آثار العلاقات الإيرانية بسوريا وحزب الله   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

إعداد: محمد عبد العاطي

هل أصبحت العلاقة بين سوريا وإيران عبئا على كل منهما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول والاحتلال الأميركي للعراق؟ أم أن هذه الأحداث نفسها جعلت من استمرارية العلاقة وتوثيقها قضية إستراتيجية كما صرح بذلك الرئيس خاتمي في جولته العربية الأخيرة؟

التقرير التالي محاولة لإلقاء الضوء على العلاقات الإيرانية السورية في ظل المتغيرات والتحديات الإقليمية والدولية الأخيرة التي طرأت على خريطة الشرق الأوسط والمسرح الدولي.

ملامح عامة
الموقف من العراق
القضية الفلسطينية
دعم حزب الله

ملامح عامة

بشار الأسد ومحمد خاتمي

رغم الرياح التي قد تصل إلى حد العاصفة وتثيرها حاليا الولايات المتحدة الأميركية على سوريا وإيران، فإن الملامح الإستراتيجية للعلاقة بين هذين البلدين ظلت كما هي محافظة على ثوابتها واستمراريتها منذ اندلاع الثورة الإسلامية قبل 24 عاما رغم ما قد يبدو على سطح العلاقات الثنائية بينهما من بعض تجاعيد الزمن.

فهناك أمور ثلاثة شكلت ملامح العلاقات الإيرانية السورية خلال العقدين الماضيين:

  • الموقف من العراق
  • القضية الفلسطينية
  • دعم حزب الله

الموقف من العراق

عدد من الجنود الإيرانيين فوق دبابة يبدون سعادتهم بالنصر على القوات العراقية في إحدى جولات الحرب

في الوقت الذي كانت فيه معظم الدول العربية وبالأخص الخليجية منها تساعد نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين في حربه ضد إيران خوفا من ثورتها الإسلامية وتمشيا مع التوجهات الأميركية وقفت سوريا بقيادة حافظ الأسد موقفا مغايرا.

فقد كان لدمشق حساباتها سواء في إطار صراع جناحي حزب البعث، أو في إطار التنافس على الأدوار الإقليمية المميزة في المنطقة.

لكن في كل الأحوال كانت طهران تنظر إلى دمشق على أنها حليف يمكن الاستفادة منه عسكريا في حربها ضد العراق خلال عقد الثمانينيات، وفي تسهيل وصول مساعداتها إلى حزب الله في لبنان بعد ذلك في عقد التسعينيات، ومن هنا توثقت العلاقة بين البلدين.

استمرت هذه العلاقة محافظة على ملامحها الإستراتيجية حتى أعيد اختبارها مرة أخرى هذا العام، وبالتحديد خلال الحرب الأميركية الأخيرة على العراق.

كان البلدان -سوريا وإيران- يعتقدان أن أيا منهما سيكون مهددا إذا شنت الولايات المتحدة حربا على العراق، وتأكد لديهما هذا الاعتقاد بعد أن احتل العراق وأصبحت القوات الأميركية على مرمى حجر منهما.

أثناء الحرب أغلقت إيران حدودها مع العراق تخوفا من وصول لاجئين عراقيين تشردهم الحرب.

وكان الجانب السوري أكثر تفاعلا، فالخطاب الموجه إلى الداخل اصطبغ بصبغة تحريضية.. دعوة إلى مقاومة الغزو، واعتبار من يموت في هذه المقاومة شهيدا.

لكنهما -ومع ذلك- يبدو أنهما بنيا موقفهما السياسي انطلاقا من نتيجة مفادها أنه لن يكون بوسعهما الوقوف في وجه الآلة العسكرية الأميركية، ومن ثم ترجما هذه النتيجة إلى تنسيق في المواقف السياسية في ما بينهما سواء أثناء الحرب أو بعدها. وفي كل الأحوال كان ولا يزال سقف الفعل السياسي السوري والإيراني محسوبا بدقة.

القضية الفلسطينية

إيرانية تحرق العلم الأميركي أثناء تظاهرة احتجاجا على الحرب التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين

لا يمكن النظر إلى الضغوط الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ضد سوريا وإيران حاليا بعيدا عن سياق القضية الفلسطينية وموقف الدولتين من مشاريع التسوية التي تسوقها الإدارات الأميركية في هذا الجانب.

كان أمام الولايات المتحدة وإسرائيل عقبات ونتوءات مؤثرة أمام تمهيد التربة السياسية العربية لمثل هذه المشاريع.

وكان أهم هذه العقبات تلك الأنظمة التي لا تزال ترفع شعارات القومية العربية كسوريا والعراق وليبيا أو الشعارات الإسلامية كما هو الحال بالنسبة للنظام الإيراني.

وقفت هذه الأنظمة في طريق إعادة تكييف القضية الفلسطينية وخلق مرجعيات جديدة لها بعيدا عن قرارات مجلس الأمن وتوصيات الأمم المتحدة التي ظلت إطارا حاكما -ولو على المستوى النظري- لكيفية حل القضية الفلسطينية.

رفضت هذه الأنظمة اتفاقية أوسلو وما تمخض عنها من سلسلة اتفاقيات سياسية وأمنية بعد ذلك، واعتبرت ذلك تفريطا في الحق العربي والإسلامي الذي لا يقبل بأقل من الانسحاب إلى حدود 4 يونيو/ حزيران 1967، ووقفت تؤيد وتساند فصائل المقاومة الفلسطينية الرافضة لهذا المسار.

انهار نظام الحكم في العراق وتراجعت ليبيا عن دعمها للفصائل الفلسطينية المقاومة في إطار محاولاتها فك العزلة الدولية عن نفسها وتسوية تداعيات أزمة لوكيربي، ولم يبق في الساحة محافظا على ثوابته السياسية الفكرية ولو على مستوى الخطاب الإعلامي سوى إيران وسوريا. ومن هنا كان للحملة الأميركية الإسرائيلية المتزامنة على كل منهما مبرراتها.

فعلى الجانب الإيراني تتكفل الولايات المتحدة بشن حرب دبلوماسية بذريعة التهديد الذي يمثله برنامجها النووي.

وعلى الجبهة السورية تجاوز التهديد الإسرائيلي الحرب الدعائية إلى العمل العسكري، فقصفت طائراتها موقعا بالقرب من العاصمة دمشق قبل أيام، ولم تستطع دمشق الحصول حتى ولو على إدانة لهذا العمل في مجلس الأمن بسبب التهديد الأميركي باستخدام حق الفيتو.

دعم حزب الله

الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله
يقبل يد مرشد الثورة آية الله علي خامنئي على هامش المؤتمر الدولي لدعم انتفاضة الأقصى

القضية الثالثة التي تتجلى فيها ثوابت العلاقات الإيرانية السورية وتحدياتها تتعلق بحزب الله في لبنان.

بدأ نجم حزب الله يسطع بفضل نجاحاته المتراكمة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وقدم في ذلك نموذجا للمقاومة بات مبعث إعجاب لأي فصيل مقاوم، خاصة بعد أن تكللت جهوده بإجبار الجانب الإسرائيلي على الانسحاب تخلصا من مستنقع الجنوب الذي استنزفه طيلة عقدين كاملين.

العلاقات المتينة بين حزب الله وإيران لها أسباب كثيرة، أهما وحدة المذهب الديني، والمصلحة الواحدة في إضعاف عدوهما المشترك (إسرائيل).

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لسوريا التي لا يزال جزء مهم من أراضيها محتلا منذ أكثر من ثلاثين عاما حتى الآن. فبعد أن تقاطعت مصالحها مع مصالح إيران في إضعاف إسرائيل وجدت في حزب الله يدا قوية لتحقيق ذلك.

استمر الدعم الإيراني والسوري لحزب الله يستفز إسرائيل ويثير حنق الولايات المتحدة إلى أن جاءت أحداث سبتمبر/ أيلول ثم الاحتلال الأميركي للعراق فاتخذت علاقة البلدين بهذا الفصيل المقاوم منحى آخر.

أصبحت هذه العلاقة عبئا على السياسة الخارجية لكلتا الدولتين. جاء ذلك صراحة على لسان أكثر من مسؤول أميركي بدءا من وزير الخارجية والدفاع مرورا بمستشارة الأمن القومي حتى الرئيس بوش شخصيا.

والرسالة الأميركية في ذلك كانت واضحة أنه على سوريا أن تقطع صلتها بحزب الله وبالمنظمات الفلسطينية التي تصفها بالإرهابية.

ولم تختلف الرسالة كثيرا في الحملة الإعلامية والدبلوماسية التي تتعرض لها إيران، حيث أدرجت ضمن دول محور الشر، واتهمت برعايتها للإرهاب ودعمها لمنظمات تصنف على أنها إرهابية.

كثر استخدام اسم حزب الله في التهديد الأميركي لإيران بعد أن تعددت دراسات المراكز البحثية القريبة من صنع القرار في الولايات المتحدة والتي تحذر من تنامي الدور الإقليمي لحزب الله واحتمال تكرار نموذجه في المقاومة داخل العراق.

لهذا ورغبة من إيران في طمأنة حزب الله وحرصا منها على أن تؤكد لقادته أن علاقتها به -رغم الضغوط الأميركية- لن تتأثر كانت زيارة الرئيس محمد خاتمي في مايو/ أيار الماضي للبنان وتنظيم حزب الله لاستقبال كبير له دلالة لا تخطئها العين.

ولكن يبقى التساؤل قائما.. إلى أي مدى يمكن أن تتحمل السياسة الخارجية لإيران مثل هذه العلاقة التي أصبحت في الزمن الأميركي الراهن باهظة التكلفة سواء مع سوريا أو مع حزب الله؟

قد تشهد المنطقة أحداثا في المستقبل المنظور يكون في طياتها بعض إجابات هذا السؤال.
_____________
قسم البحوث والدراسات-
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة