مصطفى كمال أتاتورك   
الاثنين 22/10/1427 هـ - الموافق 13/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)

مؤسس تركيا الحديثة وبطلها القومي في أعين مريديه، وعدو الإسلام ومحطم الخلافة في أعين خصومه، تمكن في سنين قليلة من البروز كقائد عسكري ثم كزعيم سياسي، ألغى الخلافة العثمانية، وأسس مكانها تركيا المعاصرة التي أصبحت كما أراد دولة علمانية غربية الطابع والقوانين والهوى.

ولد مصطفى علي رضا عام 1881 بمدينة سالونيك اليونانية التي كانت تابعة آنذاك للدولة العثمانية وكان أبوه موظفا بسيطا، انخرط في البدء في مدرسة دينية تقليدية ثم دخل مدرسة حديثة فالمدرسة العسكرية العليا في عام 1893 وهو صبي صغير، وهناك لقبه أحد مدرسيه بكمال لنبوغه الدراسي فأصبح اسمه مصطفى كمال.

تخرج برتبة نقيب في العام 1905، ثم خاض حروبا عدة ضمن الجيش العثماني في ألبانيا وطرابلس وذلك قبل أن تشارك الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول المحور حيث برز نجم الضابط مصطفى كمال كقائد عسكري من طراز رفيع ليرقى إلى رتبة جنرال في عام 1916 وهو في الـ35 من عمره فقط.

قبل تلك الأحداث بسنوات وبعد تخرجه من المدرسة العسكرية مباشرة كان مصطفى كمال قد أنشأ خلال خدمته في دمشق خلية سرية أطلق عليها الوطن والحرية ضد ما يصفه مريدوه (استبداد السلطان العثماني)، وعلى الرغم من أنه لم يعرف لهذه المنظمة نشاط سياسي يذكر مثل جمعية الاتحاد والترقي، فإن التنظيمين ينطلقان من مبدأ واحد حتى قيل إن مصطفى كمال التحق فعلا بالجمعية الأخيرة بعد انكشاف أمر منظمته للسلطات.

وبغض النظر عن المرجعية السياسية للضابط الصاعد بقوة، فإن اسم مصطفى كمال عرف في إسطنبول واشتهر بعد ما حققه مع قواته في فلسطين وحلب وإنطاكيا خلال الحرب، لكن أهمية الجنرال مصطفى كمال تعاظمت بعد هذه الأحداث حينما انتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة بلاده واحتلال أجزاء واسعة منها من قبل جيوش الحلفاء، حينها قدر لهذا الضابط أن يمارس دور المحرر الذي كرسه بطلا قوميا في عموم الدولة العثمانية التي كانت لاتزال تستقطب عطف كثير من المسلمين.


تزعم مصطفى كمال ما سمي بحرب الاستقلال لتحرير الأناضول المحتل، وظهرت كاريزما الرجل بصورة واضحة حينما رفض أوامر السلطان بالتخلي عن الواجب والعودة إلى إسطنبول المحتلة من البريطانيين، فاستقال من الجيش ونظم منذ مايو/أيار عام 1919 قوات التحرير التي قاتلت اليونانيين والبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين تحت قيادته، حتى تمكن قبل نهاية صيف عام 1922 من طرد القوات المحتلة من بلاده.

أكسبت هذه الانتصارات الجنرال مصطفى كمال شهرة ملأت أفاق العالم الإسلامي الذي نظر إليه كبطل لاسيما وأنه استعان بالرموز الدينية وعلماء الدين في حشد الناس للقتال معه، وانهالت عليه برقيات التهاني من البلدان الإسلامية، وتنبه إليه الغرب وكتب عنه الإعلام هناك ما زاده شهرة وتأثيرا.

خلال معارك التحرير وتحديدا في ربيع عام 1920 أسس مصطفى كمال المجلس الوطني العظيم في أنقرة من ممثلي القوى الشعبية المشاركة في حرب التحرير ليتحول إلى حكومة موازية لسلطة الخليفة العثماني في إسطنبول، وفي عام 1921 أصدر المجلس ما سماه القانون الأساسي الذي تزامن صدوره مع إعلان النصر وتحرير الأراضي التركية في صيف عام 1922 وأعلن فيه مصطفى كمال إلغاء السلطنة.

في يوليو/تموز من عام 1923 وقعت حكومة مصطفى كمال معاهدة لوزان التي كرست قيادته لتركيا باعتراف دولي، فأعلن في 29 أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام ولادة الجمهورية التركية وألغى الخلافة، وأعلن رئيسا وجعل أنقرة عاصمة للدولة الجديدة بدلا من إسطنبول وبدأ سلسلة إجراءات استمرت بضع سنوات، غير من خلالها وجه تركيا بالكامل.
"

برز مصطفى كمال كضابط لامع في الجيش العثماني ثم قائد حرب التحرير لبلاده قبل أن يعلن قيام الجمهورية التركية ويلغي الخلافة

"

بدأ مصطفى كمال إجراءاته بتغيير أشكال الناس، حيث منع اعتمار الطربوش والعمامة وروج للباس الغربي، منع المدارس الدينية وألغى المحاكم الشرعية، أزال التكايا والأضرحة وألغى الألقاب المذهبية والدينية، وتبنى التقويم الدولي، كتب قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، وفي عام 1928 ألغى استخدام الحرف العربي في الكتابة وأمر باستخدام الحرف اللاتيني في محاولة لقطع ارتباط تركيا بالشرق والعالم الإسلامي.

تحولت تركيا خلال 15 عاما من حكم مصطفى كمال بشكل جوهري، ويذكر له الأتراك أنه أسس دولة قوية حديثة، لكن خصومه يشددون على أنه لم يكتف بإزالة آخر دول الخلافة الإسلامية لكنه حارب الدين والتدين من خلال النظام العلماني الذي شرعه في تركيا، بل إنه ربط تقدم البلاد وتطورها بالتخلي عن الهوية الإسلامية تاريخا وممارسة، ولذلك فالعلمانية الكمالية لم تكتف بفصل الدين عن الدولة لكنها سيطرت على الممارسة الدينية ومنعت كل مظاهر التدين بإجراءات قانونية تحميها مؤسسات الدولة وأبرزها الجيش.

توفي مصطفى كمال بعد مرضه في نوفمبر عام 1938، وبعد وفاته بخمسة أعوام، منحه البرلمان التركي لقب أتاتورك (أبو الأتراك) اعتزازا به وتخليدا له، وحتى اليوم ما زالت القواعد التي وضعها أتاتورك تحكم تركيا، لكن هذه القواعد ظلت موضع جدل داخلي معلن أو غير معلن لأنها مست التدين الذي يمثل جوهر روح المجتمع، كما أن هذه القواعد تعرضت للانتهاك أكثر من مرة، وهي اليوم تواجه تساؤلات جدية ببقائها مع انتشار التيار الإسلامي في تركيا.

بعد ستين عاما على وفاته وفي أكتوبر عام 1998 ألقت السلطات الأمنية التركية القبض على 14 شخصا وصفوا بالإسلاميين، وهم يحاولون القيام بعملية انتحارية لتفجير قبر أتاتورك في أنقرة خلال احتفالات تأسيس الجمهورية، وبينما قبع هؤلاء في السجن، ظل الكثيرون يجادلون فيما إن كان بالإمكان المحافظة على ميراث أتاتورك بمثل كفاءة المحافظة على قبره.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة