إدارة موارد العراق في ظل الاحتلال   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

عراقيات ينتظرن حصتهن من الطعام من مسجد الشيخ عبد القادر في بغداد (الصورة التقطت بعد ثلاثة أشهر من احتلال العراق)

محمد علي موسى المعموري

أتذكر قبل أكثر من سنتين عندما أرادت الأمم المتحدة من خلال برنامجها الإنمائي (undp) أن تضع لها دراسة عن الفقر في العراق، كان رد السلطات آنذاك بعد الكثير من الجدل أن ليس هناك مشكلة فقر في العراق فلماذا الدراسة أصلا؟

والحقيقة ببساطة هي أن السلطات في النظام السابق كانت صادقة في القول -كالعسل المغشوش- لأنه ليست هناك بيانات عن الفقر في العراق أصلا أو عن أي من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية فيه، وأن الذي يراه الرائي البسيط قد يكون مخادعا أو كاذبا.

فعندما كانت هناك دولة لم يكن هناك بالإمكان إعداد بيانات حقيقية قابلة للتحليل الاقتصادي أو لاتخاذ قرار، فكيف بنا الآن؟! إن عدم الشفافية في كل شيء هو الحقيقة السائدة حاليا، ولاسيما فيما يتعلق بإدارة موارد الدولة والأموال المخصصة لإعادة إعمار العراق.

واقع الاقتصاد العراقي الآن

معظم المرافق التي أعيد ترميمها بعد الحرب كانت لصالح شركات أمريكية حصرا وبمبالغ خيالية، وبرغم أن بعض الشركات المنفذة شركات عراقية فإنها لم تحصل إلا على نسبة ضئيلة من الأرباح
لقد أتت الحرب على كل شيء، فلم تدمر الحرب البنى التحتية فقط والتي يعنى بها رأس مال المجتمع مثل المدارس والمستشفيات والطرق والجسور والسدود والمحطات والمطارات، وإنما دمرت البنى الفوقية ويقصد بها التشريعات والأنظمة والقوانين والإطار الأكبر لها هو مؤسسات الدولة التي كانت تحكم عمل البنى التحتية.

والذي لم تدمره الحرب دمرته أياد خبيثة جاهلة لا تنتمي إلى هذا الوطن بأي صلة من خلال عمليات السلب والنهب والحرق والتهريب إلى خارج البلاد. لقد نزحت ثروة البلد التي حققها عبر عقود عديدة كلها إلى بعض البلدان المجاورة بمساعدة من تعاون معها من المنتفعين الجهلة والمتسللين عبر الحدود إلى العراق وبمباركة قوات الاحتلال.

من أين نبدأ؟
إن أكثر التحديات التي تواجه الاقتصاديين وصناع القرار في العراق لإعادة تنظيم الاقتصاد هي الخطوة الأولى أو خطوة البداية. فالتخلف ضارب بأطنابه في كل مكان، فهناك تخلف في القطاعات الرئيسية المختلفة كالقطاع الزراعي والصناعي وهناك تدمير في البنية التحتية نتيجة الحرب وما قبلها، واختلال في الإنتاج ومعدلات عالية من البطالة وتفاوت كبير في توزيع الدخول والثروات بين الأفراد والأقاليم على حد سواء، وانتشار الفقر بين أفراد المجتمع وتردي الحالة المعيشية للسكان والتدهور البيئي. وفوق ذلك غياب العناصر الرئيسية للسياسات الاقتصادية الكلية المتمثلة بالسياسات المالية والنقدية والتجارية وغيرها، نظرا لغياب كامل لدور الحكومة والبنك المركزي إضافة إلى عدم الثقة بالمستقبل.

من أين نبدأ؟ ومَن من هذه التحديات السالفة الذكر ذات أولوية؟ وكيف يمكن أن نحدد ما هو مهم وما هو أهم؟ وما هو مطلوب بشكل ملح؟ وكم هي الأموال المطلوبة؟ ومن الذي يقوم بكل تلك الأعمال؟ وما دور القطاع العام؟ وما دور القطاع الخاص؟ وما حجم الديون المطلوب من العراق الإيفاء بها؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تتطلب الإجابة عنها وبشكل دقيق. والأهم من ذلك كله.. من يدير اقتصاد العراق وله الحق في التصرف بموارده؟

في رأيي لابد أن نضع تحقيق الحاجات الأساسية في المقدمة أو بالأحرى سبل تحقيقها فالسكن حاجة أساسية وملحة، والعراق ربما لا يحتاج فقط إلى آلاف أو عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، بل ربما إلى مئات الآلاف من الوحدات السكنية لأن معظم الوحدات الموجودة الآن لا تلبي ما هو مطلوب منها في تحقيق عيشة كريمة لساكنيها.

وإذا كان هناك حجة لسلطات الائتلاف بعدم وجود مناخ مناسب للاستثمار يتمثل في الجانب الأمني، فإن هناك الكثير من المدن الآن في الشمال والوسط والجنوب على حد سواء تمثل فيها البطالة هاجسا مقلقا وأن تفعيل مثل هذه المشاريع يؤدي إلى تحقيق جانب أمني أكبر ويعمل على بروز مناطق استقطاب جديدة ربما تؤدي إلى تخفيف الضغط عن المدن الكبيرة مثل بغداد والموصل والبصرة. وأنا أعتقد أن ما تعمله القوات اليابانية في الجنوب وفي منطقة السماوة بالذات جدير بالاعتبار.

ولكن البناء وتحقيق الحاجات الأساسية يحتاج إلى الكثير من المستلزمات، وإن أحد المستلزمات الرئيسية للإنتاج هو توفير الطاقة الكهربائية، وبعد سنة من الاحتلال نجد أن الطاقة الكهربائية مازالت دون مستواها التي كانت عليه قبل الحرب بكثير، مع أن سنة واحدة تعد كافية لتحسين -ولا أقول لتبديل- الشبكة الكهربائية على دولة مثل الولايات المتحدة تمتلك الخبرة الكثيرة في هذا المجال، ولنا في تجربة حرب الخليج الثالثة أكبر دليل على إعادة معظم الطاقة الكهربائية بمجهود محلي فقط وبقدرات بسيطة في أسابيع قليلة.

والآن نسمع كثيرا أن العراق يحتاج إلى خمسة مليارات دولار وربما أكثر للسنوات الخمس القادمة لتحسين الشبكة الكهربائية، ولا أعرف ما هي كلفة الفرصة البديلة إذا ما تم استيراد هذه الخدمة من الخارج، ولاسيما نحن نعلم أن هناك مجموعة من دول الجوار ترتبط مع بعضها بشبكة كهربائية متكاملة. على أنني أعترف بأن أيدي الحقد طالت معظم الشبكة الكهربائية خلال الحرب ولم تسلم منها حتى أبراج الضغط العالي لنقل الكهرباء.


إذا كانت هناك حجة لسلطات الائتلاف بعدم وجود مناخ مناسب للاستثمار يتمثل في الجانب الأمني، فإن هناك الكثير من المدن في الشمال والوسط والجنوب تمثل فيها البطالة هاجسا مقلقا، وإن تفعيل مشاريع استثمارية يؤدي إلى تحقيق جانب أمني أكبر، ويعمل على بروز مناطق استقطاب جديدة ربما تؤدي إلى تخفيف الضغط عن المدن الكبيرة مثل بغداد والموصل والبصرة
من يدير أموال العراق؟

هذا السؤال يحتاج إلى جواب فعلا، فالكل يعلم أن من يدير العراق وليس أمواله فقط هي سلطة الائتلاف فقط، وأن المؤسسات والوزارات التي تم تشكيلها هي مجرد واجهات ليس لها سلطة اتخاذ القرار في الجانب المالي، ونحن نعرف أيضا أن من يمتلك المال لا يمتلك السلطة فقط بل يمتلك السطوة أيضا. وأسوق مثلا عن ذلك، إذ إن معظم المرافق التي تمت إعادة ترميمها بعد الحرب كانت لصالح شركات أميركية حصرا وبمبالغ خيالية. صحيح أن بعض الشركات المنفذة كانت شركات عراقية إلا أنها لم تحصل إلا على نسبة ضئيلة من الأرباح، وإلا كيف تفسر أن مرفقا أو بناية كلفة بنائها خمسة ملايين دولارات مثلا يتم ترميمها أو تصليحها فقط بعشرة ملايين دولار.

وحتى حملة إعادة ترميم المدارس التي أعلن عنها في بداية العام الدراسي الحالي، كانت للدعاية أكثر مما تكون تعبيرا عن إعادة إعمار حقيقية لأن إعادة إعمارها لم تتجاوز إعادة طلائها أو استبدال الزجاج المكسور وتوفير بعض المستلزمات البسيطة التي كان يتم توفيرها من قبل أولياء أمور الطلبة أنفسهم.

كم هي أموال العراق؟
أعتقد أن السؤال الملح الآن هو ليس من يدير أموال العراق وموارده؟ وإنما كم هي أموال العراق وما هي موارده؟ فهناك شائعات عن وجود كميات هائلة من الزئبق الأحمر في الجنوب تسيطر عليها قوات الاحتلال، وهناك كميات كبيرة من اليورانيوم في الشمال أصبحت عرضة للنهب منذ أن تراجع دور الحكومة المركزية في شمال العراق، إلى غير ذلك من الأقاويل. وإذا ما صح ذلك فإن خسارة العراق في خسارة موارده ستكون أكبر من خسارته لمورد النفط. ومن الجدير بالذكر أنه لم يتسن لأحد أن يعرف أموال العراق في الماضي، ولم يتسن لأحد أن يعرف ذلك الآن في ظل الاحتلال، وأخشى أن لن يتسنى لأحد أن يعرف ذلك مستقبلا. والفكرة ببساطة هي أننا إذا ما عرفنا الآن ما هو موجود من موارد وأموال، استطعنا أن نحاسب من يديرها كائنا من يكون على شرط أن يكون متخصصا في ذلك.

لا يشك أحد أن العراق يمتلك قوة عمل كبيرة مدربة ومؤهلة ومتعلمة، وله الكثير من رؤوس الأموال المادية والمالية وكذلك الموارد الاقتصادية، ولكنه يفتقر إلى المنظم الذي يدير الاقتصاد. ولكن هذا المنظم يحتاج إلى تحديد الإطار العام الذي يعمل فيه من التشريعات والأنظمة والقوانين وحد أدنى من المرتكزات المادية القادرة على تهيئة الظروف لتحقيق نمو اقتصادي ملائم. وفي ظل غياب مؤسسات حكومية وشعبية سيكون من الصعوبة جدا إدارة موارد العراق وأمواله، لكننا نستطيع ان نخلق ظروفا أفضل عندما تكون هناك شفافية في إدارة هذه الموارد يكون فيها المجتمع على بينة من الواقع المحيط به.

الاقتصاد العراقي.. إلى أين

لا يزال الناتج القومي للعراق والذي يقدر بحوالي 17 مليار دولار نتاج واردات النفط فقط، إضافة إلى ما يدره القطاع الزراعي فقط بعد توقف شبه مطلق للقطاع العام نتيجة للتقدير المباشر وغير المباشر في الحرب
إن الاقتصاد مجموعة من العناصر المتكاملة تكون السياسات الاقتصادية المختلفة الإطار العام لها، ولا عجب أن السياسة المالية مغيبة تماما لعدم وجود حكومة قادرة على تفعيلها، وفي أحسن الأحوال فإن السياسة المالية عرجاء لأنها تقف على ساق واحدة هي ساق النفقات ولم يتم تفعيل الجانب الآخر منها وهو جانب الإيرادات الذي تمثل فيه الضرائب جزءا مهما.. صحيح أن موارد النفط تمثل الحجم الأكبر من إيرادات الدولة، لكن ذلك يعد نقصا في أداء النظام الاقتصادي ولا يؤدي بالنتيجة إلى العدالة في توزيع الدخل والثروة، وهذا ما كان واضحا في ظل النظام السابق. وعندما أعلنت وزارة المالية عن ميزانية الدولة لعام 2004 والمقدرة بحوالي 13 مليار دولار تقريبا، كان الجزء الأكبر منها (12 مليار دولار تقريبا) اعتمد كنفقات جارية لتمويل الأجور والرواتب والتي ارتفعت كثيرا عما كانت عليه في السابق.

والحقيقة أن تخصيص معظم الميزانية لصالح النفقات الجارية كان رأي كثير من الاقتصاديين لأن معظم أو ربما جل موظفي القطاع العام والذين يمثلون الطبقة الوسطى من المجتمع هم من الطبقات الفقيرة لأنهم لم يحصلوا حتى على أجر حد الكفاف لمدة تزيد عن عشر سنوات، وأن السنة الأولى بعد الحرب يفترض أن تأخذ بنظر الاعتبار هذه الشريحة، ومن جانب آخر يكون تسرب الأموال إلى غير جهتها الصحيحة في حده الأدنى.

أما إذا نظرنا إلى السياسة النقدية نجد أن البنك المركزي اتخذ بعض الخطوات الإيجابية التي من شأنها تفعيل دوره في الاقتصاد العراقي ولاسيما في ما يتعلق بأسعار صرف العملة وتحفيز الاستثمار من خلال تحرير أسعار الفائدة.

كلفة الفرصة البديلة
ولكن المشكلة الحقيقية هي ما يتعلق بالسياسة التجارية -إذا كانت هناك سياسة تجارية فعلا- لأن فتح الحدود على مصراعيها لدخول الأشخاص والسلع أضر بمجتمع العراق واقتصاده على حد سواء، ولأول مرة تدخل السوق العراقية سلع ضارة مثل المخدرات وهذه تكاليفها الاجتماعية عالية جدا، فقد أضرت كثيرا بمجتمعات أخرى متقدمة ونخشى أن يكون دخول هذه الممنوعات منظما تعمل فيه جهات معادية للعرب والإسلام.

أما كلفة الفرصة الاقتصادية البديلة فهي عالية حتما إذ إن حجم السلع المختلفة -لاسيما المستعملة منه- والتي دخلت العراق، قد أضرت بالاقتصاد العراقي من خلال أثرها على توقف الإنتاج. فلا يزال الناتج القومي للعراق والذي يقدر بحوالي 17 مليار دولار هو نتاج واردات النفط فقط، إضافة إلى ما يدره القطاع الزراعي فقط بعد توقف شبه مطلق للقطاع العام نتيجة للتقدير المباشر وغير المباشر في الحرب.

العراق غني بموارده

إذا ما أنتج العراق بحدود ثلاثة ملايين برميل من النفط يوميا وبواقع 25 دولارا للبرميل فإن إيرادات النفط تعادل 75 مليون دولار يوميا أو 27 مليار دولار سنويا، وهذا المبلغ وحده كاف لإعادة إعمار العراق وتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية الشاملة
ينفرد العراق وحده عن سائر الدول العربية بأنه يجمع بين وفرة المياه ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة مع قلة نسبية في عدد السكان وموارد طائلة في الثروات الطبيعية وخاصة النفط وعدد كبير من الرجال والنساء المتعلمين. ورغم كل ذلك مازال الفقر يستشري بين أفراده ويزداد حدة وانتشارا، فأين يكمن الخلل إذن؟

إن العراق في ذلك يمثل حالة من التناقض الصارخ بين غنى البلاد وفقر السكان، وهذه مفارقة عجيبة بقيت تمثل واقع الحال منذ عقود. وقبل شهور من الآن عندما انعقد مؤتمر مدريد للدول المانحة استبشر بعض المتفائلين خيرا حينما قرر منح بضع عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات في إعادة إعمار العراق للسنوات الخمس القادمة، إلا أنهم وجدوا بعد ذلك أن هذا المؤتمر والقرارات التي صدرت عنه لم تعدُ كونها فيلما من أفلام هوليود لا يمت إلى الواقع بصلة، إذ تبين أن معظم هذه الأموال تعطى بشرط أن تكون ديونا على العراق، مع أن المتبقي من أموال مذكرة التفاهم يصل إلى 28 مليار دولار.

إننا نرى أن العراق غني بموارده وقادر على تمويل التنمية إذا ما توفرت الإدارة الواعية للاقتصاد وهو لا يحتاج إلى المساعدات الخارجية ما دامت تأتي بالشروط والاحتلال. ثم إننا من خلال عملية حسابية بسيطة نجد أنه إذا ما أنتج العراق بحدود ثلاثة ملايين برميل من النفط يوميا وبواقع 25 دولارا للبرميل الواحد فإن إيرادات النفط تعادل 75 مليون دولار يوميا أو 27 مليار دولار سنويا، وهذا المبلغ وحده كاف لإعادة إعمار العراق وتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية الشاملة. وربما يعترض بعض كتاب الاقتصاد على أن هذا المبلغ قد يكون أكبر من الطاقة الاستيعابية لاقتصاد مثل الاقتصاد العراقي.
______________________________________
أستاذ الاقتصاد الكلي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة