الاتحاد الأفريقي سيحل الأزمة إذا أعطي مجالا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

سعيا إلى مزيد من الاطلاع تطورات أزمة دارفور فور وللوقوف على أبعاد الحكومة السودانية أجرت الجزير نت الحوار التالي مع إبراهيم محمد عضو وفد الحكومة السودانية المفاوض والناطق الرسمي باسم هذا الوفد.

السيد إبراهيم: تعرف جولات مفاوضات أبوجا بنيجيريا مدا وجزرا فما أبرز العقبات التي تواجهها المفاوضات في الوقت الراهن؟

السيد إبراهيم محمد إبراهيم: أهم العقبات تتشكل في ارتداد الفريق المفاوض، فحركتا التمرد (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة) أظهرتا في المفاوضات اليوم (9 سبتمبر/أيلول 2004) نكوصا وتراجعا عما وصلنا إليه جميعا من تطور وتقدم خاصة في المحور الأمني الذي ظل خلال الأيام الخمسة الماضية محور تفاوضنا.
ولنوضح لكم سير العمل التفاوضي فالسكرتاريا وكذلك رئاسة المفاوضات تقوم باسلوب عملي محدد خلال مفاوضاتنا وهو أنها تخرج عقب كل حوار بيننا بصياغة مسودة تجمع نقاط الاتفاق وتقترح حلولا وسطا نابعة من الجو التفاوضي. وهذا النهج أوصلنا إلى مراحل متقدمة في المحور الإنساني من الأزمة وكذلك في المحور الأمني الذي اتبعت فيه نفس الطريقة.
والواقع أن السكرتاريا المشرفة على التفاوض قدمت أمس (8 سبتمبر/أيلول 2004) المسودة الثالثة وأعطت فرصة لكل طرف أن ينظر فيها. ونحن على مستوى الوفد الحكومة رأينا أن نسبة 80% من هذه المسودة يشكل حلولا مقبولة للناحية الأمنية، مع إمكانية إجراء بعض اللمسات الخفيفة عليها إلا أنها لمسات لا تمس الجوهر، فهنالك 80% من المسودة صالح أن يكون ارضية للقبول وبالتالي سيدفع بالتفاوض نحو الأمام.
والغريب أنه في الوقت الذي تم عرض هذه المسودة، وفي اليوم الموالي، قام وفد الحركتين بارتداد نحو الوراء داعيا إلى نفس المطالب القديمة ومكررا نفس الأساليب التي كان قد تم تجاوزها وهي: اتهام الحكومة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والقيام بممارسات غير إنسانية في إقليم دارفور. وطالب الوفد المتمرد بتدخل قوات دولية في الإقليم وبنزع سلاح الجنجويد الذي لم ينزع منه شيء حسب دعواهم، كما طالبوا بمنع تحليق الطيران السودان لا فرق بين العسكري منه والمدني في أجواء الإقليم، كما طالبوا خلال هذا التصعيد بسحب القوات النظامية والشرطة من الإقليم فضلا عن مطالبتهم بلجنة دولية موسعة للتحقيق في الوضع الإنساني والأمني. ونحن نرى أن الحركتين بهذا الموقف تصعدان بشكل غير مبرر جو التفاوض وتردنا إلى الوراء وتهدر كلما تم بناؤه خلال الأسابيع الماضية وتحولان بالتالي دون توقيع اتفاقية بينها وبين الحكومة.
وقد اقترحت السكرتاريا المشرفة على العملية التفاضية تتبع المسودة فقرة فقرة وإبراز نقاط الالتقاء والاتفاق لكي يتسنى لها إعادة صياغتها من جديد.

كيف تفسرون ما اسميتموه بالتصعيد المفاجئ من طرف الجانب الآخر المتفاوض معكم؟

السيد إبراهيم محمد إبراهيم: أعتقد أن هنالك إشارات من هنا وهناك تحاول حركتي التمرد وبشكل خاطئ الاتفاف حولها والتناغم معها وهي أن مجلس الأمم يقوم الآن بإعداد قرار حول الأزمة بدارفور وقد قدمت وزير خارجية أميركا كولن باول مسودة في غاية التحامل على حكومة السودان أمام مجلس الشيوخ، وقد عودتنا الولايات المتحدة على معاداة السودان وهذا غير مستغرب عندنا. لكن هذا ليس مبررا لكسر مسار التفاوض بيننا وبين الإخوة في التمرد. وأنتم تتذكرون انسحابهم أي انسحاب وفد الحركتين المفاوض الأيام الماضية لمدة 24 ساعة والذي جاء متزامنا مع اجتماع التجمع الوطني الديمقراطي المعارض بأسمرا بأريتريا. فهنالك إشارات تأتي من هنا وهناك وتقوم حركتا التمرد بقراءة خاطئة لها وتتفاعل معها بشكل يؤثر سلبا على المفاوضات ويضح عقبات في سبيل تطويرها بشكل إيجابي.

الملف الإنساني والأمني منه بشكل خاص هو محور المفاوضات هذه الأيام فما هو تقويمكم للوضع الأمني في إقليم دارفور في الوقت الحالي؟

السيد إبراهيم محمد إبراهيم: في اعتقادي أن الحكومة السودانية بذلت في الأسابيع الماضية جهودا كبيرة ولا شك أنها ما زالت في البداية وهي بحاجة إلى مزيد من تدعيمها وتعميمها. ولكن هنالك نقطتان لا خلاف في أن الحكومة نجحت في توطيدهما وقد أثرا بشكل إيجابي على الوضع الإنساني عموما وعلى الوضع الأمني بشكل خاص وهما: توزيع عدد كبير من عناصر الشرطة لاستتباب الأمن والحفاظ على النظام في إقليم دارفور، فضلا عن تزويد المواطنين ومخيمات النازحين بالغذاء والدواء. وقد ذكر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى دارفور يان برونك أن هنالك تحسنا في هذين الجانبين وإن كان على الحكومة أن تفعل أكثر. فهذا أمر مشجع ولجنة التحقيق اطلعت عليه وعلى تطوره وتحسنه.

لكن هنالك تركيز على نزع سلاح الجنجويد من طرف الحركتين المعارضتين ومن طرف الولايات المتحدة وغيرها، فهم يربطون بين تحقيق الأمن في دارفور ونزع سلاح هذه المليشيا.

السيد إبراهيم محمد إبراهيم: نعم، هم يطالبوننا بتجريد الجنجويد من السلاح ونحن موافقون على هذا المطلب أصلا لأننا أولا وبشكل مبدئي مطالبون كحكومة بتوفير الأمن وبسطه على جميع التراب السوداني وهذا يعني أننا كحكومة لن نقبل بأي مساس بأمن المواطن السوداني أين كان ولن نألو جهدا في سبيل توفير الأمن على كافة التارب الوطني وفي دارفور بشكل خاص. لكن ينبغي أن أبين لكم أن مليشيا الجنجويد ليست محددة وليست معروفة الأماكن. ونحن بذلنا جهودا كبيرة في سبيل تجريدهم من السلاح وما زلنا مواصلين في ذلك. والأساسي عندنا هم عودة النازحين إلى أماكنهم وتوفير الشروط الأمنية لهم ونحن نبذل في ذلك المزيد من الطاقات. وأعود وأكرر إن الجنجويد ليسوا قبيلة محددة ومعروفة حتى يسهل ضبطهم والتعامل معهم. فهم مجموعة من الأفراد لا يجمع بينهم إلا كونهم خارجين عن القانون. طبعا هنالك تنظيمات مسلحة مثل تلك التي أنشأتها بعض القبائل وتعرف بـ"قوات الحماية" فهذه يسهل تجريدها من السلاح بالرجوع إلى القبائل التي تنضوي تحتها والحكومة ساعية في سبيل ذلك. ونحن ساعون وجادون في تجريد مليشيا الجنجويد من السلاح ولو كان ذلك يتطلب وقتا لكننا سنصل بحول الله إلى الوفاء بالتزامنا بتحقيق الأمن في إقليم دارفور.
وأعود إلى سؤالكم عن تقويمنا للوضع الأمني والإنساني فالحكومة قد عينت لجنة لتقصي الحقائق بشأن الاوضاع في دارفور برئاسة القاضي دفع الله الحاج يوسف وعضوية عدد من القانونيين والخبراء المستقلين للتحقيق بشأن ارتكاب الجرائم في إقليم دارفور وتقديم كل من ثبتت إدانته للمحاكمة. وأنا أعتقد في نزاهة وفي جديتها هذه اللجنة وهي تباشر عملها الآن بشكل منتظم ومتواصل. كما أن وزارة العدل شكلت لجنة تضم قانونيات وطبيبات واجتماعيات للتحقيق في شأن ما أشيع من اغتصابات جماعية بإقليم دارفور. وقد تبين حتى الآن من تقارير هذه اللجنة أنه لم تحدث اغتصابات جماعية بل هنالك حالات فردية تحدث في أي بلد في السودان وفي غير السودان، وليس هنالك ما يدل على وجود أي نوع من الاغتصابات الجماعية. فما تشيعه حركتا التمرد، فضلا عن كونه غير صحيح، ففيه إساءة للمرأة السودانية المسلمة ذات التقاليد الأخلاقية العريقة.

ما هو تصوركم لحل أزمة دارفور في ظل هذا الاهتمام الإقليمي والضغط الدولي؟

السيد إبراهيم محمد إبراهيم: أولا لا بد من الإشارة أمر مهم وهو أن السودان عاش مشكلة في الجنوب وصراعا مريرا استمر أكثر من نصف قرن ومات فيها أكثر من مليوني شخص ونزح أكثر من ثلث سكان الجنوب نحو مناطق أخرى بتأثير تلك الأزمة، ومع كل هذا لم تطرح قضية الجنوب على الأمم المتحدة ولم يصدر بشأنها مجلس الأمن قرارا. فلماذا هذه الهرولة نحو تدويل الأزمة من طرف المتمردين؟ نحن نعتقد أن مجلس الأمن تسرع في تناول قضية دارفور، فبعد أن طالب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان حكومة السودان بتحسين الأوضاع الإنسانية والأمنية في الإقليم في أجل 90 يوما نجده وبدون أي مبرر أو سبب يجعل الأجل شهرا. وأمريكا قدمت اليوم (9 سبتمبر/أيلول 2004) مسودة على لسان وزير خارجيتها أمام مجلس الشيوخ غير متوازنة وفيها تحامل شديد على الحكومة السودانية وحديث عن التطهير العرقي واتهام الحكومة بتهم ملفقة عن الإبادة الجماعية. وكما نرفض هذه الظلم فإننا نرفض بشكل مبدئي أي تدويل لمشكل دارفور، ونرى أن مساعي الاتحاد الأفريقي إذا أعطي لها المجال والوقت كفيلة بحل الأزمة. فعلينا وعلى الإخوة في حركتي التمرد أن نبذل كل ما من شأنه أن يقرب وجهات النظر. وأنا على يقين أننا سنصل إلى حل، فنحن قد قدمنا تنازلات عديدة ومستعدون لتقديم أكثر ولكن في إطار احترام سيادة السودان ووحدته وفي إطار التعاون مع الاتحاد الأفريقي الذي يقوم بدور متميز في إطار حل الأزمة. وعلى الأمم المتحدة والأطراف الدولية إعطاءه الوقت الكافي والوقوف معه في مسعاه وتقوية آليات عمله.
وأنا أومن بأن إقليم دارفور ركيزة أساسية من ركائز السودان والحضور الدارفوري في تاريخ السودان أمر معروف. فالقيادات الدارفورية كانت فاعلة في الثورة المهدية في القرن التاسع عشر وفي استقلال السودان وأهل دارفور يقول عن أنفسهم "نحن أصل السودان". فهذه عناصر تجعلني متفائلا بشأن التوصل إلى حل لهذه الأزمة حل يرضي سائر الأطراف حل في إطار وحدة السودان التي هي شأن مقدس عند الجميع.

الجزيرة نت: شكرا لكم السيد إبراهيم محمد إبراهيم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة