البنية الاجتماعية الموريتانية   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

حياة البادية في موريتانيا

إعداد: عبد الله ولد محمد أتفاغ المختار

شكلت موريتانيا، منذ نشأتها، جسرا تاريخيا بين عالمين فصلتهما الجغرافيا السياسية ونوايا الدول الاستعمارية. وتمت الهجرات العربية والبربرية إلى هذه الربوع على مراحل، فكان الامتزاج بين القبائل والمجموعات الأفريقية المحلية والمجاورة سببا في تشكل بنية سكانية منحت من تاريخ المنطقة كلها، كل مقومات الترافد الثقافي.

موريتانيا.. العرب والأفارقة
محددات البنية الاجتماعية
المكونات العرقية
القبيلة والدولة الحديثة

موريتانيا.. العرب والأفارقة

أصبحت موريتانيا الحالية معروفة بتعايش اللونين الأبيض والأسود مع ما يعنيه ذلك من تثاقف كان الإسلام أبرز مكوناته، وكانت الثقافة العربية الإسلامية تعززها الذهنية الدينية أهم عوامل الصهر، لكن مع وصول المستعمر كانت بذور الفرقة قد حصلت وإن لم تصل يوما إلى قطيعة حقيقية، وإن كان بعض الدارسين يعتبر هذا المكون (التمازج العربي الأفريقي) أساس التنوع وليس الاختلاف، فإنها تؤشر نوعا ما إلى بنية مجتمعية ليست صلبة النسيج بما فيه الكفاية. فالتمثلات المحلية للأسلمة لم تقض مطلقا على الذهنية السائدة في ترسيخ التراتبية في المجتمع التقليدي.

كما ظلت البداوة راسخة في السلوك والعقليات حتى بعد ظهور الدولة وتحديث بنى الإنتاج، فنرى الخيام حاضرة في المدينة داخل الدور، وأحيانا داخل القصور وفي مواسم الانتخابات كما نشهد هذه الأيام؛ إذ نجد مئات المخيمات منصوبة في الشوارع الرئيسة وفي الساحات العامة كوسيلة للدعاية للمرشحين لرئاسيات نهاية هذا الأسبوع. وهذه الظاهرة تلخص مدى الحضور القوي لذهنية البداوة وعدم قدرة المجتمع على التخلص من مخلفات المجتمع الرعوي. ولا يعني ذلك بالضرورة أن التحديث لم يشمل العديد من جوانب الحياة المجتمعية.

ولإضاءة الخلفية الاجتماعية والتاريخية، سوف نتناول المكونات العرقية في المجتمع بل المجموعات المحلية التقليدية مع التأكيد على أن هذه البنى لا تزال فاعلة بقوة، وخاصة في السياسة وفي الممارسات الاجتماعية، كالزواج والعمل وغيرهما من المناشط العامة.

محددات البنية الاجتماعية

ونشير ابتداء إلى أن مفهوم المجتمع التقليدي نعني به كل الممارسات والتمثلات التي تحكم حياة الشرائح الاجتماعية، عربية كانت أو بربرية أو في المجتمع الزنجي بكل مكوناته. كما أشير من جهة ثانية إلى أن بنية المجتمع الموريتاني قائمة على عناصر أربعة لا يمكن فهم المجتمع وقراءة تاريخه إلا من خلالها، وأي قراءة لا تركز على هذه الأسس ستكون تعسفية ومجانبة للصواب. وهذه الأسس هي: البداوة والقبيلة والعروبة والإسلام.

البداوة:
و
هنا لا تعني استغلال وسائل الإنتاج الرعوية كامتهان تربية المواشي وممارسة الزراعة (خاصة في منطقة النهر) وإنما تعني أكثر من ذلك ديناميكية اجتماعية تنمو بنمو الأفراد وتتشرب منها عقلياتهم وتكون بالتالي مرجعا ذهنيا فعالا.

القبيلة:
وهي إطار "مؤسسي" يلعب أدوارا مختلفة في حياة الناس ويحدد ولاءاتهم وقيمهم ودورهم الاجتماعي وأحيانا السياسي وهو ما نلمسه بقوة في الانتخابات والتحالفات السياسية التي نعيش هذه الأيام حمى مراحلها المتقدمة في أفق استحقاق السابع من هذا الشهر الذي سينتخب بموجبه رئيس جديد للبلاد.

العروبة:
وتعني إضافة إلى المفهوم العرقي، انزياحا اجتماعيا آخر له قيمه وأطره الذهنية وحتى إيديولوجيته الخاصة.

منارة مسجد شنقيط

الإسلام أو الأسلمة:
فهو خلفية المشهد الذي يفترض أن يكون جامعا وموحدا رغم التنوع في التقاليد الثقافية واللسانية في المجتمع الموريتاني، وإن كانت الاجتهادات أحيانا تهدد إطلاقية الإطار الإسلامي من خلال تنامي أسلموية جديدة ترفع شعارية تخصصية غايتها التحديد في الفهم والمنهج وتدعو إلى قراءة جديدة تجاوزية للفهم التقليدي للنص والممارسة.

ومرجعية هؤلاء الفكرية تستند إلى حركات إسلامية مشرقية، وفي الاتجاه الآخر تظل الحركة الصوفية فاعلة على مستوى الفهم الشعبي للدين، ويبرز على الساحة اتجاهان أساسيان هما الطريقة التيجانية التي تمتد إلى الجوار الإفريقي بقوة، والطريقة القادرية التي تنامت في أجزاء كبيرة من البلاد، وتفرعت إلى زوايا مختلفة امتدت إلى الشمال حتى وصلت جنوب المغرب، والجزائر خاصة الطريقة الفاضلية.

مع الإشارة إلى طرق أخرى أقل شيوعا جغرافيا دون أن يعني ذلك أن تأثيرها النفسي والديني محدود في المكان.

أما الفهم الرسمي للإسلام فهو أكثر إطلاقية ويرتبط بالأيديولوجيا أكثر من ارتباطه بالممارسة، وقد بدا ذلك واضحا في الأحداث الأخيرة التي شنت على أثرها الأوساط الرسمية حملة ضد ما وصفته "بالإرهاب الفكري" مبرزة تمسكها بالمذهب المالكي وبالأشعرية كمرجع عقدي، وقد وصل بها الأمر إلى مراجعة بنى التدريس الديني فأغلقت بعض المعاهد التي وصفتها بأنها "لا تخدم الإسلام" واعتقلت بعض قيادات هذا التيار الدعوي الذي صنفته بأنه مرتبط بالخارج.

ورغم أن الأمر ظاهر لا يعدو –حسب بعض المثقفين- كونه فصلا من الأجندة العالمية في مراجعة حركات الإسلام السياسي فإنه يعني مع ذلك أن الدين الإسلامي مكون أساس في فهم وضبط المجتمع برمته، وبالتالي فإن "الاتجاه الرسمي" يرفض التنازل عن دوره في حفظ مرجعية الدولة الإسلامية ضد التيارات والأهواء المختلفة.

المكونات العرقية

إذا كان للمكونات السابقة الذكر دورها المؤثر في الحراك الاجتماعي، فإن البنية التقليدية للأعراق نفسها ذات تأثير كبير. ونعني بها مكونتي العروبية والأفريقانية، وباختصار فالعروبة هنا ذات بعد ثقافي أكثر في العرقية، لذلك فالمجتمع العربي قائم على تقسيم فئوي يمكن تبسيطه إلى الآتي، وللإشارة فإن التراتبية التالية ليست عمودية بقدر ما هي تقسيمية:

المحاربون:
أو العرب هكذا يسمون وقد كانوا يمثلون شوكة الحرب، فهم حملة السلاح وقد خاضوا حروبا طاحنة فيما بينهم وللسيطرة على الفئات الأخرى، وقد شكلوا بعد حرب فاصلة ضد الزوايا وفي مراحل مختلفة ما سمي آنذاك بالإمارات، ودخلت فيما بينها حروبا كثيرة. وأغلب قبائل المحاربين يطلق عليها بنو حسان أو القبائل الحسانية، ويشار إلى أن تسمية اللهجة العربية التي يتكلمها الموريتانيون باللهجة الحسانية تعود إلى أن هذه القبائل جاءت بها إلى موريتانيا أثناء هجراتها نحو هذه الربوع منذ القرن الهجري الثامن. وفي الماضي أسست القبائل الحسانية 4 إمارات كانت تسيطر على البلاد قبل قدوم المستعمر وهي إمارة الترارزة وإمارة البراكنة وإمارة أولاد يحيى بن عثمان وإمارة أولاد امبارك.

المحاضر في موريتانيا

الزوايا
وهم حملة القلم وسدنة العلوم وقد اصطدموا بالمحاربين في حروب مختلفة كان أبرزها "حرب شرببه" في الجنوب الغربي الموريتاني التي قلبت كفة الصراع لصالح المحاربين. ويذكر بعض المؤرخين أن أصول أغلب قبائل الزوايا تعود إلى المجتمع الصنهاجي الذي تأسست في إطاره دولة المرابطين. وقد ظهر المحظرة الموريتانية في مجتمع الزوايا، والمحظرة هي تلك المدرسة البدوية الجامعة التي يتعلم فيها أبناء المجتمع الموريتاني علوم الشريعة الإسلامية واللغة العربية تحت الخيام في الحل وعلى ظهور الإبل في الترحال فيتخرج منها الفقهاء والأدباء.

ثم هناك فئات أخرى كانت تتولى الجانب المهني في حياة المجتمع وتعاني من الاستغلال والغبن، كفئة العبيد والصناع التقليديين والفنانين و"اللحمة" وهم فئة ترتبط مصيريا بالفئتين الأوليين لكنها مصنفة في آخر السلم الاجتماعي. وهذا التقسيم الوظيفي لمجتمع العرب أو (البيضان) لم يعد كما كان رغم أنه لا يزال كامنا في اللاشعور الجمعي كقيم للتصنيف.

الزنوج الأفارقة:
وهم غير الناطقين باللهجة الحسانية أي الهالبولار والسونونكي، والوولوف، ودون الدخول في تفصيلات تعريفية نقول إن هذه المكونات الإثنية تخضع للتقسيمات نفسها التي يعرفها مجتمع البيضان مع فروق معينة، وينقسمون إجمالا إلى:

1- النبلاء:
ويتشكلون عامة من الذين يدرسون العلوم الشرعية (التورودو) والمحاربين (التجيدو) وينسلون عادة من شجرة عائلية موحدة في المكان كقرية أو منطقة خاصة ويمتهنون مهنا مرتبطة بحياتهم كالصيد على ضفاف النهر أو رعي الماشية خاصة قبيلة (الفلان).
ويتميز السوننكي بصلابة القيم الاجتماعية بخصوص الزواج والسيادة العشيرية.

2- العبيد:
وهم فئة تم التغلب عليها في مراحل تاريخية معينة ودجنت، وأصبحت مكبلة بنمط من مواضعات المجتمع التقليدي. وإلى عهد قريب كانت تعاني كغيرها من أرضية السلم الاجتماعي من تمييز قوي حتى ما بعد الموت حيث يدفنون في مقابر خاصة غير مقابر الأسياد. وهي عادة متأصلة أكثر لدى فئة السوننكي، وفي المجتمع الزنجي الموريتاني لا تزال عادات ما قبل الإسلام تفعل فعلها كبقايا الممارسات الوثنية.

3- فئة الحرفيين: وهم الصناع التقليديون والفنانون وغيرهم ممن يمتهن مهنا غير تلك التي يمارسها الأشراف، وتعد المهنة في المجتمع الزنجي عامل تفريق للفئات على خلاف مجتمع البيظان.

القبيلة والدولة الحديثة

وجوه موريتانية سمراء من وراء الخيام

ولا يزال لهذه القيم التقليدية في المجتمع تأثيرها في حياة الناس حتى بعد عصرنة الدولة وإقامة المؤسسات ولكن بصورة أقل؛ فعندما جاءت الإدارة كان لا بد من صعود مجموعات من القاع الاجتماعي لقيادة الشأن العام، كما هو الشأن اليوم.

ثم جاءت سلسلة من القوانين واللوائح التنظيمية لتشريع بعض الأدوار والوظائف الاجتماعية وقضت بقوة القانون على ممارسات بعينها، مثل العبودية التي لا تزال آثارها الاجتماعية والاقتصادية واضحة للعيان. فرغم تحريم الرق منتصف القرن الماضي وإلغائه نهائيا سنة 1981 وأخيرا التجريم القانوني لمرتكب هذه الممارسة في يوليو/ تموز الماضي لا يزال "الحراطين" أو العبيد السابقون وعبيد الفئات الزنجية يعانون من آثار قرون من الإفقار والامتهان، مما جعل موضوع الرق ورقة في يد المعارضين للنظام الحالي، كمنظمة إنقاذ العبيد المحظورة، وجماعات المعارضة في الخارج، حيث تشن من وقت لآخر حملات لتشويه صورة النظام باستغلال قضية الرق، وغيرهما من المنظمات الحقوقية الدولية التي تتعاطف في تقاريرها مع هذه الفئة في البلاد.

ومنذ دخول مؤسسات (إبروتون وودز) إلى البلاد والتخطيط لسياسات التقويم الهيكلي للاقتصاد وإصلاح الإدارة، برزت المسألة الاجتماعية على السطح، وظهرت آثار الإصلاح على الفئة الثالثة من المجتمع رغم ما قامت به السلطات من مشاريع وتدخلات لتخفيف آثار ذلك على هذه الفئات الفقيرة، وكان آخرها إنشاء هيئة وزارية لمحاربة الفقر ودمج الفئات من العاطلين عن العمل ممن يحملون شهادات أو خبرات مهنية.

كل ذلك أدى إلى رجة في منظومة القيم، فلم تعد مصفوفة القيم كما كانت، وأدى الانفتاح الاقتصادي إلى صعود أغنياء من الفئة الثالثة، ثم جاءت التعددية في بداية التسعينيات لتفتح المجال أمام مناضلين من هذه الفئات ليصبحوا رؤساء أحزاب، يصنعون أو يؤثرون في الحدث اليومي.

وإذا نظرنا إلى المشهد السياسي الحالي في موريتانيا سنجد خريطة مغايرة تماما لقيم المجتمع التقليدي، إذ نجد رئاسة الوزراء اليوم لدى أحد "الحراطين"، أو العبيد السابقين، ورئاسة مجلس الشيوخ لدى سياسي من فئة في آخر سلم المجتمع الزنجي، مما يجعلنا نخلص إلى القول إن قيم العصرنة والظروف الاقتصادية والاجتماعية قد قضت على جزء مهم من قيم متوارثة في المجتمع التقليدي، غير أننا لا نجزم بأنها ستذهب كليا أدراج التاريخ ما لم تحدث قطيعة كاملة مع الماضي، الشيء الذي أثبت التاريخ استحالته دون ثورات اجتماعية وسياسية كبيرة.
_______________
كاتب وصحفي موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة