توطين الفلسطينيين في الرؤية الإسرائيلية   
الأربعاء 1428/12/24 هـ - الموافق 2/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:07 (مكة المكرمة)، 13:07 (غرينتش)
 
 

ثمة انشغال واسع النطاق في إسرائيل، وتحديدا منذ أن تجددت اللقاءات بين رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس نهاية العام 2006، بماهية الاتفاق المنشود إسرائيليا على الحل الدائم.

وفي صلبه ثلاث مسائل جوهرية في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي الحدود والقدس واللاجئون.

وتتواتر في هذا الشأن المواقف ومقالات الرأي والبرامج المختلفة، خصوصا عقب انعقاد مؤتمر أنابوليس للسلام أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2007.
 

بينما تتباين مواقف الأحزاب والمسؤولين والمحللين في إسرائيل بشأن مسألتي الحدود الدائمة ومستقبل مدينة القدس، فإنها تجمع على رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الذي هجروا منه عنوة، تطبيقا لحق العودة، وذلك في موازاة الإجماع على أن الحل الأوحد لقضية هؤلاء اللاجئين يكمن في التوطين.
"
حل قضية اللاجئين يتم بواسطة عودة قسم منهم إلى الدولة الفلسطينية، التي ستقر حدودها الدائمة على أساس خطوط سنة 1967 مع تعديلات متبادلة، وتعويض القسم الآخر وتوطينه في دول مختلفة بحسب قوانين كل دولة

أوري سافير
 
وربما يكون موقف رئيس مركز بيرس للسلام أوري سافير، الذي تولى رئاسة الوفد الإسرائيلي في مفاوضات أوسلو ومنصب المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، هو أحدث التعبيرات المستجدة عن هذا الإجماع إلى لحظة كتابة هذه السطور، من الطرف اليساري للخارطة السياسية الإسرائيلية.

فقد كتب سافير في صحيفة يديعوت أحرونوت في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2007 مؤكدا أن الإسرائيليين باتوا يعرفون منذ الآن بصورة عملية كيف سيبدو الاتفاق الدائم.

وشدد على أن حل قضية اللاجئين يتم بواسطة عودة قسم منهم إلى الدولة الفلسطينية، التي قال إن حدودها الدائمة ستقر على أساس خطوط سنة 1967 مع تعديلات متبادلة، وتعويض القسم الآخر وتوطينه في دول مختلفة بحسب قوانين كل دولة، مضيفا "وهو ما سيخولنا ممارسة حق النقض ضد دخول سكان فلسطينيين إلى إسرائيل".



أما على صعيد مواقف الأحزاب الإسرائيلية، فإن ما يسمى "المبادرة الإسرائيلية"، التي عرضها رئيس حزب الاتحاد الوطني المفدال وعضو الكنيست الحالي بيني ألون في أكتوبر/تشرين الأول 2007 باعتبارها خطة إسرائيلية للسلام وتأهيلا اللاجئين الفلسطينيين، هي أحدث ما تفتقت عنه الذهنية الإسرائيلية المؤسساتية من أفكار بشأن التوطين.

وتتمركز هذه المبادرة حول الدعوة إلى الابتعاد عن الحلول السياسية بذريعة البحث عن حلول إنسانية. وتبعا لذلك فقد ورد فيها تحت عنوان "حل إنساني لقضية اللاجئين" ما يلي:

  • من الضروري أن يكون حل قضية اللاجئين مكونا جوهريا في أي تسوية. وعلى إسرائيل بذل جهدها لحل قضية لاجئي 1948 نهائيا ومطالبة المجتمع الدولي بالمشاركة في ذلك.
  • يتوجب بدء الحل بتفكيك الأونروا التي تخلد قضية اللاجئين، ومواصلة خطة تعويض سخية لكل اللاجئين الفلسطينيين الذين سيمكنون من التحول إلى مواطنين في دول مستعدة لاستيعاب المهاجرين.
وأضاف أن تلك الأمور هي رغبة أغلبية اللاجئين الفلسطينيين، كما يظهر من استطلاعات رأي موثوقة أجريت في المدة الأخيرة وسط الفلسطينيين.

والواقع الجديد في الشرق الأوسط الذي سوف تحل فيه قضية اللاجئين سيكون في مصلحة العالم العربي أيضا.
وسيتم تفكيك المخيمات بشكل مرحلي، ويرفع التهديد والعار الناجم عن وجودها.

وبالتالي سيكون هناك على سبيل المثال مشروع تأهيل سخي يمكن مليونا من اللاجئين المكتظين في طنجرة الضغط الغزاوية من أن يصبحوا هدية نفيسة للمجتمع الفلسطيني والعالم أجمع.

"
الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل سوف تتمكن، إلى جانب دول النفط العربية، من التمويل المباشر للتأهيل الكامل والسخي لكل لاجئي عام 1948، بحيث يتم استيعابهم في دول يسرّها استيعاب المهاجرين

بيني ألون
من سيدفع؟

وجوابا على سؤال من سيدفع؟ أجابت المبادرة ضمنيا بأن مليارات الدولارات تنفق سنويا على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وهذه المبالغ هي دولارات أميركية تخصص لسباق التسلح الإقليمي.

ومبالغ طائلة تحول من أوروبا للحسابات البنكية التابعة للسلطة الفلسطينية. وهناك مبالغ هائلة من المال الإسرائيلي الذي ينفق على إقامة الجدار وتنفيذ الانفصال وتقوية أبو مازن.

وتضيف المبادرة أن الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل سوف تتمكن إلى جانب دول النفط العربية من التمويل المباشر للتأهيل الكامل والسخي لكل لاجئي عام 1948، بحيث يتم استيعابهم في دول يسرّها استيعاب المهاجرين، مع أموال تمكنهم من العيش الكريم وبداية جديدة مليئة بالأمل.

وهذان النموذجان، اليساري واليميني، من المواقف الإسرائيلية المتداولة في البورصة السياسية يشفان عن الرؤية الإسرائيلية الحقيقية للحل الدائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وعمادها إخضاع هذا الحل للغايات والمصالح الصهيونية السياسية.

دعم أكاديمي للمواقف السياسية

ويسهم في دفع هذه الرؤية قدما جيش من الأكاديميين والمستشرقين ورجال الأعمال.

وعلى سبيل المثال كتب المستشرق البروفيسور يوسف غينات نائب رئيس كلية نتانيا الأكاديمية في صحيفة معاريف يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2007، أنه في الوقت الذي لا تبدو فيه مشكلة الحرم القدسي صعبة للحل في نظره إذا ما اتبع الطرفان المسار الصحيح، فإن مشكلة اللاجئين تبقى الموضوع الأكثر صعوبة، مضيفا أن دراسة الجانب الثقافي وأنماط السلوك العربية توجد حلا للمشكلة.

وأضاف غينات أنه بعد حرب الأيام الستة سنة 1967 أجرى بضع جولات ولقاءات في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك زار بعد حرب لبنان الأولى صيف 1982 مخيمات اللاجئين التي كانت تحت سيطرة إسرائيل، ومخيمات اللاجئين في الأردن بعد التوقيع على اتفاق السلام في العام 1994، وأدرك من المحادثة مع اللاجئين وبالأساس مع ذريتهم أن الكثير من أبناء المخيمات تزوجوا من الضواحي المجاورة.

ورغم أن الدول العربية شجعت اللاجئين على البقاء في المخيمات من أجل تكريس كونهم لاجئين، فإن الواقع أدى إلى إيجاد علاقات اقتصادية واجتماعية بين سكان المخيمات والمناطق المجاورة. وأضاف أنه يوجد حاليا حتى سنة 2007، جيل ثالث وطلائع جيل رابع من الذين تزوجوا خارج الإطار العائلي وخارج مخيمات اللاجئين.

وزعم أن ما لا يقل عن 70% من سكان المخيمات حاليا غير مستعدين استعدادا عمليا لمغادرة بيوتهم أو قطع صلاتهم مع ذريتهم الذين تزوجوا من أبناء المدن والقرى المجاورة للمخيمات، والعودة إلى مساكنهم الأصلية قبل عام 1948.

"
ما لا يقل عن 70% من سكان المخيمات حاليا غير مستعدين استعدادا عمليا لمغادرة بيوتهم أو قطع صلاتهم مع ذريتهم الذين تزوجوا من أبناء المدن والقرى المجاورة للمخيمات، والعودة إلى مساكنهم الأصلية قبل عام 1948

البروفيسور يوسف غينات
واستشهد باستطلاع أجراه قبل عامين الباحث الفلسطيني خليل الشقاقي، وهو نفسه لاجئ، في جميع مخيمات اللاجئين، بما فيها تلك التي لم يكن في وسع غينات نفسه الوصول إليها في سوريا ولبنان.

وتوصل إلى نتيجة مماثلة، وهي أن نحو 75% من سكان المخيمات غير مستعدين لمغادرة بيوتهم مرة أخرى والعودة إلى الأماكن التي اضطر أجدادهم إلى مغادرتها إثر نكبة 1948.

وبعد أن تساءل الكاتب عن الحل العملي لمشكلة اللاجئين، سرعان ما أجاب بأنه في ما يخص اللاجئين يجب ترميم المخيمات، وهدم جميع المباني الرثة، وإقامة أحياء عصرية، وإشراك اللاجئين في إقامة بيوتهم.

إضافة إلى بناء مدارس للأطفال مع تجهيزات تكنولوجية وحواسيب وملاعب، وإقامة مصانع تكون مصادر للعمل. وعلى جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بمن في ذلك إسرائيل، إبداء التعاون وحل مشكلة اللاجئين مرة واحدة وإلى الأبد.
 
مع أن ما بات يعرف باسم قضية اليهود العرب تنطوي على بعد مهم يتعلق بإشكالية بناء الذاكرة القومية الإسرائيلية وصراع الهوية اليهودية في إسرائيل، فإنه يجري تجييرها لمصلحة تزكية الحل القائم على التوطين.

وآية ذلك أن اليهودي المصري رئيس الغرفة التجارية والصناعية الإسرائيلية المصرية ألبرت بابوشدو انبرى حديثا لجعل هذه القضية تتصدر جدول الأعمال المتعلق بمسألة اللاجئين.

"
700 ألف  فلسطيني اضطروا إلى مغادرة بيوتهم عام 1948، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكننا ننسى ونقلل من أهمية حادثة تاريخية أخرى لا تقل رعبا في تلك المرحلة، حيث اضطر مليون ونصف يهودي من مواطني الدول العربية إلى مغادرة بيوتهم
"
ألبرت بابوشدو
وكتب أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين قد وجدت حلا عمليا إبان نشوئها. وأوضح كيفية ذلك بأنه وإن كان صحيحا أن 700 ألف فلسطيني اضطروا إلى مغادرة بيوتهم عام 1948، وهذا أمر لا خلاف عليه، فإننا ننسى ونقلل من أهمية حادثة تاريخية أخرى لا تقل رعبا في تلك المرحلة، حيث اضطر مليون ونصف يهودي من مواطني الدول العربية إلى مغادرة بيوتهم.

وأنا واحد من هؤلاء اللاجئين، وقد أحببت بيتي في مصر لا أقل مما أحب اللاجئ الفلسطيني بيته في يافا.

لقد حلت المشكلة من خلال تبادل السكان وتبادل المعاناة، فاللاجئون الفلسطينيون عانوا الأمرين ونحن عانينا. وحان الوقت لإغلاق ملف الماضي والنظر إلى المستقبل.

وفي رأيه لا يجوز إعادة العجلة إلى الوراء، أي لا ينبغي إعادة اللاجئين إلى أماكنهم وصنع مشاكل جديدة أكبر من المشاكل القديمة بكثير. ويجب أن يبقى اللاجئون اليهود والفلسطينيون في أماكن إقاماتهم، مع دفع تعويضات لهم وتمكينهم من فتح صفحة جديدة في حياتهم ونسيان الماضي.

ونشير إلى أن المؤسسة الإسرائيلية عملت في سنوات مبكرة على إضفاء قدر من الشرعية على ممارسات الترحيل سنة 1948 بادعاء أن اليهود في الدول العربية كانوا ضحايا ممارسات ترحيل مماثلة.

وقد تأسست لهذا الغرض في العام 1975 منظمة خاصة أطلقت على نفسها اسم ووجاك، ونشطت حتى العام 1999.

وقد أسسها الزعيم اليهودي العراقي مردخاي بن بورات، وهو عضو كنيست ووزير إسرائيلي سابق من حزب "مباي" ولاحقًا من حزب رافي الذي أسسه سوية دافيد بن غوريون بعد انشقاقه عن مباي مع شخصيات جماهيرية من وزنه الثقيل من يهود المغرب وتونس وسوريا والعراق.

وقد ترأس بن بورات هذه المنظمة إلى جانب المليونير اليهودي العراقي ليئون تمان من لندن.

ويشير أحد الباحثين الإسرائيليين إلى أن إنجاز منظمة ووجاك الأبرز في أعوام عملها المذكورة تمثل في صوغ ثلاث نظريات سياسية كبيرة الأهمية بالنسبة لإسرائيل وأيديولوجيتها الصهيونية.

إذ ادعت النظرية الأولى أقدمية الكيان اليهودي، قوميةً ودينا، في منطقة الشرق الأوسط.

وأكدت النظرية الثانية أن تبادلا سكانيا بين لاجئين عرب ولاجئين يهود في الشرق الأوسط قد حصل فعلا ويمكن الاستفادة منه في أي وقت.

وأقرت النظرية الثالثة بأنه في أعقاب تبادل السكان المذكور يمكن تبني الادعاء في الوقت الراهن بشأن الموازنة أو التعويض في الأملاك بين اللاجئين العرب واليهود.

ولأهميتها قال الباحث نفسه إن هذه النظريات التي صيغت في أواسط السبعينيات، كسبت مفعولا مضاعفا عقب اتفاق السلام مع مصر، وبدء النقاش حول اللاجئين الفلسطينيين.

وعلى أساسها، وهذا ما اعتقده أعضاء إدارة المنظمة، في وسع إسرائيل أن تدعي من جهة الحقوق الشرعية لليهود في أرض إسرائيل (أقدمية الكيان اليهودي)، وأن ترفض من جهة أخرى المطلب الفلسطيني بحق العودة (تبادل السكان تم حقا)، وكذلك أن ترفض من جهة ثالثة المطلب بالتعويض عن الأملاك الفلسطينية التي صادرها القيم العام لدولة إسرائيل (موازنة الأملاك).
 






 
لعل الأمر الأهم من كل التفصيلات الواردة أعلاه، هو الدلالة التي تكمن فيها والتي من شأنها أن تحيل إلى واقع أن جميع الدعوات والمبادرات والذرائع بشأن التوطين مشدودة برباط وثيق إلى جذر أساسي واحد هو رفض حق العودة.

وقد سبق ليوسي بيلين، أحد أبرز رموز اليسار الصهيوني المؤيد للتسوية النهائية مع الشعب الفلسطيني، أن طالب في العام 2002 بأن تنتقل المفاوضات السياسية بين الطرفين من التمحور حول حق العودة إلى التمحور حول مشكلة اللاجئين.

ولا يخفى على أحد أن الهدف من وراء مطالبة بيلين سياسي أولا وقبل أي شيء، ويعكس الإصرار الإسرائيلي على رفض الاعتراف بأن للفلسطينيين حقا في وطنهم الذي اغتصب ولا يزال يغتصب.
_______________
متخصص في الشأن الإسرائيلي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة