالتدريج الهم الأخروي والصورة القدسية للذات والعالم.
_______________
كاتب سعودي شيعي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة