تطور العملية السياسية في العراق   
الخميس 1426/2/28 هـ - الموافق 7/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:48 (مكة المكرمة)، 9:48 (غرينتش)

بريمر ومجلس الحكم وعلاوي .. عناوين لعامين بعد الغزو

لقاء مكي

خلال عامين بعد الغزو الأميركي، شهد العراق بضع محطات سياسية كرست واقعا جديدا في هذه البلاد التي عاشت حكما مركزيا وشموليا طيلة عقود عدة.

كان تعيين الجنرال السابق جي غارنر حاكما إداريا للعراق أول خطوة اتخذتها واشنطن للبدء في عملية (إعادة تشكيل) البلاد بعد دخول بغداد، لكن غارنر استبدل بعد نحو شهر واحد بدبلوماسي سابق هو بول بريمر الذي استند في سلطاته إلى القرار 1483 وما منحه من صلاحيات واسعة لسلطة الاحتلال أو ما بات يعرف بسلطة الائتلاف المؤقتة.

"
شكل مجلس الحكم مقدمة للنمط السياسي الجديد للعراق وكرس هيمنة المحاصصة الطائفية والعرقية على العملية السياسية

"
تشكيل سلطة عراقية

اتخذ بريمر منذ تعيينه العديد من القرارات السياسية والاقتصادية الراديكالية الطابع منها حل الجيش العراقي، لكن إجراءاته ظلت بلا غطاء سياسي أو قانوني وإن توفر لها غطاء الشرعية الدولية من خلال قرار مجلس الأمن، فكان لابد من إيجاد تشكيل إداري محلي يكون غطاء سياسيا للقرارات الأميركية، ولذلك دعمت واشنطن إنشاء سلطة عراقية استشارية جرى اختيارها وفق محاصصة عرقية وطائفية استنادا إلى تقديرات خاصة بسلطة الاحتلال حول النسب السكانية، وهكذا وفي أواسط يوليو/تموز2003
جرى الإعلان عن تأسيس مجلس الحكم من خمسة عشر من قيادات المعارضة السابقة وبنظام رئاسة شهرية دورية بين أعضائه، ثم تفرع فيما بعد إلى مجلس وزراء، وظل المجلسان تحت الإشراف الرسمي للحاكم الأميركي.

وبغض النظر عن محدودية صلاحياته، فإن مجلس الحكم شكل بداية للشكل السياسي الجديد للعراق، فمن خلاله تعرف العراقيون على السياسيين الجدد الذين قضوا سنوات طويلة في المنفى خارج العراق، كما جرى من خلال التوزيع الطائفي لأعضائه الشروع في تكريس العرقية والطائفية السياسية التي كان محظورا تداولها في السابق رسميا واجتماعيا وإن كانت موجودة كواقع حال.

وضع الدستور المؤقت
في خريف عام 2003 صدر قرار مجلس الأمن 1511 الذي أكد سيادة العراق ووحدة أراضيه وأقر بأن مجلس الحكم يجسد سيادة العراق لكنه لم يذهب إلى حد الاعتراف به كسلطة شرعية عليا للبلاد، وكان مما تضمنه القرار الشروع في نقل السلطة من سلطة الائتلاف التي تمثل قوات الاحتلال إلى سلطة عراقية مؤلفة من مجلس وطني وحكومة مؤقتين في موعد أقصاه الثلاثين من يونيو/حزيران 2004.

وخلال عمله الذي استمر أقل من عام واحد عمل مجلس الحكم بالغطاء القانوني للقرارين 1483 و1511 اللذين أعطيا لسلطة الاحتلال صلاحيات إدارة البلاد، وكان يتوجب قبل الانتقال إلى مرحلة نقل السلطة إصدار دستور يكون المرجعية القانونية للحكومة المنتظرة بدلا عن الدستور السابق، وهكذا وفي مارس/آذار 2004 أصدر مجلس الحكم دستورا مؤقتا سمي بقانون الدولة للمرحلة الانتقالية الذي حدد المرجعية القانونية لحكومة المرحلة الانتقالية لحين إجراء الانتخابات وقيام الجمعية المنتخبة بوضع دستور دائم يخضع للاستفتاء الشعبي في أغسطس/آب 2005 قبل إجراء انتخابات عامة جديدة في نهاية العام نفسه، وقد كان إصدار هذا القانون وملحقه بعد ذلك بشهرين أبرز خطوة سياسية لمجلس الحكم، حيث أنه حدد إلى درجة كبيرة مسار العملية السياسية المستقبلية ووضع أسسا من الصعب تغييرها للعراق الجديد كما بات يوصف.

التوقيع على قانون الدولة للمرحلة الانتقالية
إقامة الحكومة المؤقتة
كانت أولى الخطوات اللاحقة تشكيل المجلس الوطني المؤقت الذي سيكون بمثابة (برلمان) الدولة، وجرى اختيار مائة شخص لعضوية المجلس بطريقة الانتخاب من خلال أسلوب 
المجمعات الانتخابية في محافظات العراق المختلفة، واعترض كثيرون على هذه الطريقة التي قالوا إنها لا تفرز ممثلين حقيقيين للشعب العراقي وإنها تعيد إلى الواجهة نفس القوى التي شاركت في مجلس الحكم وتهمش الآخرين، لكن قوى أخرى قالت إن طريقة المجمعات الانتخابية هي الأفضل في ظل الظروف القائمة آنذاك وإنها أفضل من لا شيء فضلا عن أن هذا المجلس مؤقت وعمره لن يتعدى الشهور السبعة حتى إجراء الانتخابات العامة في العراق في نهاية يناير/كانون الثاني 2005.

لم ينته السجال عند طريقة اختيار أعضاء المجلس الوطني لكن الأمر شمل أيضا اختيار رئيس الدولة ورئيس الوزراء، فقد نشب خلاف علني داخل مجلس الحكم بين مرشحين لرئاسة الدولة هما السيد عدنان الباجه جي والسيد غازي عجيل الياور، وفي النهاية فاز الياور بالمنصب، بينما اختارت واشنطن السيد إياد علاوي لرئاسة الحكومة من غير أن يظهر له منافس آخر لا سيما بعد أن كان من وصف بأنه أقرب حلفاء أميركا في بغداد السيد أحمد الجلبي قد تعرض لانتقادات حادة من إدارة بوش بسبب ما قيل إنه نصائح ومعلومات كاذبة قدمها لواشنطن كي تمضي قدما في خيار الحرب ضد نظام صدام حسين.

إجراء الانتخابات العامة
تسلم الياور وعلاوي السلطة رسميا في الثامن والعشرين من يوليو/حزيران 2004 من السفير بريمر الذي غادر العراق في اليوم نفسه عائدا إلى بلاده، وبدأ علاوي في اليوم الثاني ممارسة مهامه في حكومة جرى توزيع حقائبها بنفس أسلوب مجلس الحكم على أسس طائفية وعرقية، بينما تولت سفارة أميركية هي الأكبر في العالم المهام السابقة لبريمر بدعم من نحو مائة وأربعين ألف جندي أميركي وآلاف من قوات بلدان أخرى تغير وصفهم منذ ذلك التاريخ إلى القوات المتعددة الجنسيات.

شهدت ولاية علاوي رغم قصرها أحداثا كثيرة حيث تفاقم الوضع الأمني، وثار جدل حاد حول الانتخابات العامة بين رافض لها في ظل الاحتلال ومطالب بإجرائها في موعدها وطرف ثالث سعى إلى تأجيلها، لكن حكومة علاوي حققت تقدما في مجال العلاقات الإقليمية والدولية، وانسحب ذلك على الجانب الاقتصادي الذي شهد بداية شطب وتخفيض الديون العراقية الضخمة، وشهدت الفترة ذاتها تسابق الأحزاب والقوى السياسية في البلاد استعدادا للانتخابات التي جرت بالفعل في الثلاثين من يناير/كانون الثاني 2005 وعدت نجاحا للحكومة المؤقتة، لتفرز واقعا سياسيا جديدا في ظل تمركز الهيمنة على الجمعية الوطنية في عدد محدود من القوى مقابل تلاشي قوى أخرى ومقاطعة قوى ثالثة تمتلك تأثيرا شعبيا مهما وإن ظلت خارج البرلمان.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة