حقوق الأقليات في مسودة الدستور العراقي   
الأربعاء 1426/9/2 هـ - الموافق 5/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:20 (مكة المكرمة)، 9:20 (غرينتش)


فاروق عبد الله عبد الرحمن

إن تذويب الأنانيات الحزبية والعرقية والطائفية في فكر الإنسان العراقي سيكون له الدور البناء لإنشاء العدل والسلام والابتعاد عن لغة العنف وعدم انتهاك الحرمات, ولا يجوز سوق الإنسان كرها باتجاه إشباع رغبة الحاكم أو فئة أو كتلة معينة في المجتمع.

التباين في الحقوق 
تحديات المستقبل في العراق

التباين في الحقوق

اتجهت الدول المتحضرة إلى كتابة الدساتير التي تضمن حقوق الإنسان وبالأخص حقوق المكونات الصغيرة في المجتمع، وإشاعة الثقافة الوطنية بعيدا عن التعصب والتناحر والتنافس الطائفي الإثني.

ولتطبيق الديمقراطية بصورة صحيحة لا بد أن تنسب إلى المكان والزمان وتنسجم مع القيم والأعراف وعدم إغفال معطيات العصر الذي نعيش فيه. إن قبول تعدد القوميات والأديان في العراق يجب أن يتم بقبول الرأي الآخر وعدم إطلاق مفهوم الوصايا من قبل مكون على مكون آخر.

"
تتضمن مسودة الدستور العراقي بنودا عديدة متوازنة ومقبولة حول حقوق الإنسان، لكن الفقرة الخاصة باللغات الرسمية يمكن أن تؤدي إلى طمس اللغات القومية خلال السنوات القادمة


"

نصوص متوازنة نظريا
أشار الدستور إلى الحقوق والحريات الأساسية لجميع أبناء الشعب العراقي ضمن بنود حقوق الإنسان وجاءت هذه النصوص متوازنة ومقبولة ومنطقية من الناحية النظرية. إن الدساتير السابقة تنص على كثير من هذه الحقوق والحريات وكانت مشكلة القوميات الصغيرة في المجتمع هي آلية التطبيق مما كان يؤدي للاستبداد والقمع في أكثر تطبيقاته. من المميزات الجيدة لمسودة الدستور العراقي عدم وصفه لمكونات الشعب بأنهم أقليات، هذه الكلمة التي تشعر المواطن بأنه من الدرجة الثانية في المجتمع.

لقد ذكرت المادة (14) أن العراقيين متساوون أمام القانون. والمادة (15) أن لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية. والمادة (23) أن الملكية الخاصة مصونة ... ويحظر التملك لأغراض التغيير السكاني، لذا نرى أن المسودة ضمنت حرية التملك والعمل دون تمييز وحق التعلم والمساواة ومن ضمنها الحريات السياسية وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي والتظاهر وحرية العقيدة وتشكيل الأحزاب. أما المواد (22) و(23) و(27) فقد ضمنت الحقوق الاقتصادية ومنها حرية التجارة والصناعة وتكافؤ الفرص وعدم تدخل الدولة في شؤون الفرد مادامت حرية الفرد لا تتعارض أو تلحق ضررا بالآخرين.

إشكالية اللغة
وقد أنصفت الديباجة التركمان للمرة الأولى، حيث ذكروا كمكون ثالث بعد العرب والأكراد وأشير كذلك إلى تضحيات التركمان وتقديمهم الشهداء، كما تحدثت الديباحة عن محاولة محو الهوية التركمانية في ناحية بشير، كما ذكر الدستور الكرد الفيليين والأرمن، لكن المادة (24) -أولا- اوضحت أن اللغة العربية والكردية لغتان رسميتان وهذه الماده تتعارض مع ما جاء في مواد الحريات بحيث أصبحت المكونات الصغيره تحتمي باللغة العربية أو باللغة الكردية وهذا سيؤدي إلى فرض أمر واقع جديد ضمن التطبيقات الرسمية، وجاءت في المادة (4) –رابعا- أن اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان أخريان في الوحدات الإدارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية. ولكن يجب توضيح نقطة مهمة جدا إذ تم الاتفاق في اللجنة الدستورية (55و71)* ولجنة صياغة الدستور على اعتبار اللغات القومية لغات رسمية في أماكن وجود الناطقين بها لكي تتوازن مع المادة (4) -أولا- ولغرض تحقيق العدالة.

وتم ترحيل هذه المادة إلى هيئة رئاسة رؤساء الكيانات الرئيسية في الجمعية الوطنية مما أدى إلى تغيير الصياغة فوضعت عبارة "الكثافة السكانية" مكان عبارة "تواجد الناطقين بها"، رغم علم الجميع بأن القوميات لا تشكل كثافة سكانية كاملة في المحافظات بسسب التغيير السكاني خلال ثلاثة عقود إلا في وحدات إدارية صغيرة في محافظة دهوك وكركوك وتلعفر وهذا سيؤدي إلى طمس اللغات القومية في الدوائر الإدارية خلال السنوات القادمة، أي نرى أن النص كان "كلمة حق يراد بها باطل" وكان الأجدر إعطاء حق استخدام اللغات الرسمية لجميع مكونات الشعب دون فرض وصاية عليهم.

وجاء في المادة (122) ضمان الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان والكلدان والأشوريين وسائر المكونات الأخرى وينظم ذلك بقانون. نجد أن الحقوق المعطاة والمنظمة بقانون ستحدده الكتل الكبيرة في مجلس النواب والضمانات لم توثق في الدستور بصورة نهائية كما هي للقوميتين الرئيستين، وهذا يؤكد تهميش الدور المطلوب للمكونات الأساسية الأخرى.

إن النصوص التي يتحفظ عليها التركمان تكمن بشكل خاص في ما جاء في المادة (136) حول تطبيع الأوضاع في كركوك ولقد تمت موازنة التطبيق في قانون إدارة الدولة في المواد (53) و(58) لضمان حقوق المكونات القومية في كركوك. ولكن بإبقاء المادة (58) فقط في مسودة الدستور وإلغاء المادة (53) فقدت الموازنة، مما أدى إلى هيمنة المكون الأقوى على نتائج الاستفتاء المقرر، إن المفروض هو تطبيق المواد في جميع أنحاء العراق أي رجوع التركمان والمسيحيين إلى قراهم ومدنهم دون حواجز إدارية لان الهدف بناء عراق موحد أرضا وشعبا، ولكن الذي نراه غير منفذ عمليا والخطابات السياسية عاجزة من المطالبة بحقوق القوميات والأديان، وعلينا جميعا التجرد معا من الحساسيات رغم الاختلاف في الرؤى، وكما جاء في الحديث النبوي الشريف "إن اختلاف أمتي رحمة"، وقد كان من المهم أن يتنبه كاتبو الدستور إلى عدم استخدام كلمة الأقليات وهذه نظرة متقدمة نحو الأمام.

تحديات المستقبل في العراق

إن المعركة الحامية حول آلية تطبيق الدستور لا تعكس إلا لمحة خاطفة للأمور العميقة التي يجب على العراقيين أن يواجهوها للوصول إلى إجماع قومي ووطني حول مستقبل البلاد. ولنجاح مراحل الانتقال إلى الديمقراطية يتوجب تفهم الشعب العراقي لمفرداتها ولحقوقهم ولواجباتهم الدستورية.

"
هيمن السياسيون العائدون من خارج العراق على مؤسسات العراق الجديد واستبعد مناضلو الداخل والتركمان والكلدان والأشوريون من المناقشات السياسية


"
مسؤولية الأمم المتحدة

بسبب عدم إمكانية التفاهم بين القوى السياسية المختلفة في مسائل كثيرة وجدت أرضيتها عند كتابة مسودة الدستور ورحلت قسما منها إلى المرحلة القادمة، يتوجب إعطاء مسؤولية مباشرة للأمم المتحدة للإشراف على نقل السلطة وعلى عملية كتابة الدستور وعلى الاستفتاء والإحصاء السكاني وإجراء الانتخابات بشفافية تامة، ولم يتم ذلك للأسف الشديد خلال انتخابات 30/1/2005 حيث لم يصل مندوبو الأمم المتحدة إلى المحافظات الساخنة موضع الخلاف بين القوى المختلفة مثل كركوك والموصل وديالى.

في جميع المناقشات السياسية التي دارت لوحظ استبعاد القوى السياسية التابعة للمكونات الأساسية كالتركمان والكلدان والآشوريين وكذلك العرب من معارضي الداخل، واستمرت في كثير من المواقف هيمنة العراقيين العائدين من الخارج على بناء مؤسسات العراق الجديد، ولأن الكثير من العراقيين يعتبرون الاتفاقات المبرمة بين الأحزاب المعارضة التي عملت من خارج البلاد لا تلزمهم في شيء، لذلك انسحب الأمر على المناقشات الدستورية ولاسيما في موضوع الفيدرالية, حيث جرى التوصل إلى الصيغة النهائية في هيئة رئاسة الكتل السياسية التي استمرت في الانعقاد بعد 22 أغسطس/آب 2005 للتوصل إلى تفاهم تام، ولم يؤخذ رأي القوميات المختلفة في هذه المواضيع بعد أن تم اعتبارها من الأمور الثابتة والمتفق عليه قبل سقوط النظام.

ومن الموضوعات الدستورية الخاصة بمستقبل العراق حماية حقوق الأقليات وإعلاء عراقية العراق فوق العوامل الأخرى والشعور بالمواطنة، وهذا لا يتم إلا بإشراك الجميع في كتابة الدستور حتى لا يشعر أي مكون بالغبن والتهميش.

إشراك الجميع
إن التركمان والكلدان والأشوريين واجهوا تحديات وضغوطا لترك هويتهم القومية، وحمايتهم دستوريا من سيطرة أي جماعة أكبر منهم بالأخص في المناطق المتاخمة للأكراد من جهة أو للعرب من جهة أخرى، شرط لا بد منه لنجاح العملية وعدم إلغاء دورهم وتقرير حقهم المشروع في مؤسسات الدولة العراقية الموحدة أرضا وشعبا.

لذا يستوجب تحليل المواقف لأي مواطن عراقي في هذه المرحلة أن يشعر بخصوصيته وكونه متساويا مع الآخرين في كل شيء، وهذا سيعطي لجميع مكونات الشعب حافزا مهما لكي يلعبوا دورهم في الحياة الوطنية. ويجمع العراقيون على أن فقدان الأمن والاستقرار سيؤثر سلبا على عملية الاستفتاء حول الدستور، إلى جانب عدم توفر الشفافية وعدم مراقبة الاستفتاء من جهات دولية.

"
إن التركمان والكلدان والأشوريين بحاجة إلى حماية دستورية من سيطرة أي جماعة أكبر منهم وبالأخص في المناطق المتاخمة للأكراد من جهة أو للعرب من جهة أخرى


"
المقترحات من وجهة نظر خاصة

إن تشكيل مجلس الوحدة الوطنية العليا لغرض حل النزعات القانونية بين القوميات المختلفة في ملكية الأراضي المتنازع عليها ضمن الأقاليم والمحافظات وتشكيل هيئة محايدة لتأمين
إرجاع السكان الحقيقيين إلى أماكن آبائهم وأجدادهم قبل الترحيل (قرية, ناحية, قضاء, مركز محافظة)، أمر ضروري حتى لا يؤدي النزوح العشوائي إلى الأماكن الغنية تغييرا ديموغرافيا جديدا ويكون مخالفا للمادة (23) من مسودة الدستور.

وباعتقادنا أن كركوك تصلح أن تكون نموذجا مميزا لمستقبل العراق الموحد, لذا تنبغي حماية خصوصية كركوك بتنوعها الإثني والعمل على بقاء كركوك خارج الأقاليم الفدرالية ولكن الضغوط السياسية المبرمجة أدت إلى جعل مستقبل كركوك خاضعا للاستفتاء عام (2007). لقد استمرت محاولات التغيير الديموغرافي في هذه المدينة الغنية بالبترول منذ 11 أبريل/نيسان 2003، لذا نقترح أن يكون الاستفتاء ليس لأهالي كركوك فقط بل في جميع أنحاء العراق لتقرير مصير كركوك.

إن التركمان بوجودهم الأزلي في كركوك يطالبون فعلا بضمانات حقوقهم في الدستور الدائم والعمل على اتفاق بإدارة مشتركة ومتوازنة لكركوك بين القوميات الثلاث، لذا على جميع السياسيين عدم النظر إلى مدينة كركوك والتركمان في ضوء الماضي المظلم، فالتركمان يدركون جيدا أن قضيتهم هي قضية وطنية شاملة تهم جميع العراقيين. ونطالب بالعمل على توزيع جميع الموارد الطبيعية بشكل متساوٍ ومتوازن على جميع أبناء الشعب العراقي. واعتبار وحدة العراق هدفا إستراتيجيا لا يجوز المساس به.
_______________
قيادي عراقي تركماني
* لجنة الـ55 هي اللجنة التي شكلتها الجمعية الوطنية العراقية من بين أعضائها لصياغة الدستور، أما لجنة الـ71 فهي عدد أعضاء اللجنة بعد إضافة العرب السنة إليهم من خارج الجمعية الوطنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة