هل حقق الجدار الفاصل الأمن للاسرائيليين؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

إعداد/ نزار رمضان

طرأت تطورات وانعكاسات كثيرة على آلية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لا سيما على الصعيد الأمني والعسكري، فقد تحولت الانتفاضة الشعبية الي حرب استنزاف طويلة وقنابل بشرية موقوته، في الوقت الذي تحولت فيه العقلية الاسرائيلية، كما يرى المراقبون، إلي عقلية حربية عدوانية تقصف وتقتل وتبيد تحت حجة حماية أمنها، وكان الجدار االإسرائيلي العازل من بين تلك الآليات، حيث فصل مئات الالاف من الدونمات عن بعضها ما بين فلسطين التي احتلت عام 1948 والأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967..
وخلف العديد من المآسي خاصة في منطقتي الشمال الفلسطيني والقدس المحتلة.. ففي الشمال وخاصة في مدينتي قلقيلية وطولكرم قسم الجدار المدينة والقرى المجاورة إلي قسمين:
قسم تحت السيطرة الاسرائيلية الشاملة ولا يستطيع المواطن الفلسطيني دخوله إلا بتصريح عسكري من الإدارة المدنية الاسرائيلية وقسم داخل الضفة الغربية، الامر الذي عكر على الفلسطينيين حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية فعاشوا رحلة عذاب ومشقة يومية .
في منطقة القدس المحتلة وعلى وجه الخصوص في بلدة أبو ديس، قسمت البلدة الي قسمين، وحرم سكانها وسكان البلدات المجاورة من الوصول الي مدينة القدس المحتلة والصلاة في المسجد الاقصى المبارك.

اختلف المستوى السياسي والأمني في اسرائيل في نظرته تجاه الجدار الفاصل، فالبعض يراه سياسيا والبعض الاخر يرى مبرراته أمنية، والسؤال الذي يطرح على العسكريين والأمنيين في اسرائيل قبل السياسيين، هل استطاع الجدار الفاصل ان يحقق الامن للاسرائيليين رغم ارتفاعه وامتداد طوله وما يحيط به من ابراج عسكرية ورقابة دائمة؟ وهل حال هذا الحاجز بين الاستشهاديين والمواقع التي يريدون ان يصلوا اليها ويبحثون فيها عن الموت المشرف لهم كما يعتقدون.. انها اسئلة كثيرة تحتاج ان توضع فيها النقاط على الحروف امام هذه الاشكالية العنصرية التي اثارة الراي العام العالمي ووضعت اسرائيل في دائرة المسائلة .
المحلل العسكري الاسرائيلي (زئيف شيف) والكاتب في الشؤون الاستراتيجية بصحيفة (هآرتس) قال في حديث خاص للجزيرة نت: ان الجدار في البداية كان جدارا أمنيا ولكنه تحول الي جدار سياسي ، وهذا بدوره سبب الانتقادات الكبيرة لاسرائيل ، لكن الجدار ورغم انه سياسي الان سيبقى قائما مادام النزاع قائما .. واضاف شيف: حسب رأيي كخبير عسكري فان الجدار لن يمنع العمليات العسكرية ، لكنه حسن الوضع الامني.. ويمكن ان يحسنه مستقبلا اكثر.. ومن هنا فان النقاش الذي حصل في الكنيست وقراءة تقرير الشاباك حول الجدار كان يتحدث بان الجدار خفف العمليات العسكرية مقارنة مع عددها في السابق .
واشار زئيف شيف ان الجدار بلا شك يقيد حرية الفلسطينيين في دخول شخوصهم وسياراتهم وهذا يسبب لهم الضائقة والحرج ، مؤكدا ان الجدار سيستمر بسبب الوضع الامني الراهن ، وفرص ازالته بالنسبة للفلسطينيين ضعيفة الان ، لكن أي مفاوضات قادمة بين الاسرائيليين والفلسطينيين بمقدورها ان تحسن الوضع اذا تم الاتفاق بين الطرفين .
واضاف شيف ان هناك دولا كثيرة في العالم قامت ببناء جدر فاصلة ، كالجدار الذي اقيم بين امريكا والمكسيك لاسباب عديدة.
وقد اثار الجدار ضجة لدى اليمين الاسرائيلي الذي يؤمن بوحدانية اراضي الدولة العبرية ، ويعتبر عملية الفصل هذه بمثابة انهاء للمشروع الصهيوني الذي كان ينبغي ان يضم ولا يفصل.. فالكاتب والمحلل السياسي اليميني الاسرائيلي ( مارتن ياشوع ) الباحث في مركز ارئيل للدراسات السياسية يرى ان حكومة شارون اجرمت في حق الجمهور الاسرائيلي اليهودي الذي كان ينبغي ان يستفتى في امر الجدار قبل ان يتم ، مؤكدا ان شارون ببنائه للجدار كأنه يقول للفلسطينيين تلك دولتكم وهذه دولتنا .. وهذا بدوره يتقاطع مع افكارنا وايديولوجيتنا ، ومن هنا فان الجدار سيخدم الفلسطينيين ويمكنهم من استقلالية مواقفهم وقراراتهم في ظل بحبوحة الحدود المرسومة التي رسمها شارون لهم من خلال الجدار المسخ ؟!.
واضاف ياشوع ان الجدار ومن كان خلفه سيكون لعنة على حكومة شارون امام اجيال التوراة القادمة التي ترى ان من حقها العيش حيثما تريد في اراضي الدولة اليهودية دون قيود او شروط ، وما يقوم به شارون اليوم ، ان هو الا تحديد وتقييد لحرية مواطني الدولة اليهودية ، وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا.
لكن الكاتب والصحافي الاسرائيلي ( يهودا الليطاني ) يرى ان هذا الجدار هو جدار فصل عنصري ينبغي ان لا يكون بل يجب ان يزال لانه يشكل وصمة عار لاسرائيل امام الراي العام العالمي ، ويتسائل الليطاني قائلا : لست ادري لم الجدار واسرائيل قد قامت بعقد اتفاقيات دولية مع الفلسطينيين ، وغيرت من طبيعة الواقع على الارض ، والطرفان يبحثان عن حل دائم ومشترك يؤمن الحياة الكريمة للشعبين ، وهل سيحد هذا الجدار من العمليات العسكرية المناهضة للسلام ، ام انه سيؤجج نار الحرب والخلافات والاحقاد .. وطالب الليطاني العقلاء في اسرائيل العمل الجاد على ازالة الجدار وانهاء قضيته والعودة الي طاولة المفاوضات.
وهكذا يظهر التباين في مجتمع اثني تم تجميعه بليل من دول العالم ليشكل دولته على انقاض وانات وآهات شعب ضرب بجذوره وحضارته العربية الاسلامية جذور التاريخ .. لكن القاسم المشترك لكل وجهات النظر في اسرائيل هو الامن ، فالامن فقط هو الذي يوحدهم ويجمعهم ، ومن هنا كانت بداية الجدار أمنيه وتم حشد الراي العام لها في ظل ظروف عصيبة تعرضت لها اسرائيل جراء شدة وطئة العمليات العسكرية التي قام بها الاستشهاديون ولهذا كان انتزاع قرار بناء الجدار سهلا ومتناغما مع تلك الظروف ولم يبرز عندها بوضوح من هو معارض لهذا المشروع الامني او المؤيد له في الشارع الاسرائيلي.
الفلسطينيون بدورهم ومنذ ان نشأ الصراع وهم يبذلون اغلى ما يملكون من اجل تحرير ارضهم واعادة حقوقهم ، ولم يترددوا في ذلك بل قدموا مئات الالاف من الشهداء من اجل الدفاع عن القضية ، لكن يبدوا انهم خلال هذا التاريخ كانوا يجدفون عكس التيار ، فالانظمة العربية كانت تجذر ارضية لمفاوضات مع اسرائيل في بداية القرن الماضي في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يبحثون عن كرامة وهوية وسيادة لهم من خلال انتفاضاتهم المتعددة وثوراتهم المتصاعدة انطلاقا من ثورة القسام واضراب ال 1936م ومرورا بالثورة الفلسطينية المعاصرة والانتفاضة المباركة ووصولا الي ثورة المساجد وانتفاضة الاقصى ، وكذا الحال اليوم في مواجهة الجدار العنصري الفاصل الذي يرى فيه الفلسطينيون تحديا جديدا لارادتهم.. فبالبعض من قيادات المقاومة يرى ان الحق الفلسطيني ينبغي ان ينتزع انتزاعا دون استجداء ولهذا فان هذا الحق لن يعيق المطالبة به حدود او فواصل او جدر.. والمطالب به هو انسان وهب حياته لله ولهذا فانه يبحث عن الموتة الشريفه التي لن ولن يمنعه منها أي انسان كان .. هكذا قال المجاهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الناطق والمتحدث باسم حركة المقاومة الاسلامية حماس عندما وجهنا له سؤالا حول جدوى المقاومة والعمليات الجهادية في ظل فعاليات مواجهة الجدار .. مؤكدا ان المقاومة غير مرتبطة بزمن ولا مكان ، وان الذين يريدون ان يستثمروا المواقف السياسية كان الاجدر بهم ان يستثمروا نتاج العمليات الجهادية التي قدم شعبنا لها اعز وقود الا وهو دماء ابنائه الطاهرة الزكية.
واضاف الدكتور الرنتيسي ان مواجهة الجدار الفاصل تبدأ من خلال مواجهة الاحتلال الذي يسيطر على كل شيء ، فحكومة شارون تقتل صباح مساء الاطفال وتدمر المنازل وتجرف الاراضي ، وتحول حياة الفلسطينيين الي جحيم .. ينبغي ان تقاوم ، ومقاومتنا لها لن تكون مرتبطة ببرنامج سياسي ، ولا من اجل جدار فاصل وانما من اجل انهاء الاحتلال عن اراضينا ومقدساتنا ، فالمشكلة ليست مشكلة جدار او بقعة وانما هي مشكلة قضية وشعب ووطن ، ومن هنا فان المقاومة ستستمر في ظل فعاليات جدار او انعقاد محكمة لاهاي او غيرها فشعبنا يعمل ويقاوم على كافة الجبهات.
الشيخ عبد الله الشامي المتحدث باسم حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين اعتبر ايضا ان مسيرة الشعب الفلسطيني الجهادية لن تقتصر على جانب محدد من المقاومة ، مشيرا ان كافة الجوانب تخدم بعضها بعضا ، ولا يمكن للشعب الفلسطيني ان يقصر مقاومته على لون واحد ، مشيرا ان الرهان على محكمة لاهاي من اجل ازالة الجدار رهان خاطىء وفاشل فالشعب الفلسطيني انتظر طويلا الشرعية الدولية ومواقف مجلس الامن وقرارات الجمعية العامة ولم تستطع كل هذه المؤسسات ان تعيد له ارضه او كرامته ومن هنا وجب عليه ان يمارس كل حقوقه في المقاومة والجهاد من اجل استعادة حقوقه المغتصبة.
واضاف الشامي ان الجدار لن يخدم امن الدوالة العبرية بدليل استمرار العمليات الاستشهادية والجهادية رغم كل الاجراءات الامنية ، وحول التوقيت الزمني الملائم للعمليات الاستشهادية قال الشيخ الشامي : نحن لسنا جيوش نختار وقت العمليات كيفما نريد ، فالامكانات الامنية والفنية تفرض نفسها ، ولهذا يصعب ان توظف المقاومة بحسب اهواء السياسيين الذين يجلسون على المكاتب؟
لكن النائب المقدسي حاتم عبد القادر عضو المجلس التشريعي الفلسطيني واحد كوادر حركة فتح البارزين يرى بانه يجب على الفلسطينيين ان تكون مقاومتهم محسوبه على كل الصعد ومتناسقة ومتوائمة مع وجهات النظر السياسية للفلسطينيين ، مشيرا ان الفلسطينيين يسعون الي حشد راي عام عالمي للوقوف في وجه الجدار العنصري ، ولهذا ينبغي ان يكون هناك تناغم ما بين السلطة والمقاومة ، واعتبر عبد القادر ان العملية الاستشهادية الاخيرة لم تكن موفقة في توقيتها لانها لم تخدم الهدف السياسي الذي يرجوه شعبنا ، فلا بد من برمجة المقاومة كي تخدم الاهداف السياسية .
وقد اكد النائب عبد القادر على ضرورة العودة الي الحوار الوطني الفلسطيني من اجل التوصل الي هذا الفهم المشترك ، مشيرا ان الشارع الفلسطيني يعيش ازمة متفاقمه ، فالسلطة في ازمة والفصائل في ازمة والمفاوض الفلسطيني في ازمة ، ولهذا لا بد من الخروج من هذه الازمة بفهم مشترك يخدم الوطن والمواطن ... واضاف النائب عبد القادر ان الجدار العنصري هو جدار سياسي وليس امني ، فهو عملية سطو مسلح على الارض الفلسطينية ، والمياه الفلسطينية اضافة الي كونه مشروع عنصري يعرقل اقامة الدولة الفلسطينية ، وجعل الشعب الفلسطيني يعيش في كنتونات منعزله ومتفرقة.
وهكذا تتضح ابعاد المعادلة واشكالياتها السياسية حول جدار الفصل العنصري الذي ارادته اسرائيل امنيا وانتهى به المطاف ليكون جدار سياسيا، يضغط من خلاله على المفاوض الفلسطيني كي يقدم المزيد من التنازلات ، في الوقت الذي تصر فيه المقاومة الفلسطينية بشقيها الاسلامي والوطني ان المقاومة ليس لها حدود ولا زمن، وان الذي يبحث عن الموت لن يعيقه كل الجدر والحواجز الامنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة