ملامح المستقبل الكوبي بعد كاسترو   
الأحد 1427/8/3 هـ - الموافق 27/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:56 (مكة المكرمة)، 10:56 (غرينتش)
حديث هامس بين فيدل كاسترو وأخيه راؤول
 
 
سيموت الزعيم الكوبي فيدل كاسترو ابن الثمانين إن لم يكن اليوم فغدا، لكن موت الزعيم لا يعني أن تحولات جوهرية في هذه الجزيرة ستحدث على الفور، حيث إن قراءة متأنية في شخصية ومواقف راؤول كاسترو الأخ الأصغر لفيدل ونائب مجلس الدولة الذي يحق له قانونا أن يخلف الرئيس أثناء غيابه لمرض أو وفاة، تدل على أن الأوضاع السياسية في كوبا لن يحدث لها تغييرات درامية على نحو ما يأمله الكثيرون ممن عادوا كوبا الثورية.
 
من سيخلف كاسترو؟
فراؤول لا يصغر أخاه إلا بخمس سنوات أي أنه من المتوقع أن يبقى في الحكم بعد وفاة فيدل كاسترو على الأقل نحو عشر سنوات، وهي فترة ليست بقليلة خاصة مع تسارع التغيرات في أميركا اللاتينية والعالم.

وإذا كان الرجل قد اختفى خلف أخيه طيلة أربعة عقود من الزمن بحيث لم يعرف عنه الكثير فإن ذلك قد سمح له بأن يكون بعيدا عن كل الأخطاء والمآخذ التي التصقت بفيدل، كما سيسمح له هذا الابتعاد بالإقدام على خطوات كان من الصعب أو من غير المناسب للأخ الأكبر أن يقدم عليها.

كذلك فإن الشائع عن راؤول أنه أكثر تشددا وأسبق شيوعية بشهادة فيدل الذي قال لمؤيديه بعد ثلاثة أسابيع من تقلده السلطة عام 1959 "سأترك ورائي من هو أكثر مني تطرفا"، وذلك بعدما أشرف قبل أشهر على إعدام ثمانين من جنود باتيستا، وفي عام 1962 أصبح وزيرا للدفاع ونائبا لرئيس الوزراء فقاد المظاهرة الشهيرة أمام السفارة الأميركية متهما واشنطن بأنها وكر للجواسيس.  غير أن متابعة سيرة الرجل تدل على أن تشدده –كما هي حال رجال الدولة الكبار– هو الوجه الآخر لمرونة سياسية واقتصادية من ذلك النوع الذي أشرنا إليه سابقا.
 

"
متابعة سيرة راؤول كاسترو تدل على أن تشدده –كما هي حال رجال الدولة الكبار– هو الوجه الآخر لمرونة سياسية واقتصادية مطلوبة للمرحلة القادمة
"

فخلال زيارته للاتحاد السوفياتي في يوليو/تموز 1962 تلقى راؤول وعدا بالحصول على صواريخ سوفياتية، وهذا التطور قاد إلى أزمة الصواريخ الأميركية السوفياتية المعروفة في أكتوبر/تشرين الأول 1962 التي كادت تنزلق بالعالم إلى حافة حرب نووية. إلا أن راؤول قام بتحركات استرضائية تجاه الولايات المتحدة. وفي عام 1964 قال إنه يرغب في إجراء مباحثات مع الأميركيين "حتى ولو كانت على القمر". وفي قضية الطفل إليان غونزالس برهن على قدرة دبلوماسية حيث كان له دور كبير خلال المعركة القضائية التي دامت سبعة أشهر لإعادة الطفل إلى وطنه من فلوريدا عام 2000.
 
وبصفته قائدا للقوات المسلحة كان راؤول ضالعا بعمق في التدخل العسكري لكوبا في إثيوبيا وأنغولا في السبعينيات، لكنه من جهة ثانية وجّه جهود المؤسسة العسكرية الناجحة في وقت السلم للمساعدة في إنقاذ اقتصاد كوبا عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.
 
كما أظهر مرونة على الجبهة الاقتصادية، وبصفته وزيرا للدفاع أشرف على بعض أهم التجارب الكوبية في مجال إصلاحات السوق المحدودة، حيث أنتجت الوحدات العسكرية وباعت المواد الغذائية في الأسواق الحرة، وأدارت شركة سياحة هامة هي غافيوتا 1991. كما أبدى راؤول اهتمامه بالنموذج الصيني في اشتراكية المشاريع التجارية الحرة خلال زيارته للصين في نوفمبر/تشرين الثاني 1997. ويرى بعض المحللين أنه حال توليه الرئاسة سيوجه كوبا ناحية نظام الاقتصاد الصيني وسيكون أكثر استعدادا لتسوية الخلافات والانفتاح.
 
وحتى قوله خلال مقابلة نادرة مع التلفزيون الرسمي في بداية عام 2001 تحدث فيها بصراحة غير عادية عن وفاة أخيه المحتملة وحث الولايات المتحدة على التصالح مع كوبا وكاسترو مازال حيا "أنا واحد من أولئك الذين يعتقدون أنه من مصلحة السلطة الإمبريالية أن تحاول -رغم الخلافات العميقة معها- تطبيع العلاقات بقدر الإمكان أثناء حياة فيدل". واستطرد فيما بعد قائلا "سيصبح الأمر أكثر صعوبة"، ملمحا إلى أنه سيكون أصعب في التعامل معه. وهذا الكلام مما يحسب في باب المناورة الدبلوماسية الذكية أيضا، التي تستبق التصريحات الأميركية التي تهدد ضمنا بمنع عملية الانتقال وربما مهاجمة الجزيرة.

في ظلال أجواء أميركا اللاتينية
غير أن جزيرة السيجار والسكر لا تقع على القمر وهي جزء من أميركا اللاتينية بالدرجة الأولى ومن ثم من العالم. ففي أميركا اللاتينية تتجه الأمور كلها لصالح الموقف الكوبي خاصة إذا اتسم بإصلاحات جريئة، حيث إن معظم دول هذا الجزء من القارة محكوم الآن بأنظمة معادية لأميركا وصلت كلها عبر عمليات ديمقراطية لا غبار عليها، ما يعكس حالة شعبية من جهة وينزع من يد واشنطن ورقة التباكي على الديمقراطية ومسؤولية نشرها. ولا بد أن يكون على راؤول اتخاذ خطوات تنسجم مع الحالة العامة هذه.
 
من جهة أخرى يبدو أن محور تركيز الولايات المتحدة قد انتقل الآن من كوبا إلى فنزويلا حيث ولد نجم الابن الروحي لفيدل كاسترو، هوغو شافيز الذي يلتقي مع راؤول في اتجاهاته الصينية الإسبانية، ما يطرح التساؤل حول تنبؤ هنتنغتون بأن نهاية الولايات المتحدة كإمبراطورية بل ربما تفكيكها سيأتي من أميركا الجنوبية، وأن تأجيج العداء مع الإسلام هو الضمانة الوحيدة لتماسك الهوية الأميركية في مواجهة الخطر القادم من الجنوب.

المستقبل بين كاسترو وشافيز
"
ملامح المرحلة المقبلة تشير إلى أن كوبا مقبلة على إصلاحات سياسية أكثر ديمقراطية واقتصاية أكثر ليبرالية، وتحالفات أميركية شمالية تمد يدا إلى الصين وأخرى إلى أوروبا وربما من جديد إلى روسيا
"
هنتنغتون حدد الهوية حسب المحافظين الجدد بثلاثة محددات: العرق الأبيض، المذهب البروتستانتي، والثقافة الأنغلوساكسونية. وعليه فإن الجنوببيين السمر الكاثوليك اللاتينيي الثقافة هم النقيض القريب. لكن هل يكفي ذلك لتأجيج الصراع الذي بدأ من كوبا ولم يتوقف حتى رأينا مؤخرا تداعي الأنظمة الموالية لواشنطن وصعود التيارات المعادية لها إلى السلطة بلدا إثر آخر؟ الجواب بالطبع: لا، فهناك الثقافة دون شك، ولكن هناك قبلها المصالح الاقتصادية والهيمنة السياسية، حيث إن الولايات المتحدة تغذت منذ نشوئها على دماء جيرانها، كما تعتبر هذه المنطقة الجنوبية مداها الجيوستراتيجي الذي  تصر على أن يظل تابعا لها.

وإذا كان كاسترو قد مثل رمز المواجهة في الحقبة الممتدة منذ الستينيات فإن شافيز هو رمز المرحلة الحالية لأسباب تتعدى شخصية الرجلين -على ما لهذا الجانب من أهمية- إلى طبيعة البلدين وطبيعة المرحلة، فكوبا هي الموقع الجيوستراتيجي في مرحلة المواجهة الإستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي، في حين أن فنزويلا هي خزان النفط الذي يورد 15% من حاجات الولايات المتحدة الأميركية في عصر اقتصاد السوق وأحادية الهيمنة الأميركية القائمة عليه.
 
من هنا يمكن اختصار الخطوط العامة لملامح المستقبل الكوبي في: توجه لتمتين العلاقات مع الصين، وإصلاحات سياسية أكثر ديمقراطية واقتصاية أكثر ليبرالية، وتحالفات أميركية شمالية تمد يدا إلى الصين وأخرى إلى أوروبا وربما من جديد إلى روسيا.

لكن ذلك كله لن يمنع واشنطن المحافظين الجدد من استغلال اللحظة، وها هو وزير تجارتها كارلوس غويتيريز يصرح "لقد حانت ساعة الانتقال إلى تغييرات ديمقراطية مع انتقال السلطة"، في حين أعلنت "لجنة العمل لأجل كوبا حرة" التي ترأسها كوندوليزا رايس "أنه يجب العمل بكل الوسائل كي لا تنجح إستراتيجية انتقال السلطة في كوبا"، ويعود بوش ليؤكد أن "هذا يبرهن على أننا نعمل بحيوية لأجل هذا الهدف ولن نرتاح إلا إذا تحقق"، فيما تقول وزارة الخارجية إن الخطة تتضمن بنودا يجب أن تظل سرية لأسباب أمنية ولضمان نجاحها.

هذه التصريحات أوردها بيان وقعه ووزعه أكثر من 650 كاتبا ومفكرا وسياسيا أميركيا وأوروبيا بينهم العديد من حملة نوبل، اختتموه بالقول "ليس من الصعب أبدا تخيل ماهية هذه المساعدة وهذه الخطة في ضوء عقلية التدخل العسكري التي تسود الإدارة الأميركية الحالية وفي ضوء ما حصل في العراق، وإزاء هذا التهديد المتنامي لسيادة أمة بل أميركا اللاتينية كلها والعالم، نطالب الولايات المتحدة بالالتزام باحترام سيادة كوبا، وعلينا بأي ثمن أن نمنع عدوانا جديدا".
_______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة