جدار الفصل وقصص من حياة الفلسطينيين   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

إعداد: هنادي دويكات

حصلت الجزيرة نت على مجموعة من القصص التي تعكس الواقع اليومي الفلسطيني ويجمع بينها قاسم مشترك واحد وهو الجدار العازل. فكيف أصبحت حياة الأسرة الفلسطينية وهي ترى الجدار العازل يخترق المدينة والقرية ويفصل البيت وساكنيه عن الجار ذي القربى والصاحب بالجنب؟ كيف أصبحت حياة هذه الأسرة وهي تبصر الجدار يحل محل عمائر مشيدة وأشجار غرست منذ قرون؟

معاناة يومية

أم أحمد تلملم جراحات حفرها الجدار
كفكفت الحاجة صفية "أم أحمد" دمعتين انحدرتا على وجنتيها، لتلملم جراحات حفرها الجدار على صفحات قلبها ومزق أسرتها إلى أشلاء. أم أحمد أم لستة أبناء ولدين وأربع بنات، هي في الخمسين من العمر، ظهرت التجاعيد على وجهها وعمقها غياب أحمد عن حضنها الدافئ مدى الحياة، بل زاد ذلك من الدوائر السوداء المرسومة حول عينيها اللتين لم تملا البكاء ليلا وبصمت. بل زاد تشريد العائلة وسلب الأرض من حجم المعاناة التي تلفها من كل الجهات.

أم أحمد وعائلتها تمتلك 45 دونما من الأرض تحيط بمنزل الأسرة في قرية جيوس تزرعها بالزيتون ونوعيات مختلفة من الأشجار المثمرة أو كما تحب أم أحمد أن تسميها بيارات، والقليل من الخضراوات حسب المواسم. وتعتبر أراضي الزيتون والبيارات مصدر الرزق الأساسي للعائلة وخصوصا أن أبا أحمد رحل عن الحياة منذ زمن تاركا تلك الأمانة الثقيلة في عنق الحاجة صفية.

"جدتي جدتي.. الحقي الأرض"
عندما شرعت إسرائيل ببناء الجدار الفاصل وأخذ يلتهم دونما وراء آخر من أراضي جيوس وضعت أم أحمد يدها على قلبها، فقد علمت ما تخبئ لها الأيام القادمة بين طياتها. تقول "صباح 20 سبتمبر/ أيلول 2003 جاء حفيدي سامر في الصف الخامس يناديني (ستي ستي الحقي الأرض).. في ذلك الوقت عرفت أن الجرافات الإسرائيلية بدأت تقتلع أشجار الزيتون والبيارات وتدوس بجنازيرها الثقيلة الخضراوات التي تنغرس كما أحلامنا في هذه الأرض. ماذا أفعل؟ لمن ألتجئ سوى لله رب العالمين؟ هل البكاء سيعيد ما سلبته الغطرسة الإسرائيلية؟ لا أعتقد ذلك".

تمسح أم أحمد دموعا نزلت مسرعة دون استئذان على وجهها وكأنها تأبى على نفسها البكاء بعد سماعها قرار المحكمة الإسرائيلية بإصدار الحكم على ابنها البكر أحمد، أو كما تسميه "زينة شباب الحارة". حكم بالبعد مدى الحياة، كما حكم الجدار الفاصل على سني عمرها بالبعد عن الأرض والزرع. تتابع أم أحمد "في اليوم الذي قلعت به أول شجرة من أرضي علمت أن الأمور ستزداد سوءا، فالأرض هي المصدر الوحيد الذي يسد رمق أبنائي وأحفادي عن سؤال الناس، خاصة مع عدم وجود مصدر رزق آخر، ومنع إسرائيل العمال الفلسطينيين من الدخول إلى داخل أراضي الخط الأخضر للعمل هناك، ما يجعل عبد الله عاطلا عن العمل".

"أوعي تفرطي في الأرض"
إذن الدولة الأكثر غطرسة في تاريخ الإنسانية لا يضيرها القتل والتشريد ولمرات عديدة لشعب تنغرس جذوره في الأرض المحتلة التي تشهد تربتها ودم الشهداء على قداسته، فظلم في ظلم يغشى صرخات الأمهات والزوجات الثكلى، تتابع أم أحمد "عندما توفي أبو أحمد ترك في عنقي أبناءه الستة وأوصاني "ديري بالك يا صفية على الأرض، أوعي تفرطي فيها، هي الميراث الوحيد لأحمد وإخوته" لم أقدر على الحفاظ على الوصية، كانت القوة الإسرائيلية والأميركية أكبر من قدرتي على الدفاع عن أرضي، وقفت أمام الجرافات عندما بدأت تدمير ما رويته بعرق جبيني، ولكن من يسمع صرخاتي التي ذهبت أدراج الرياح في حينها،

لقد أسمعت إن ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي

"جمعيات حقوق الإنسان لن ترد حقا سليبا وأرضا مغتصبة، جامعة الدول العربية تصدر قرارات حبرا على ورق، ومحكمة العدل الدولية لن تزيد التنديدات إلا تنديدا جديدا، لن يعيد فلسطين غير أولادها" هذا ما قالته جليا واضحا أم أحمد التي أشارت وبقوة إلى أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

أرضي ليست أغلى من ولدي
تتابع الحاجة صفية حديثها والحسرات تنطلق مع زفرات تخرج حرى من جوفها "قالوا لي ارفعي دعوى طالبي بحقك طالبي بتعويضات، ولكن هل تكون أرضي أغلى من ابني الذي حرمه شارون وزمرته حق تكفيني وتقبيل جبيني عند موتي، لقد تعودت على المصائب التي سببتها الدولة العبرية لي ولعائلتي، فنحن نهجر للمرة الثانية من أرضنا ودرب الحرمان لسنا بحديثي العهد به، عائلتي هاجرت عام 1948 من صرفند الخراب إلى جيوس، وها نحن نعيد الكرة مرة ومرات عديدة قادمة، تركنا أراضي ومنازل وبيارات وأملاكا دونما أخذ رغيف خبز واحد لأبنائنا، أو دثار يقي أجسادهم الرقيقة ثلوج ذلك العام، وها هو المشهد يكرر نفسه ثانية".

قرار الهدم
يقول عبد الله الذي يعيل أسرة مكونة من سبعة أفراد بالإضافة إلى الجدة وأختين إحداهما تدرس الصيدلة في الجامعة "45 دونما من الأرض الزراعية لم يبق منها إلا عشرات الأمتار، والمنزل الذي نعيش فيه مكون من أربعة طوابق تهددنا إسرائيل بإخلائه في مدة أقصاها شهران، وإلا سنكون تحت ركامه".

يتابع عبد الله "نحاول استصدار أمر من محكمة إسرائيلية يقضي بإيقاف قرار الهدم، استطعنا تأجيل تنفيذ القرار عدة أشهر أخرى، ولكن يبدو أن منزلنا الذي من المفروض أن يكون آمنا لأطفالنا سيتم قلعه كما أشجار الزيتون التي تبلغ مئات السنين من الثبات على هذه الأرض".

"جدار الأمن" يقتل الطفولة
اعتادت حلا بدء يومها الدراسي بالمرور عبر سهل قرية دير بلوط الذي عادة ما يزرع بالقمح أو الخضراوات ويفصل بين بيتها والمدرسة، تصحو حلا الساعة السادسة من صبيحة كل يوم، تقبل جبين الوالدة وتتناول فطورها وتأخذ مصروفا كان قد اعتاد والدها تركه لها على طاولة المطبخ، تصنع لها أمها ضفيرتين سوداوين تتهدلان على جنبيها فوق لباسها الأزرق، وتنطلق إلى المدرسة التي تقول حلا "إنها حبها الأبدي"، برفقة براءة صاحبة الدرب والمعاناة.

لم تكن حلا تتخيل يوما ما أن مسار يومها ومخططها الذي لم تحد عنه يوما سيتغير بالطريقة التي آلت إليه الآن، تقول بصوتها الذي تملؤه شقاوات الطفولة "إسرائيل سلبت مني أكثر الأشياء حبا وقربا إلى قلبي، طوال ست سنوات لم يتغير جدولي اليومي، جاء شارون بوجهه القبيح، وقلبه رأسا على عقب، لن أسامحه ما حييت".

أخجل من علاماتي
تتابع حلا ونظرة تحد بادية على محياها "كنت أستمتع بقطع السهل يوميا إلى المدرسة، أما الآن فأضطر للوقوف أمام البوابة عدة ساعات أنتظر جنديا لا أعلم من أي البلدان هو، ليسرق مني حقي في الوصول إلى مدرستي في الوقت المحدد، فقد كنت أبدأ دوامي المدرسي وأجلس في مقعدي الساعة الثامنة، أما الآن فإني أصل يوميا ومنذ إقامة الجدار ببوابته الكبيرة تلك ليس قبل الساعة العاشرة وإن حالفني الحظ التاسعة، كان لهذا تأثير سلبي على تحصيلي الدراسي الذي لم يقل يوما عن 95% أما الآن فإنني أخجل أن ينظر والدي إلى علاماتي".

طفل فلسطيني خلف الجدار

طفولة معذبة
تتساءل حلا ببراءة الأطفال وتحديهم الذي خلق معهم مذ أول لحظة رأوا فيها النور على هذه الأرض "من سينقذ طفولتنا ومدرستنا من جدار شارون العنصري؟ هو يريد أن يحمي الإسرائيليين ولكن من سيحمينا نحن؟ من سيعوض لي دروسي التي ضاعت؟ كيف سأعود بالترتيب الأول على صفي"؟

حلا عندما سألناها عما تريد أن تصبح عندما تكبر، أجابت بثقة وعزيمة "سأكون محامية كبيرة ومشهورة لأدافع عن حقي وحقوق الأطفال الفلسطينيين التي ضاعت، سأجبر شارون على دفع الثمن".

"معكر المزاج"
أما عبد الرحمن (5 سنوات) من قرية مسحة القريبة من رام الله فله قصة مختلفة، كان واقفا بالقرب من واحدة من بوابات الجدار ينتظر حافلة الروضة لتقله كالعادة لينظم إلى أترابه في "روضة الحياة" عندما بادره أحد الجنود هناك بصفعة اهتزت لها جوانحه ارتطمت بوجنته الممتلئة المحمرة، أمسك الجندي بتلابيب عبد الرحمن ورفعه عاليا عن الأرض لتترنح رجلاه مدلاة في الهواء، وهو يصيح "ماما، ماما".

كانت تلك المرة الأخيرة التي خرج بها عبد الرحمن من المنزل وحده، دونما الإصرار على رفقة والده، أو أحد إخوانه.

تقول أمه عن سبب فعل الجندي لذلك "وقف عبد الرحمن عند البوابة، من سوء حظه أن الجندي كان معكر المزاج ذلك الصباح، فنحن نعيش تحت رحمة أمزجتهم، وقام بضربه، ومنذ ذاك الحين يأبى عبد الرحمن الذهاب إلى الروضة، أو الخروج من المنزل بمفرده، وقد أصبح دائم البكاء وتراوده أحلام وكوابيس مزعجة يوميا، بالإضافة إلى التبول الليلي بعد الحادثة".

الطريق أصبح أطول

هيا وحلا وعبد الرحمن
عبد الرحمن وحلا جانب من المعاناة النفسية التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون جراء إقامة الجدار العازل، أما هيا الطالبة الجامعية التي تدرس الصحافة في جامعة بيرزيت فلها قصة لا تختلف كثيرا عما يعانيه عبد الرحمن وحلا، فهما منعا من حق التعليم، لكنها إلى جانب ذلك حرمت من يدها.

تبدأ حكايتها من النهاية، فكل القصص تحكى من البداية إلا قصة الفلسطيني هي دائما تبدأ من النهاية، من المأساة، تنظر هيا إلى يدها التي طارت من على "جدار الأمن" الإسرائيلي تقول "كيف حصل هذا؟ لا أعلم، لكن كل ما أذكره أني حاولت عبور الجدار الذي يقف حائلا بيني وبين جامعتي ومحاضراتي، وأثناء مروري عبر فتحة منه، لا يكاد يمر منها إلا الجسم النحيل، رآني أحد الجنود، وصرخ توقفي توقفي، لكني لم أعر الأمر اهتماما فهي ليست المرة الأولى التي أفعل بها الأمر نفسه، فهي رحلة يومية أضطر لأن أخوض غمارها أنا والعديد من الطلاب".

تتابع محاولة سجن غصة في حلقها "تابعت المرور بذات التحدي، لكن كانت الرصاصة التي وجهها نحوي أسرع من حركتي في البعد عن مسارها فاستقرت في يدي، وبقيت أنزف أكثر من ساعة، منعوا سيارة الإسعاف من الوصول لنقلي، ما اضطر الأطباء في ما بعد لاتخاذ قرار بفصلها، وفصل أي أمل أو مجرد الحديث عن استقرار في المنطقة مع إقامة هذا الجدار النازي.
_______________
مؤسسة النجاح للصحافة-نابلس (خاص - الجزيرة نت)

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة