تكريس العلمانية في تركيا   
الجمعة 1427/10/11 هـ - الموافق 3/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:56 (مكة المكرمة)، 11:56 (غرينتش)


كمال بياتلي

لا يقتصر وجود العلمانية في تركيا على الجانب القانوني، بل يتعداه الى الشارع السياسي الذي يشهد تنافسا مستمرا لكسب ود الجمهور لاسيما في وقت الانتخابات، وقد حرص بناة الدولة التركية الحديثة على تضمين مبادئ العلمانية في الدستور التركي بطريقة لا تتيح فرصة لتغييرها، حتى لو كان للرأي العام التركي موقف آخر.

تكريس العلمانية
تنامي التيار الاسلامي
ا
لعلمانية في الدستور

تكريس العلمانية

استندت الدولة العثمانية إلى الخلافة أي إلى الدين الإسلامي الذي تقبله الجميع بشكل طبيعي، وعند انهيار هذه الدولة لم يكن أمام مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك خيار آخر غير الاستناد إلى علماء الدين والمشايخ، وهو ما نراه في صور رموز حرب التحرير التي قادها أتاتورك ضد جيوش دول الاحتلال.

بعد انتهاء حرب التحرير جمع أتاتورك جميع الصلاحيات بيده وأصبح الحاكم المطلق في البلاد، وقبيل انهيار الإمبراطورية العثمانية وأثناء تأسيس النظام الجمهوري كانت هناك توجهات فكرية وسياسية يمكن تصنيفها إلى ثلاثة تيارات رئيسية:

  1. الأول التيار الديني ويدعو إلى إدامة الخلافة وجمع الشعوب الإسلامية تحت رايتها ويتبع هذا التيار العوام ورجال الدين.
  2. الثاني هو التيار الطوراني ويستهدف إقامة دولة واسعة تضم الشعوب التركية الأخرى في آسيا الوسطى ومن رموز هذا التيار أنور باشا والمفكر الاجتماعي ضياء كوك آلب.
  3. أما التيار الثالث فيدعو إلى قيام دولة تركية في آسيا الوسطى أي الأناضول الحالية وعدم التدخل في شؤون ومصائر الشعوب التي كانت جزءا من الدولة العثمانية, وقاد هذا التيار أتاتورك وزملاؤه الذين أعلنوا قيام النظام الجمهوري بتاريخ 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1923.

"
بعد تأسيس الجمهورية كان التيار الإسلامي أحد ثلاثة تيارات تقاسمت النفوذ، لكن التيار العلماني هيمن بعد إجراءات مشددة قام بها أتاتورك
"

أعقب إعلان النظام الجمهوري فترة ملاحقة وإعدام عدد كبير من رجال الدين المناهضين للنظام الجديد وصدور قانون منع التكايا، ولكن كل ذلك لم يؤثر كثيرا على العقيدة الإسلامية المتأصلة لدى عامة الشعب منذ قرون طويلة، وبعد وفاة أتاتورك جاء خلفه عصمت أينونو إلى سدة الحكم وأعلن سلسلة قرارات ضد المعتقدات الدينية أهمها تغيير أذان الصلاة إلى اللغة التركية، هذا القرار أثار بشكل خاص موجة سخط واسعة لدى الجماهير، وكان من أهم عوامل الهزيمة الساحقة التي لحقت بحزب الشعب الجمهوري بزعامة أينونو على يد حزب جديد خاض انتخابات عام 1950 وهو الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس.

كان عهد حكومة مندريس بداية عهد التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية عبر خطة مارشال الاقتصادية وعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) وكان في نفس الوقت فترة راحة نسبية للأوساط المتدينة في تركيا، واستمرت هذه الفترة حتى انقلاب 1960 العسكري الذي أطاح بحكومة مندريس وسلم زمام الأمور إلى جهات وأوساط تدعي حماية العلمانية ومبادئ أتاتورك.

تنامي التيار الإسلامي

بعد انقلاب 1960 العسكري شددت الأوساط العلمانية قبضتها على كافة مؤسسات الدولة عن طريق حكومة عصمت أينونو وحزبه الشعب الجمهوري، ولكن الانتخابات النيابية التي جرت عام 1965 أنهت عهد هذه الحكومة وجاء حزب العدالة مع زعيمه الجديد سليمان ديميريل إلى السلطة بأغلبية كبيرة مشددا على أنهم امتداد للحزب الديمقراطي ولخط عدنان مندريس الذي أعدم شنقا من قبل الانقلابيين.
"
منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي بدأ التيار الإسلامي في الظهور وتعزز حضوره السياسي رغم الإجراءات القانونية ضده
"

شهدت هذه المرحلة فترة نمو اقتصادي كبير وتراخي القبضة عن الإسلاميين، ولمع نجم ديميريل الذي لم يكن أحد قد سمع باسمه من قبل في الأوساط السياسية، وكانت السبعينيات فترة مستجدات هامة على الساحة السياسية في تركيا ما تزال آثارها باقية في تركيا حتى يومنا هذا.

أول هذه المستجدات كان تأسيس أول حزب اسلامي الاتجاهات في تركيا من قبل نجم الدين أربكان تحت إسم حزب النظام الوطني. وبرغم حل هذا الحزب بعد إنقلاب الجيش عام 1970  فقد بدأت مسيرة طويلة في طريق التيار الإسلامي وصلت في نهاية المطاف إلى حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان.

المستجد الثاني هو تأسيس حزب قومي الاتجاهات باسم حزب الحركة القومية من قبل آلب أرسلان توركيش وهو عقيد متقاعد لعب دورا كبيرا في انقلاب 1960، وقد برز هذا الحزب في الفترة بين 1973 و1980 وقام بدور فعلي في الصدامات الدامية التي جرت بين اليمين واليسار في تركيا وأدت الى مصرع زهاء عشرة آلاف شخص معظمهم من الشباب والطلاب، وبعد وفاة مؤسسه أحرز الحزب فوزا كبيرا في انتخابات 1999 واحتل المرتبة الثانية بين الأحزاب السياسية وأصبح أحد أجنحة الحكومة الائتلافية التي شكلها بولنت أجاويد بعد تلك الانتخابات غير أنه مني بهزيمة كبيرة في انتخابات 2002.

كما قلنا فإن فترة السبعينيات أثرت كثيرا على بلورة الميول والاتجاهات وتأصلت جذور بعضها في تركيا، حيث اصبح حزب الحركة القومية رمزا للفكر القومي التركي فيما أصبح خط (الفكر المللي) الذي طرحه نجم الدين أربكان نبراسا سياسيا للحركة الاسلامية التركية فترة طويلة.

وبالعودة ثانية الى السبعينيات، فإن انتخابات 1973 لم تسفر عن فوز أي من الأحزاب بمقاعد في البرلمان تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده في وقت اشتدت فيه الأحداث في جزيرة قبرص. استمرت أزمة تشكيل الحكومة في أنقرة مدة طويلة ثم انفرجت بتحالف غير مسبوق بين التيار الاسلامي ممثلا بحزب السلامة الذي أسسه أربكان محل حزبه المنحل وحزب الشعب الجمهوري ممثل اليسار الوسط لتشكيل حكومة ائتلافية برئاسة بولنت أجاويد, وقامت هذه الحكومة باتخاذ قرار الإنزال العسكري التركي في جزيرة قبرص وتقسيم الجزيرة إلى شطرين شمالي تركي وجنوبي يوناني.

ائتلاف أجاويد- أربكان لم يدم كثيرا بسبب التباين الكبير في آراء الجانبين، وحتى نهاية السبعينيات تلاحقت حكومات ائتلافية على السلطة، ولكن عمر أكثرها لم يتجاوز السنة الواحدة بسبب صراع السلطة بين سليمان ديميريل وبولنت أجاويد في وقت احتدم فيه صراع دام بين الجناحين اليساري واليميني المتطرفين إلى درجة أصبح معها مقتل 20 أو 30 شخصا يوميا من الوقائع العادية في تركيا.

وجاء انقلاب 12 سبتمبر/ أيلول 1980 ليضع حدا لسكب الدماء واستقبلته الجماهير بحفاوة في السنين الأولى على الاقل. استعان العسكر في الحكومة الانتقالية ببيروقراطي متمرس هو (توركوت أوزال) الذي أصبح المحرك الأساسي للحكومة ثم أسس حزب "الوطن الأم" وخاض به انتخابات عام 1983 مسجلا فوزا حاسما أصبح بداية عهد استمر حتى وفاته في أبريل/ نيسان 1993 تولى خلاله مهام رئاسة الحكومة ثم رئاسة الجمهورية.

في هذه الفترة شهدت تركيا إصلاحات اقتصادية جذرية وانفتاحا أكبر على العالم الخارجي ونعمت الأوساط الإسلامية خلالها بحرية واسعة نسبيا، وبعد وفاة أوزال تعاقبت على السلطة حكومات ائتلافية من الوطن الأم والطريق القويم والرفاه (بعد حله اتخذ اسم الفضيلة) والديمقراطي الاجتماعي والحركة القومية.

الائتلاف الذي قام برئاسة نجم الدين أربكان بين حزبه الرفاه وحزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر تعرض لنكسة قوية على يد العسكر اضطرت معها الحكومة للاستقالة ما مهد الطريق أمام تعزز نفوذ العسكر والعلمانيين وتراجع الإسلاميين من مواقع كانوا كسبوها خلال السنين الأخيرة.

العلمانية في الدستور

صراع الهوية الدينية في تركيا بدأ منذ قيام الجمهورية التركية بين جماهير الشعب بمختلف شرائحه والأوساط العلمانية المتنفذة والمؤسسة العسكرية التي أعلنت نفسها حامية مبدأ العلمانية، فمنذ بداية النظام الجمهوري تسلمت كوادر حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال مقاليد الإدارة في كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية وتشبثت بمواقعها ولم تسمح لغير العلمانيين باستلامها.

"
الدستور التركي يحمي العلمانية ويمنع أي تغيير في النصوص الخاصة بها، والدولة هي المسؤولة عن تقديم الخدمات الدينية للمواطنين
"

ومنذ قرابة ربع قرن والعلمانية تستند إلى دستور 1982 حيث تنص المادة 2 وهي من المواد الدستورية الثلاث المحظور تغييرها بل وحتى تقديم مقترح بتغييرها على أن تركيا دولة علمانية، ولكن المادة 136 من الدستور نفسه تنص على إقامة مؤسسة باسم رئاسة الشؤون الدينية تتولى تقديم الخدمات الدينية للمواطنين، فكيف تكون الدولة علمانية إذا كانت تتولى في نفس الوقت تقديم الخدمات الدينية للمواطنين بنفسها؟ ألا تستوجب العلمانية فصل الدين عن شؤون الدولة؟ نقاش مازال يثور في تركيا بين الفينة والأخرى.

المادة المتعلقة بحرية الدين والضمير هي المادة 24 التي تنص على أن الجميع يملكون حرية المعتقد والعبادة وحرية إقامة المراسم والاحتفالات الدينية شرط عدم المساس بأحكام المادة 14 التي تحظر النشاطات المنافية للعلمانية والممارسات الديمقراطية. إضافة إلى ذلك فإن الدولة تتولى حسب الفقرة الثانية من المادة 24 من الدستور تدريس حصة الدين في المدارس الأولية والمرحلة الثانوية، تناقضات مازالت موضع نقاش.

بعد هذا التمهيد يمكننا القول إن الصراع على الهوية الدينية والقومية بدأ ببطء مع قيام النظام الجمهوري واكتسب تعجيلا في السبعينيات في مجال الهوية الدينية أو بالأحرى الإسلام السياسي بفضل حركة الفكر المللي التي أعلنها نجم الدين أربكان، في حين تصاعد المد القومي في عهد الصدام المسلح بين اليمين القومي واليسار الشيوعي, وهذا المد انحسرت قوته باستقالة حكومة بولنت أجاويد الائتلافية التي كانت تضم حزب أجاويد اليساري وحزب الحركة القومية ويمثل أقصى اليمين وحزب الوطن الأم ممثل اليمين الليبرالي, واتفقت آراء الجماهير على فشل هذه الحركات في تحقيق تطلعاتها وبالتالي على ضرورة البحث عن خيارات بديلة.

في هذه الفترة بالذات بدأ اسم رجب طيب أردوغان بالبروز لأسباب منها الإنجازات التي حققها أثناء توليه منصب رئيس بلدية إسطنبول وماضيه الإسلامي وامتيازه هو وساعده الأيمن عبدالله غول عن أستاذهما القديم أربكان بجانبهما العملي. وجاءت انتخابات 2002 سوية مع أزمة الحرب العراقية وضاعف قرار البرلمان التركي برفض طلب مرور القوات الأميركية من تركيا إلى العراق من شعبية أردوغان وحكومته.

وإذا ما ألقينا نظرة على الأحداث الجارية في المنطقة نرى أنها أدت إلى تطورات جذرية في بنية المجتمع التركي. صور الأعمال الوحشية للجنود الأميركان في العراق ولفضائح سجن أبوغريب وتوسيع إسرائيل هجماتها واعتداءاتها ضد الفلسطينيين, أصابت الشارع التركي في الصميم.

هذه الأحداث أي الاحتلال الأميركي للعراق والفظائع التي يقوم بها هناك إلى جانب دعمه غير المشروط لإسرائيل في عدوانها السافر المستمر على الشعب الفلسطيني وأخيرا على لبنان وقصف المدنيين, أدت إلى تعزز الهوية الدينية في تركيا وإلى تعاطف واسع للجماهير التركية مع قضية فلسطين ومع الشعب العراقي ثم مع الشعب اللبناني في مواجهة العدوان الأخير بل وحتى دعم إيران في قضية ملفها النووي, وتجاوز الأمر تعزيز الهوية الدينية بل تعداه إلى إلهاب مشاعر تضامن إقليمي بشكل لم يظهر حتى إبان الإنزال التركي في قبرص إلى درجة أن الجناحين المتضادين اليمين واليسار التركي التقيا ولأول مرة في تاريخ تركيا في موقف قوي معاد لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية يمكن مشاهدته في مظاهرات وأعمال التنديد والاستنكار اليومية في معظم أنحاء تركيا ومن جانب جميع المنظمات الشعبية والمهنية والنقابات وغيرها، وإزاء الموقف الشعبي التركي المتصاعد لأميركا وإسرائيل قامت واشنطن مرارا بلفت نظر الحكومة التركية إلى خطر تصاعد هذا المد المعادي لأميركا في تركيا.

مقابل هذا الموقف الشعبي العارم المساند لقضايا المنطقة بدأت الأوساط العلمانية بدورها باتخاذ موقف مضاد مستخدمة وسائل الإعلام التي تملك معظمها في تركيا غير أنها لم تستطع إحراز نجاح يذكر.

ولكن المواجهة الكبرى في تركيا ستتمحور على انتخابات رئاسة الجمهورية في العام 2007 القادم لأن ولاية الرئيس الحالي أحمد نجدت المعروف بأنه من أشد العلمانيين تصلبا ستنتهي آنذاك. وبما أن تعيين كبار الموظفين أي الكادر البيروقراطي الأعلى الذي يقبض فعليا على إدارة البلاد يستوجب مصادقة رئيس الجمهورية فإن وجود حكومة حزب كالعدالة والتنمية لا يكفي وحده لتغيير بنية البيروقراطية والجهاز القضائي التي يهيمن عليها العلمانيون لدرجة كبيرة في تركيا.

وحتى في حالة انتخاب رئيس جمهورية محايد فإن الجناح العلماني الذي بدأ يفقد قلاعه الواحدة تلو الأخرى في السنين الأخيرة سيتلقى ضربة قاصمة شرط فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات النيابية العامة التي ستجري بدورها في منتصف العام القادم. لذا فقد بدأت الأجنحة تشحذ أسلحتها منذ اليوم استعدادا للمعركة الفاصلة التي ستجري بعد أقل من عام.

ولا يفوتنا القول إن مرحلة عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي عضدت ساعد الحكومة حيال المؤسسة العسكرية التي لم تعد تستطيع التلويح باستخدام القوة كالسابق، وعليه فإن الصراع سيبلغ أشده منذ مطلع العام القادم وحتى منتصفه في سجال على الهوية أو بالأحرى على مستقبل الشعب التركي وتركيا.
_______________
كاتب تركي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة