أميركا والديمقراطية في العالم العربي   
السبت 1427/8/15 هـ - الموافق 9/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:23 (مكة المكرمة)، 7:23 (غرينتش)
 
 
في خطاب له بجامعة الدفاع الوطني في واشنطن قبل أكثر من عام، اعترف بوش بأن الولايات المتحدة ساندت الحكام المستبدين العرب والمسلمين على حساب شعوبها المقهورة، وقال "لقد بات واضحا الآن أن عقود التغاضي عن معاونة الطغيان من أجل الاستقرار لم تؤد إلا إلى الظلم والقلق والمعاناة.. لقد بات واضحا أن تقدم الديمقراطية يقود إلى السلام، لأن الحكومات التي تحترم حقوق شعوبها تحترم أيضا حقوق جيرانها".
 
 
 
الديمقراطية بين الحماس والتردد
 
بعد الغزو الأميركي واحتلال العراق أصبح الترويج للديمقراطية الشعار المفضل لإدارة بوش، فقد سارت الديمقراطية جنبا إلى جنب مع "الحرب على الإرهاب". وكان الرهان على أن الديمقراطية هي السلاح الأمضى في الترسانة الأميركية والقوى الغربية ضد القاعدة والعناصر الإسلامية المتطرفة الأخرى في المنطقة. كما كان ينظر إلى الديمقراطية على أنها مخرج من الصعوبات التي واجهت إدارة بوش لإحلال السلام في العراق، بالإضافة إلى التوتر الشعبي في الولايات المتحدة بسبب الظروف الأمنية المتدهورة هناك والمعلومات الزائفة عن برامج أسلحة العراق وعلاقته بتنظيم القاعدة.
 
"
انتصار الإسلاميين في الانتخابات هدأ حماس صناع السياسة الأميركية تجاه الديمقراطية 
"
رغم الأسباب التي تكمن وراء خطاب بوش الجديد، فقد تُرجم تأكيده على دعم الديمقراطية في العالم الإسلامي إلى ضغط سياسي خفيف على الحكام العرب الموالين للغرب. هذا الضغط الخفيف من إدارة بوش تزامن وتقارب مع تيارات داخلية داخل الدول العربية التي كانت تناضل من أجل الحرية. هذا التقارب بين الديناميكية الداخلية والخارجية يمكن أن يفسر نشاط الحراك الديمقراطي الجديد في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، كما يمكن أن يفسر سبب قيام الحكام العرب الموالين للغرب بإجراء عمليات ديمقراطية جزئية كالانتخابات وإفساح مجال أكبر للمجتمع المدني.
 
وبعد أقل من عامين أصبح الرئيس الأميركي أقل صراحة في التأكيد على الحاجة إلى تعزيز الديمقراطية في العالم العربي، فقد كان لانتصار الإسلاميين في الانتخابات في مصر وفلسطين والعراق وفي أماكن أخرى تأثيره في تهدئة حماس صناع السياسة الأميركية تجاه المشروع الديمقراطي، فهم يخشون أن تؤدي أي عملية ديمقراطية شفافة إلى صعود قوى إسلامية إلى السلطة معارضة للمصالح الأميركية الحيوية في المنطقة، خاصة ما يتعلق منها بالسيطرة على النفط والإبقاء على الوضع الراهن في الصراع العربي الإسرائيلي.
 
استغل الحكام العرب الموالون للغرب هذا الخوف من الإسلاميين لتحذير قرنائهم الأميركيين من مزالق الانفتاح السريع على النظام السياسي المغلق في المنطقة. وللأسف، يبدو أن السياسيين الأميركيين ابتلعوا الطعم الذي ألقاه لهم عملاؤهم المحليون وطبقوا أسلوب التجزئة على عربة الديمقراطية.
 
 
وما بدأ كحملة كبيرة لتقديم الديمقراطية في المنطقة العربية تحول إلى أنين وشكوى. وينظر إلى الديمقراطية الليبرالية الغربية على أنها مرادفة للإمبريالية على المستوى المجتمعي، ومن ثم فإن الخسارة من ورائها لا تحصى. وهكذا أعاد استغلال وإساءة الإدارة الأميركية للديمقراطية إلى الأذهان تجارب حسية تاريخية لدى كثير من العرب والمسلمين بأن الديمقراطية الليبرالية مرادفة للسيطرة والهيمنة السياسية الغربية.
 
"
لم يعد ينظر للديمقراطية على أنها دواء الاستبداد السياسي الشافي في العالم الإسلامي، وإنما صارت أداة تلاعب تستخدمها القوى الغربية للتدخل في الشؤون الداخلية العربية والإسلامية
"
والتاريخ مهم لفهم شك العرب والمسلمين في المحاولات الغربية لتقديم الديمقراطية في دولهم، فقد استثمر البريطانيون والدولة الاستعمارية ثروات أكبر بكثير في تجهيزات الأمن العسكري من المؤسسات القانونية المدنية الأخرى. لقد أرادت الدولة الاستعمارية إحكام سيطرتها السياسية والاقتصادية على مجتمعات أهلية مضطربة. ومن سخرية القدر أن الديمقراطية في أعين كثير من المسلمين والعرب والأفارقة والآسيويين كانت -وما زالت إلى حد كبير- ينظر إليها كأداة استعمارية لديمومة الهيمنة والسطوة الغربية السياسية والاقتصادية.
 
وفي الوقت الذي أنهت فيه بريطانيا وفرنسا سيطرتهما الرسمية على المجتمعات العربية والإسلامية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت المؤسسات الوحيدة القائمة القابلة للحياة تدور في فلك قوات الأمن العسكري. وفي معظم الدول العربية والإسلامية مثل مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا شن ضباط الجيش الصغار انقلابات واستولوا على السلطة من الأنظمة التابعة للمستعمرين البريطانيين والفرنسيين الممقوتين. وهذه النخبة الجديدة كانت معنية أكثر بمسائل العدل الاجتماعي ومحو آثار الاستعمار من بناء وتعزيز مؤسسات ديمقراطية.
 
لا يمكننا فهم العجز الديمقراطي في العالم العربي دون فهم الدور المحوري الذي لعبته الدولة الاستعمارية وما بعد الدولة الاستعمارية.
ومن العجيب أن دعاوى القوى الغربية -خاصة أميركا- لنشر الديمقراطية في المنطقة ينظر إليها على أنها مجرد خدعة لإدامة وتعزيز هيمنتها على الأراضي والثروات العربية والإسلامية. ومغامرة الأميركيين في العراق أضرت كثيرا بالتعهد الخطابي الذي التزمت به الإدارة الأميركية لنشر الديمقراطية وإنهاء الحكم الاستبدادي في العالم.
 
وهكذا، بدلا من تصويرها وكأنها الدواء الشافي من التسلط والاستبداد السياسي في العالم الإسلامي، تتجه الديمقراطية الليبرالية إلى النظر إليها وكأنها أداة ووسيلة تلاعب استخدمتها القوى الغربية ببراعة  للتدخل في الشؤون الداخلية العربية والإسلامية ولتطبيق سياسة "فرق تسد". لقد عززت هذه المغامرة الحمقاء لإدارة بوش في العراق مقرونة بخطابها عن الديمقراطية من الاعتقاد الراسخ لدى كثير من العرب والمسلمين.
 
 
لقد حاول قادة المجتمع المدني المسلم والإسلاميون فصل الديمقراطية عن الفكر السياسي الغربي وجعلها مقبولة لدى الشعوب الإسلامية، فاللغة والمصطلح مهم هنا، وعلى الناشطين العرب والمسلمين وعلماء الدين استخدام لغتهم الخاصة لتوضيح مفهوم الديمقراطية والترويج لها بين الأنصار المتشككين. وللقيام بذلك يتعين عليهم إيجاد رؤية فلسفية واجتماعية مقبولة للمطالبة بملكية مدلول الديمقراطية.
 
خلال العقدين الماضيين تكشف صراع رئيسي داخل المجتمعات المسلمة بين الأصوات الديمقراطية والحكام المستبدين. وكانت الأصوات الديمقراطية تسعى جاهدة لإعادة تحديد الديمقراطية الليبرالية في المصطلح الإسلامي وجعلها مفهومة ومتاحة ومقبولة للجماهير العربية والإسلامية. خلاصة القول: كان الديمقراطيون العرب والمسلمون يحاولون أسلمة الديمقراطية والحداثة وسلخها من لباسها الغربي.
 
هناك إجماع بدت معالمه تبرز في العالم الإسلامي يتعلق باحترام حقوق الإنسان وشفافية سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة السياسية، وهذه الفوائد تعتبر حاسمة لقهر وحل أزمة الكينونة التي تواجه العرب والمسلمين.
 
مما لا شك فيه أن رياح التغيير بدأت تجتاح  الأراضي الإسلامية فخرج المارد من قمقمه، وهاهم علماء المسلمين والناشطون وقادة المجتمع المدني يتحدون نفس بنية منظومة الاستبداد السياسي، وكثرت الكتابات حول المصطلح والتعريف. ومع إدراكهم التام للمدلولات السلبية للديمقراطية الليبرالية في عقول العرب والمسلمين، يجادل علماء المسلمين والمثقفون عن قناعة بأن الديمقراطية ليست بالضرورة مرادفة للفكر الليبرالي الغربي.
 
وعلى العكس، فهم يصورون الديمقراطية وكأنها تنتمي إلى تراث عالمي، ومن ثم فهي ليست منسجمة فقط مع القيم الإسلامية، ولكن يمكن تفصيلها أيضا على مقاس احتياجات واهتمامات المجتمعات العربية والإسلامية. وقد وصل الإسلاميون -مثل الإخوان المسلمين أقوى تنظيم عالمي- إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية هي الأسلوب الأنجع للوقاية من التسلط السياسي وحماية حقوق الإنسان في الأمة الإسلامية.
 
 
النقطة الرئيسية التي يجب التأكيد عليها هي أن الناشطين الإسلاميين والديمقراطيين المسلمين يحاولون إيجاد سبل ووسائل للتغلب على المشكلة المتخيلة أو الحقيقية للعداء الغربي تجاه الإسلام والمسلمين. ورغم أنهم قطعوا شوطا كبيرا في هذا المضمار فإن الرحلة بدأت للتو، إذ إن أسلمة الديمقراطية الليبرالية ما زالت قيد التطوير، وما زال هناك عمل شاق يجب أن يبذل. وإلى الآن، لا توجد تعليمات واضحة أو مركبة تتفلسف حول الديمقراطية في العالم الإسلامي، كما لا يوجد هناك حديث جاد عن التسامح أو عن العلاقة بين العلماني والديني. لم يبذل الكثير للفصل بين الدين والسياسة، وهو ما يعتبر خليطا شديد الانفجار يهدد بتدمير المشروع الديمقراطي المتخيل ككل ووأده في المهد.
 
"
الكثير من العرب والمسلمين يرفضون بضاعة الديمقراطية الزائفة والمزجاة التي يعرضها بوش ويرونها تبريرا وإضفاء شرعية على غزوه غير القانوني للعراق
"
هناك خطر حقيقي قائم وهو أن العرب والمسلمين يعتقدون يأن الديمقراطية أصبحت مرادفة للدافع الإمبريالي الصليبي للولايات المتحدة. وهنا ينبغي لنا أن لا نقلل من الضرر الذي لحق بمفهوم وفكرة الديمقراطية عندما قرنت بالسياسات البغيضة لإدارة بوش.
 
ومن ثم فإنه من المضلل جدا الزعم بأن تبني الرئيس بوش للديمقراطية كبرنامج حاسم لسياسته الخارجية ساهم في الترويج للمشروع الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي. ليس هناك صلة سببية يمكن استنتاجها بين الموجة الجديدة لمثيرات الحرية هناك والتزام بوش الخطابي بالديمقراطية.
 
هناك توجس وتشكك عام في نوايا بوش وسياساته في جميع أنحاء العالمين العربي والإسلامي، فكثير من العرب والمسلمين يرفضون شراء هذه البضاعة المزجاة -الديمقراطية الزائفة- التي يعرضها عليهم، ويرون خطابه وسيلة لتبرير وإضفاء شرعية على غزوه غير القانوني للعراق أمام الشعب الأميركي، وشن حربا ضروسا على العرب والمسلمين.
 
الجدير بالذكر أن مجتمعات الشرق الأوسط تعلق آمالا كبيرة على الاستقلال عن القوى الخارجية وتحرص حرصا شديدا على سيادتها في أوطانها، فمعظم العرب والمسلمين انطبع في أذهانهم التاريخ الاستعماري الدموي لبلادهم، كما أن التجمعات السياسية والاجتماعية الرائدة تعارض بشدة تدخل القوى العظمى -خاصة الولايات المتحدة- في شؤونهم الداخلية تحت أي زعم، بما في ذلك نشر الديمقراطية.
 
من المعلوم أن أصحاب الأصوات الليبرالية والديمقراطية المسلمة متلهفون لرد فعل شعبي عنيف ضد التدخل الأميركي في شؤون بلادهم الداخلية لدرجة أنهم لا يريدون أن ينظر إليهم على أنهم مرتبطون بالسياسات الخارجية الأميركية، فهم يفضلون أن يقود المجتمع الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة -وليس أميركا- المسيرة لتعزيز الحكم الديمقراطي في المنطقة. ويعرف هؤلاء جيدا أن الحكام العرب المستبدين مهووسون بالسيطرة الكاملة على مجتمعاتهم، كما يدركون أن هؤلاء الحكام لن يقدموا على تحرير أو إدخال الديمقراطية إلى مجتمعاتهم دون ضغط من المجتمع الدولي.
 
وهكذا فإن الأصوات التقدمية في المنطقة تفضل نهجا أمميا وليس نهجا أميركيا أحاديا، لمساعدتهم في بحثهم للوصول إلى الملاذ الآمن للحرية والديمقراطية. وبعبارة صريحة لا مواربة فيها: لا، العرب والمسلمون لا ينتظرون رئيسا أميركيا على شاكلة جورج دبليو بوش كي يخلصهم من الفساد والاستبداد الذي تفشى في المنطقة. بالطبع ستراهن شرذمة قليلة على سياسة أميركية خارجية لها مصلحة معتمدة في مساندة الطغاة العرب الخنوعين، فهم يرون أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تخاطر بالمراهنة على أصوات ديمقراطية حقيقية لأنها تهدد مصالحها وهيمنتها الأساسية.
 
نأمل أن تكون إدارة بوش قد استوعبت الدروس المستفادة من هزيمتها في العراق، والذي من أهمها أن الفوضى والقوة العسكرية لن تساعد على إحداث تغيير ديمقراطي تقدمي في الشرق الأوسط. كما نأمل أن تدرك تماما أن الولايات المتحدة يمكن أن تقوم بدور الداعي للخير في المنطقة وفي مكان آخر إذا ما استمعت وأنصتت إلى طموحات وآمال ومخاوف الشعوب، ويجب عليها بالتالي أن تصلح وضعها الأخلاقي المرموق بمساندة قوى ديمقراطية حقيقية وقطع علاقاتها الدافئة مع الحكام الطغاة.
 
كما يجب على إدارة بوش أن تكون ثابتة على المبدأ في ترويجها للحرية والديمقراطية بالضغط على الأصدقاء والأعداء على حد سواء لاحترام حقوق الإنسان لمواطنيهم.
 
وعليها أن تدرك أن الأفعال أقوى من الكلمات، أو كما يقول الشاعر "السيف أصدق أنباء من الكتب"، وأن بناء المؤسسات يتطلب تصفية النزاعات الإقليمية الجياشة مثل الصراع العربي الإسرائيلي وتقليل المظالم الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي وقود الاقتتال والتطرف.. عندها فقط يمكن ترجمة هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية إلى واقع سياسي راسخ يصبح فيه المواطنون المسلمون مسؤولين عن قدرهم السياسي ويخطون رؤية ديمقراطية جديدة.
_____________________
أستاذ بقسم الشؤون الدولية والشرق الأوسط في جامعة سارا لورانس بنيويورك
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة