حقوق الإنسان في إيران   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:04 (مكة المكرمة)، 16:04 (غرينتش)

مساجين إيرانيون في انتظار الطعام

إعداد: محمد عبد العاطي

الإعدام والقتل السياسي
الاعتقالات

حرية الصحافة
قمع التحركات الطلابية

حقوق الأقليات الدينية
وجهة النظر الرسمية

حققت إيران على مدى العقدين الماضيين تقدما ملحوظا في ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، غير أن المنظمات الدولية المعنية بهذا الأمر والتي تفتقد بعض تقاريرها أحياناً إلى الدقة المطلوبة ترصد انتهاكات لهذه الحقوق في السجون والمعتقلات، وتتحدث عن عمليات لإغلاق الصحف ومحاكمة للمثقفين واحتجاز في مراكز الشرطة ومقار الاستخبارات لفترات طويلة دون محاكمة، إضافة إلى حوادث قتل وتعذيب لبعض رموز المعارضة السياسية. وإزاء ندرة الكتابات الرسمية التي تتناول تلك التقارير بالتعليق فإننا سنحاول استعراض ما تحقق من تقدم في قضايا حقوق الإنسان الإيراني وما تناولته تقارير المنظمات الدولية واعتبرته انتهاكا لهذه الحقوق، مع إلقاء الضوء على مطالب بعض الأقليات الدينية والمذهبية الموجودة في إيران. 

تقدم إيجابي
لاحظت لجنة مراقبة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة منذ تقريرها عام 1993 تقدما ملحوظا ومطردا في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان داخل إيران، وبخاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة السياسية أو في التقليل من عمليات التعذيب الجسدي التي تتم أو في نشر الوعي بحقوق الإنسان لدى الوزارات والمسؤولين الإيرانيين، إلا أن هذا لم يمنعها وغيرها من المنظمات الأخرى من رصد بعض حالات الانتهاك لحقوق الإنسان على صعيد الممارسة السياسية أو على الصعيد الفكري وحرية التعبير. (لجنة مراقبة حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، 1993).

الإعدام والقتل السياسي

تمثل حالات الإعدام في تهم سياسية دون أن تتوافر إجراءات قضائية عادلة أو إمكانية الاستئناف أمام دوائر قضائية أعلى أكبر انتهاك لحقوق الإنسان، حيث تقضي مثل تلك الانتهاكات على حقه في الحياة.

الإعدام
عام 1996 أحصت المنظمة الدولية لمراقبة حقوق الإنسان 110 حالات إعدام سجين سياسي من بينهم ثلاثة ينتمون إلى القومية الكردية، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه نفذ حكم الإعدام في 137 معارضا سياسيا آخر.

وشهد كذلك عام 1996 حوادث قتل متفرقة لمثقفين ومعارضين سياسيين آخرين، فعلى سبيل المثال وقعت في العام المذكور حادثة مقتل الناشط السياسي فرج ساركوهي الذي ألقي القبض عليه في فبراير/ شباط ثم اختفى شهرين ووجد بعدها مقتولا بعدة طعنات في الصدر، وقد وجهت الاتهامات إلى أجهزة الاستخبارات الإيرانية.

وتشابهت الحالة نفسها في العام التالي (1997) حيث اعتقل رئيس تحرير مجلة "مايار" إبراهيم زلزادي على خلفية مقالة انتقد فيها انتهاكات حقوق الإنسان، ثم وجد مقتولا بآلة حادة في 29 مارس/ آذار من العام نفسه.

وطالت عمليات القتل كذلك المحامي محمد أسعدي في 9 أغسطس/ آب 1997 بعد أن اتهم في عدة قضايا منها الضلوع في محاولة انقلابية فاشلة عام 1980، وزيارة إسرائيل قبل الثورة، وعضويته في أحد المحافل الماسونية العالمية.

وكان مقتل السياسيين المخضرمين دارويش فروهر وزوجته بروانه فروهر زعيمي حزب الأمة المعارض في منزليهما بطهران يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1998 من أهم حوادث القتل عام 1998.

وأدت هذه الأحداث إلى استقالة وزير الاستخبارات قربان علي دري نجف آبادي وبعض مساعديه بعد أن حملهم مجلس الأمن القومي الذي يترأسه السيد محمد خاتمي المسؤولية، واستدلوا على ذلك باكتشافهم كاميرات خفية ومعقدة لا يمكن أن تتوفر للأفراد العاديين، ولا سيما وأن منزل السياسيين الإيرانيين كان تحت الحراسة الأمنية. واعتبرت منظمة المراقبة الدولية لحقوق الإنسان هذه النتيجة فضيحة لجهاز حكومي فاسد يمارس القتل سلاحا سياسيا. (تقرير عام 2000).

وبعد أيام قليلة من حادثة مقتل السياسيين دارويش فروهر وزوجته فوجئ الرأي العام الإيراني بحادثة أخرى، فقد قتل الكاتبان محمد مختاري ومحمد بوينده المعروفان بالدفاع عن حرية الرأي واللذان اعتقلا لفترة قصيرة في أكتوبر/ تشرين الأول 1998.

وقد أوجدت تلك الحوادث حالة من الخوف لدى المثقفين، خاصة بعد أن راجت شائعات قوية حول وجود أسماء 180 شخصية موضوعة على قوائم الاغتيال.

الاعتقالات


تحدثت منظمة مراقبة حقوق الإنسان عن عدم وجود رعاية صحية أو طعام كاف للمساجين الإيرانيين كما تحدثت عن حالات من الحبس الانفرادي وعن عمليات اغتصاب في سجون النساء لكنها لم توثق تلك الحالات

شهدت الحياة السياسية الإيرانية حالات من الحبس والاحتجاز لفترات طويلة دون سند قانوني أو تهمة محددة إضافة إلى اعتقالات نالت المعارضة السياسية وبخاصة أولئك المحسوبون على التيار الإصلاحي، كل ذلك في ظل اتهامات كثيرة للمحافظين المسيطرين على معظم المحاكم في إيران، والتي يعتبرون تلك المحاكم أداة من أدوات المحافظة على المنجزات الثورية.

ولا توجد إحصائيات دقيقة عن أعداد المعتقلين السياسيين، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الكثير من السجون الإيرانية لا تخضع لمراقبة منظمات حقوق الإنسان المحلية أو الدولية، وفي الحالات القليلة التي زارت فيها بعض تلك المنظمات سجونا حددت سلفا عام 1996ذكرت التقارير الدولية الصادرة في العام التالي (1997) والتي تتناول أحوال حقوق الإنسان في إيران أنه لا توجد رعاية صحية أو طعام كاف كما تحدثت عن حالات من الحبس الانفرادي وعن عمليات اغتصاب في سجون النساء، لكنها لم توثق تلك الحالات.(تقرير عام 2000).

ولم يقف الأمر في انتهاكات حقوق الإنسان على المساجين فقط ولكنه طال أقرباءهم أيضا كما تقول المنظمة الدولية المذكورة التي ذكرت أن أجهزة الأمن الإيرانية دأبت على احتجاز أهالي الأشخاص الهاربين المطلوب اعتقالهم، وذلك بغرض الضغط عليهم لتسليم أنفسهم، وقالت إن هؤلاء الأهالي لم يسلموا من توجيه الإهانات وفي بعض الحالات نالهم تعذيب جسدي ونفسي.

الاحتجاز
تعتبر حالة إبراهيم يازدي الذي يتولى منصب السكرتير العام لحركة تحرير إيران منذ عام 1995 من أبرز حالات الاحتجاز التي شغلت الرأي العام الإيراني.

فقد كان إبراهيم يازدي الذي يعالج حاليا في الولايات المتحدة الأميركية وزيرا للشؤون الخارجية في أول حكومة تتشكل في إيران عقب نجاح الثورة الإسلامية عام 1975، وحينما حاول ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة جوبه بمعارضة شديدة من قبل المحافظين، فكتب عدة مقالات ينتقد فيها السلوك السياسي للنظام الإيراني، ثم كتب خطابا مفتوحا إلى الرئيس محمد خاتمي وقع عليه معه خمسون مثقفا يحثونه فيه على احترام حقوق المعارضة السياسية، وإحداث تغيير في أساليب الممارسة السياسية بما يوسع من هامش الديمقراطية، مما اعتبره المحافظون سخرية من أسس النظام الإسلامي الذي تقوم عليه الجمهورية الإيرانية، فاحتجز لفترة طويلة قبل أن يطلق سراحه مؤخرا، وفي منتصف مارس/ آذار أصدر رئيس المحاكم الثورية في طهران حجة الإسلام علي مبشري حكما بحظر جميع نشاطات الحركة بعد إلقاء السلطات الإيرانية القبض على 12 عضوا من أعضائها، وجاء في حيثيات حكم مبشري أن الحركة تخطط لتحركات من شأنها إثارة الرأي العام.

الإبعاد والنفي
لا تستخدم  الحكومة الإيرانية في العادة أسلوب الإبادة أو النفي خارج البلاد في التعامل مع المعارضة السياسية، غير أن العدد الكثير الذي رحل منهم خارج البلاد أعربوا عن عدم رغبتهم في العودة مرة أخرى خوفا على حياتهم.

وتتحدث تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان عن ملاحقات أمنية لهذه العناصر النشطة التي تعيش في الخارج، ووصلت تلك الملاحقات إلى حد اغتيال بعضهم مثل حادثة اغتيال رئيس الوزارء الإيراني السابق شهبور بختيار في منزله بإحدى ضواحي باريس عام 1991.

الإقامة الجبرية
رصدت المنظمات الدولية بعض حالات فرض الإقامة الجبرية، وكان من أشهر السياسيين الذين فرضت عليهم آية الله محمد صادق روحاني الموجود تحت الإقامة الجبرية منذ أكثر من 14 عاما، وآية الله حسن الطبطبائي القمي المفروض عليه الإقامة منذ أكثر من 15 عاما، وآية الله ياسوب راستجاري الذي يعيش في بيته تحت الإقامة الجبرية منذ عام 1996، وآية الله منتظري. وتضيف التقارير أن الإيذاء قد طال أتباعهم ومؤيديهم وقد مورست عمليات اعتقالات وتعذيب كثيرة بحقهم.

النظام القضائي
يتهم دعاة حقوق الإنسان النظام القضائي الإيراني بعدم الاستقلالية وخضوعه لنفوذ المحافظين، ويرجعون الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان إلى الأحكام الصادرة عن محاكم الثورة التي يسيطر عليها المحافظون، حيث يوجد في إيران نوعان من المحاكم، محاكم تقليدية تختص بالنظر في قضايا الجنح والجنايات، ومحاكم ثورية تأسست عام 1979 بعد قيام الثورة الإسلامية وتتعامل مع القضايا السياسية والجرائم المتعلقة بالإساءة إلى الإسلام أو الذات الإلهية.

ويتهم المراقبون الدوليون تلك المحاكم بافتقارها إلى إجراءات العدالة المطلوبة أثناء نظر القضايا المطروحة عليها، حيث لا يتمكن المتهم من الاستئناف أمام دوائر قضائية أعلى، وتكال له تهم فضفاضة مثل زعزعة الأمن والسلم الداخلي أو إقلاق الرأي العام.

حرية التعبير
وتجيء قضية حرية التعبير التي يعدها الكثير من المراقبين للشأن الإيراني من القضايا الجوهرية في ما يتعلق بالمسيرة الديمقراطية لإيران، وقد تباينت وجهات النظر بين من يريدون الحفاظ على النظام الذي أقامه آية الله الخميني أثناء الثورة وحرب الثماني سنوات مع العراق، ومن يتمنون تطويره ويدركون أن عدم فعل ذلك ربما يؤدي إلى الإطاحة به بأكمله.

وقد غيرت الانتخابات التشريعية والرئاسية التي جرت عام 1997 من الجو السياسي في إيران ككل، هذا المناخ هو الذي جعل من حرية التعبير وبخاصة في الصحافة موضع خلاف كبير في السنوات الأخيرة.

ففي مجال الرقابة على الكتب ليس هناك رقابة مسبقة على عملية النشر في إيران، غير أن وزارة الإرشاد تهتم  بعد النشر بالبحث عن القضايا التي تعتبرها مسيئة للمبادئ الدينية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، أو تلك التي تسخر من المقدسات وثوابت الأمة، وتمنع تداولها.

حرية الصحافة


شهد ميدان الصحافة أشد المعارك ضراوة بين الإصلاحيين والمحافظين وتتهم الحكومة الإيرانية منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام العالمية التي تركز على قضية إغلاق الصحف ولا تنشر شيئا عن إصدار تراخيص لصحف جديدة تنتمي إلى  التيار نفسه الذي أغلقت صحفه

شهدت إيران صدور عدد كبير من الصحف والمجلات التي تتبنى وجهات نظر انتقادية، وشهدت صفحاتها مناقشة العديد من القضايا التي كانت تعتبر من المحرمات في الماضي، مثل قضايا حقوق المرأة والديمقراطية والليبرالية والتفسيرات المختلفة لأحداث التاريخ الإسلامي وبالأخص تلك التي يركز عليها الفكر الشيعي في القرن الأول من الهجرة، وكذلك ناقشت الصحافة مسائل أكثر حساسية تتعلق بحسابات بعض كبار آيات الله في المصارف الأجنبية، وانتقاد سلوكيات أجهزة الاستخبارات المختلفة، ومبدأ ولاية الفقيه، والحد من سلطات مرشد الثورة.

وكان رد فعل المحافظين على تلك الدعوات شديدا فأقاموا عدة دعاوى أمام محاكم الثورة متهمين أصحاب هذا التوجه بمعاداة الإسلام، فأغلقت السلطات الإيرانية أكثر من 25 جريدة ومجلة حتى الآن، كما سجن بعض كبار الناشرين والصحفيين، وتعرض بعض المحررين للاغتيال. لكن في المقابل منحت السلطات الإيرانية تراخيص لخمس صحف جديدة تنتمي للتيار الإصلاحي الذي أغلقت صحفه، وقد باشرت عملها بالكادر نفسه الذي كان يتولى إصدار الصحف المغلقة. (عباس خامه يار، المستشار الثقافي الإيراني في الدوحة في محادثة تلفونية مع الجزيرة نت).

وقبل الحديث عن تلك الصحف المغلقة تجدر الإشارة إلى أن الكثير من المعارضين وجدوا في الحركة التي يقودها التيار الإصلاحي وسيلة لتطوير النظام السياسي الإيراني ليتجاوب مع الظروف العالمية الراهنة، ومن ثم دعموا تلك الحركة التي وجدوا فيها لافتة مقبولة للتعبير عن مطالبهم، وقد أسهم هذا الدعم في اتساع هذه الحركة لتضم عددا من المتشددين من مختلف الاتجاهات.. الليبرالية والديمقراطية والغربية والرافضة لولاية الفقيه وغيرهم ممن وجدوا في الحركة الإصلاحية فرصة لإحياء مطالبهم ووسيلة لتحقيقها.

وتأخذ المنظمات الدولية المراقبة لحقوق الإنسان على النظام السياسي الإيراني محاكمة الصحفيين أمام محاكم غير متخصصة بالنظر في جرائم النشر.

صحف مغلقة
قائمة الصحف المغلقة والمحررين المعتقلين طويلة، إلا أن أهمها مجلة "زان" (المرأة) التي أغلقت عام 1998 لنشرها جزءا من تهنئة بالعام الجديد وجهتها إلى الشعب الإيراني إمبراطورة إيران السابقة فرح ديبا، وإغلاق صحف أخرى عديدة على خلفية نشر مقالات لا تتماشى مع التوجهات الإسلامية للثورة من وجهة نظر المحافظين. من هذه الصحف "راه نوه" (الطريق الجديد) و"جامعة سليم" (المجتمع السليم) و"إيران فردا" (إيران الغد) والمجلة الثقافية الشهرية "أدنيه" (الجمعة) وصحيفة "نشاط" (سعادة) والحكم على صاحبها لطيف سفري بالسجن ثلاثين شهرا مع إيقاف التنفيذ ومنعه من مزاولة المهنة لمدة خمس سنوات. وكان من أواخر الصحف الإصلاحية المهمة التي أغلقت صحيفة "خرداد"
عام 1999 التي حكم على صاحبها عبد الله نوري بالسجن خمس سنوات، بعد أن انتهز فرصة محاكمته لينادي بالإصلاح مذكرا بأن المحافظين لا يستطيعون فرض تفسيرهم للإسلام، وقد نشرت الصحف فقرات من أقوال نوري في تلك المحاكمة.

وكان دور المحلفين في محاكم الصحافة من الأمور المثيرة للجدل القانوني في قانون تنظيم الصحافة، وكذلك أثيرت قضية نظر قضايا متعلقة بالصحافة أمام محاكم غير تلك المخصصة في جرائم النشر. (مراقبة حقوق الإنسان تقرير عام 2000).

التحقيق مع الصحفيين
وبالنسبة لاستدعاء المحررين الصحفيين والتحقيق معهم في مقار الاستخبارات فكان من أبرز هؤلاء فريدون وردينجاد مدير وكالة الأنباء الرسمية (إيرنا) ومحمد رضا زاهدي صاحب جريدة "أريا" اليومية، وقد أفرج عنهما بعد فترة بكفالة مالية كبيرة.

وكانت محاولة اغتيال الصحفي النشط وصاحب جريدة "صبح امروز" (صباح اليوم) اليومية الإصلاحية سعيد حجريان المستشار السياسي للرئيس محمد خاتمي وإصابته بجروح خطيرة في 12 مارس/ آذار 2001 من أهم القضايا التي شغلت بال الصحفيين الإيرانيين وأعادت إلى الأذهان حوادث قتل المثقفين والصحفيين التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة.

كان حجاريان يقود حملة قوية على صفحات جريدته للكشف عن تورط المسؤولين في الدولة في عمليات قتل المثقفين قبل أن يطلق أحد المسلحين النار عليه ويتمكن من الهرب باستخدام دراجة نارية من تلك التي لا تتوفر إلا مع رجال الأمن، مما أثار الشكوك في الجهة التي تقف خلفه، لكن بعد فترة ألقي القبض عليه وعلى أربعة آخرين قيل إنهم متآمرون معه وصدر حكم عليهم بالسجن 15 عاما.

ويفرق مرشد الثورة آية الله على خامنئي بين حرية تدفق المعلومات وأهمية ذلك في زيادة الوعي لدى القراء وبعض الصحف التي يصفها بأنها "قواعد للأعداء"، ولاقت خطوات إغلاق الصحف تلك استحسانا من العديد من رموز التيار المحافظ للدرجة التي جعلت آية الله جنتي عضو مجلس الأوصياء يصرح قائلا "إنه أفضل شيء فعلته السلطة القضائية منذ قيام الثورة".

وطالت المحاكمات التي تناولت قضايا فكرية بعض المثقفين والسياسيين الإيرانيين الذين حضروا مؤتمرا دوليا عقد في برلين في أبريل/ نيسان 2000 عن إيران، وصفه المحافظون بأنه نشاط معاد للجمهورية الإسلامية ومعاد للإسلام، واتهم هؤلاء المثقفين الذين حضروا المؤتمر بإقامة علاقات بينهم وبين قوى معادية لإيران.

وعلى ذمة تلك القضية احتجر السياسي المخضرم عزت سحابي الذي تجاوز عمره السبعين عاما عدة أسابيع قبل أن يفرج عنه بكفالة، بينما لا يزال ثلاثة من المشتركين في ذلك المؤتمر داخل السجن، وأفرج عن خمسة آخرين بكفالة ولا يزالون ينتظرون الحكم النهائي للمحكمة بشأن القضية المرفوعة ضدهم. (مراقبة حقوق الإنسان، تقرير عام 2001).

قمع التحركات الطلابية


قمع المظاهرات الطلابية بعنف حرك الرأي العام الإيراني للمطالبة بقضايا أبعد من مجرد توسيع هامش الديمقراطية
وفجر تساؤلات كبرى حول الاقتصاد وفلسفة السياسة الداخلية والخارجية  

تعتبر شريحة الطلاب في الكثير من المجتمعات هي النخبة المثقفة المحركة للرأي العام، وقد اتخذ الطلاب الإيرانيون من المظاهرات وسيلة للتعبير عن مطالبهم وانتقاداتهم، إلا أن الحكومة الإيرانية قمعت تلك المظاهرات بعنف، للدرجة التي شبه فيها أحد الباحثين المهتمين بالشأن الإيراني تعامل الحكومة مع الطلاب وبخاصة في مظاهرات العام الجامعي 1998/1999 بمذبحة ميدان السلام في بكين والذي اجتاحت فيه الدبابات الصينية الميدان وقتلت العشرات من الطلاب المعتصمين. (هاليداي.. الحياة).

تسلسل الأحداث
بدأت أحداث العنف التي وقعت بين الطلاب والشرطة الإيرانية بعد أن أغلقت الحكومة في يوليو/ تموز 1998 جريدة "سلام" التي تعتبر أكثر الصحف الإصلاحية شعبية على خلفية نشر مذكرة احتجاجية قيل إن كاتبها هو سعيد إمامي الموظف في الاستخبارات والتي كشفت أبعاد خطة وضعتها الاستخبارات الإيرانية للتحرش بالصحافة المستقلة وكتابها من خلال إجراءات قانونية وغير قانونية متنوعة تشبه إلى حد بعيد ما تعرض له الصحفيون والصحافة عموما على مدى العامين الماضين، وبعد قرار الإغلاق هذا اندلعت المظاهرات الطلابية في 8 يوليو/ تموز في جامعة طهران، وفي اليوم التالي اقتحمت إحدى الميليشيات المساكن الجامعية وهاجمت الطلاب أثناء نومهم وألقوا ببعضهم من النوافذ وألقوا القبض على بعضهم الآخر، مما أدى إلى مقتل أربعة طلاب على الأقل في تلك الحملة وجرح ثلاثمائة آخرين وزادت حصيلة المعتقلين عن أربعمائة.

وحينما خرج الطلاب في اليوم التالي في تظاهرة احتجاجية على ما حدث لزملائهم واجهتهم مجموعات طلابية تنتمي لجماعة أنصار حزب الله بالجنازير والأسلحة البيضاء.

وسرعان ما عمت المظاهرات المدن الإيرانية وشارك فيها أهالي الطلاب وقارنها البعض بالمظاهرات التي صاحبت قيام الثورة الإسلامية عام 1979، حيث تحولت المطالبات من عزل رئيس شرطة طهران هدايت لطفيان وفتح باب التحقيق لمعاقبة المتسببين في مقتل هؤلاء الطلاب إلى رفع شعارات تندد بتردي الأوضاع الاقتصادية وبطء مسيرة الإصلاحات السياسية.

ولم يتوقف الأمر على حد اعتقال القيادات الطلابية النشطة من داخل الحرم الجامعي ولكن عمليات الاعتقال طالتهم وهم نائمون في سكنهم الجامعي، وهو ما أثار أزمة سياسية ضخمة داخل إيران لا تزال تداعياتها تشغل الرأي العام حتى الآن.

لكن التعاطف الشعبي الذي لقيته تلك المظاهرات تغير في اليومين التاليين خاصة بعد أن تحولت إلى عمليات سرقة ونهب وتخريب للمنشآت العامة. وهو ما يعزوه بعض المراقبين لحقوق الإنسان إلى تدخلات من بعض الأجنحة المتصارعة على رأس الهرم السياسي في إيران.

وقد احتوى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي الموقف بالتنسيق مع آية الله علي خامنئي واستطاعت الحكومة الإيرانية إيقاف تلك المظاهرات على الفور، لكنها لم تستطع إغلاق هذا الملف وتقديم كل المسؤولين عن تلك الانتهاكات للعدالة حتى الآن، رغم البيان شديد اللهجة الذي أصدره في 12 أغسطس/ آب 1998 مجلس الأمن القومي الإيراني والذي انتقد فيه الشرطة وجماعات الميليشيات المحافظة، والذي ذكر صراحة "تجاوزات بعض ضباط الشرطة وبعض الأفراد من غير العسكريين".

وبالرغم من وعود مجلس الأمن القومي الإيراني ومرشد الثورة آية الله علي خامنئي بالتحقيق في حوادث قمع المظاهرات ومعاقبة المتورطين فيها إلا أن تلك التحقيقات سارت ببطء شديد كما تقول تقارير المنظمات الدولية لمراقبة حقوق الإنسان وهو ما أثار الكثير من علامات الشك والريبة حول الجهات التي تقف وراء مثل تلك العمليات.

حقوق الأقليات الدينية

تعرضت تقارير منظمات حقوق الإنسان للأقليات العرقية مثل الأكراد والعرب والآذربيجان والدينية كالبهائية واليهودية والمسيحية والمذهبية كالسنة.تمثل الأقليات الدينية في إيران أقل من 1% من تعداد السكان البالغ 65 مليونا، وتعتبر التقارير أن الأقليات الدينية الموجودة ومنها البهائية والزرادشتية واليهودية والمسيحية محرومة من تكثير من حقوقها وأنشطتها الدينيةونجد المطلب نفسه يتكرر عند بقية الطوائف والأقليات الدينية كاليهودية والمسيحية والزرادشتية على سبيل المثال.

 الأقلية السنية


الأقلية السنية في إيران تطالب بحرية الدعوة وبناء مساجد ومدارس وبساعات للبث في وسائل الإعلام الرسمية وبعدالة في التمثيل البرلماني بما يتناسب مع نسبتهم التي تجاوزت 10% من مجموع السكان

 الأقلية السنية في إيران ليست أقلية دينية تعيش في مجتمع مغاير لها في عقيدتها، ولكنها أقلية مذهبية إذا جاز التعبير، تعتنق مذهبا إسلاميا مخالفا للمذهب الفقهي الذي تتبناه الدولة، وبالرغم من كونهم يمثلون أكبر أقلية مذهبية في البلاد (10 % بحسب المصادر الأجنبية و20% بحسب مصادر السنة أنفسهم) إلا أن مستوى تمثيلهم في البرلمان والتشكيل الوزاري لا يتناسب مع نسبتهم العددية.

الحقوق السياسية
تتهم الأقلية السنية الحكومة الإيرانية بعدم منحهم تمثيلا في البرلمان يتناسب مع حجمهم الحقيقي إذ لا يمثلهم في البرلمان سوى 12 نائبا فقط في حين يقدرون تعدادهم بأكثر من 14 مليون نسمة، في حين يمثل الشيعة في البرلمان نائب عن كل 200 ألف تقريبا. كما يتهم السنة الإيرانيون الحكومة بإنجاح العناصر السنية الموالية لها وليست المعبرة عن مطالبهم. 

وتشتكي الأقلية السنية مما تصفه بالكبت السياسي، وتعدد حالات من الإعدام على خلفيات سياسية أو اعتقالات دون أسانيد وحجج قانونية.

حرية الدعوة
يعتبر السنة أنفسهم مخالفين في بعض المسائل الفقهية للشيعة الإيرانيين الذين يغلب عليهم المذهب الاثنى عشري، ويحاول كل طرف الدعوة إلى أفكاره التي يؤمن بها وسط الطرف الآخر، وهنا تقول الأقلية السنية إنها تتعرض لفرض الأفكار الشيعية بالقوة في حين تمنعها الحكومة من تعليم مذهبها.

ساعات البث
تشكو الطائفة السنية من قلة الساعات الممنوحة لهم في وسائل الإعلام الرسمية، ففي منطقة بلوشستان على سبيل المثال تمنح ساعة واحدة لهم يخصص معظمها للحديث عن منجزات الثورة والحكومة، وليس لمناقشة قضاياهم ومشاكلهم المهمة.

وخلت إذاعات محلية أخرى بها أقليات سنية كبيرة العدد من أي ساعات للبث مقارنة بما تمنحه الحكومة للطوائف والأقليات الأخرى وبلغات عدة، من هذه المناطق خراسان وكردستان وهرمز.

بناء المساجد وهدمها
ولأهل السنة كذلك مطالب متعلقة بحرية بناء المساجد الخاصة بهم فيستدلون على ذلك بعدم وجود مسجد سني في مدن كبرى غالبيتها شيعة مثل أصفهان وشيراز ويزد والعاصمة طهران التي يوجد فيها نصف مليون سني.وترد الحكومة على ذلك المطلب بأن المساجد الشيعية مفتوحة أمامهم ويمكنهم الصلاة فيها، ولا داعي لبناء مساجد خاصة بهم.

وتتحدث مصادر سنية عن عمليات هدم طالت مساجدهم، مثل مدرسة ومسجد الشيخ قادر بخش البلوشي ومسجد في منطقة كيلان في هشت بر وآخر في كتارك جابهار بلوشستان، ومسجد في مشهد ومسجد الشيخ فيض في شارع خسروي في محافظة خراسان، الذي حول إلى حديقة.

أما الحكومة الإيرانية فتعتبر تلك المساجد إما مساجد ضرار (بنيت لغير أهداف العبادة الخالصة) أو بنيت بغير إذن من الحكومة أو أن أئمة تلك المساجد لهم ولاءات مع جهات معادية.

وجهة النظر الرسمية

لم ينفي الرئيس الإيراني السيد محمد خاتمي وجود بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان سواء في المحاكم غير العلنية أو في التكييف القانوني لبعض القضايا الثقافية والسياسية، أو في التعامل مع المتهمين العاديين داخل السجون، وأبدا عدم رضائه عن الإجراءات التي اتخذت بحق الصحافة وحرية الكلمة، فقال في خطابه الأخير أواخر أبريل/نيسان 2001 أمام مجلس الشورى قبيل الإعلان عن إعادة ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية أن اتجاهاً متزايداً وضح خلال السنوات الأربع الماضية باحترام الدستور داخل مؤسسات الدولة وبالأخص داخل المحاكم وفي أجهزة الشرطة والأمن، ولاسيما بعد تكوين لجنة مراقبة ومتابعة الدستور.

كما اعترف خاتمي بأن العنف والتطرف كان موجوداً في المجتمع الإيراني لكنه أصبح اليوم عملاً مستهجناً من شرائح المجتمع المختلفة.

واعتبر اتساع المشاركة السياسية للمواطن الإيراني في السنوات الأخيرة من المنجزات التي يفتخر بها الشعب الإيراني، حيث زاد إقبال الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في انتخابات المجالس القروية والبلدية والنيابية والرئاسية ومجلس الشورى ومجلس الخبراء.

وإن كان خاتمي قد اعتبر زيادة أعداد التجمعات والأحزاب السياسية المرخص لها خلال السنوات الأربع الماضية من 39 إلى 82 عملاً إيجابياً إلا أنه قال ".. علينا أنت نتعامل مع الأحزاب بصورة جادة، فإذا قبلنا بالديقراطية والحرية علينا أن نفسح في المجال لكي تبرز الاتجاهات المختلفة، وتمارس نشاطها وهي تشعر بالأمن والحرية والوضوح".

أما فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في مجال كلمة وحرية التعبير، فقد أبدا خاتمي أسفه لما تعرضت له الصحافة في الفترة وبالأخص فيما يتعلق بإغلاق الصحف، واعتبر التبرير الذي يساق في هذا المجال والذي يعزي أسباب ذلك إلى تجاوزات الصحافة غير مقبول، قائلاً ".. إن الصحافة تدل على تطور المجتمع وتحوله، إنني آسف لأن صحفاً بدأت عملها ونشاطها أيام الحرب تغلق الآن في عهد الانفتاح السياسي والاجتماعي، فوجود الصحافة الحرة له تبعات ومشكلات ومن الممكن أن تستغل هذه الصحافة، لكنها سر تقدم المجتمع، علينا أن نواجه هذه المشاكل ونحلها بالصبر والحكمة، لا أن نرفضها ظنا منا أننا وضعنا حدا لها، خصوصاً أن مطالب المجتمع لا تزال مطروحة".

وبالنسبة للمحاكمات غير العلنية التي اعتبرتها بعض المنظمات الدولية انتهاكاً لحقوق الإنسان ققد أقر خاتمي بوجودها لكنه أكد على أنها تقلصت في الفترة الأخيرة بصورة كبيرة، قائلاً "..هناك بعض المحاكمات تجري بصورة غير علنية، فعلينا أن نعمل على جعلها علنية كما يؤكد القانون مثل الصحافة والقضايا السياسية"

ووصف خاتمي وزارة الأمن والانتهاكات التي جرت على يديها لحقوق الإنسان بأنها مثل الغدة السرطانية التي تفتحت في الفترة الأخيرة لكن تفتحها تباطأ بفضل إصراره وبفضل المساندة القوية من قبل القائد المعظم (مرشد الثورة) لكنه أوضح أن تقدماً حدث في عمل تلك الوزارة وأصبح أكثر منطقية، وشدد على ضرورة متابعة ذلك الجهد، ملمحاً إلى أن هناك فكراً شبيهاً لهذه الغدة في الجمهورية الإسلامية والنظام والمجتمع.

وأيا كان التقدم الذي طرأ على قضية حقوق الإنسان في إيران خلال السنوات الأخيرة، فإن أي انتهاكات تحدث في هذا الجانب حتى ولو كانت في نظر السياسيين يسيرة فإنها تعتبر بالنسبة للشخص الذي حدثت له تلك الانتهاكات كبيرة.
_________
المصادر:
1- مراقبة حقوق الإنسان، إيران، التقرير السنوي لعام 2000م
2-
لجنة مراقبة حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، إيران، تقرير عام 1993.
3- مقالات فهمي هويدي عن إيران، صحيفة الأهرام المصرية
4- الثورة الإسلامية في إيران على مفترق طرق، فريد هاليداي صحيفة الحياة - الأربعاء 4 نيسان/ أبريل 2001م.
5- نص خطاب الرئيس خاتمي أمام مجلش الشورى في طهران، ترجمة مجازة، صحيفة الحياة اللندنية، الأربعاء 2 مايو/أيار 2001م العدد 13926.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة